الرفيق عبدالله الحريف في قراءة للصراع الطبقي عن كتابه مع الرفيق ابراهام السرفاتي
نظم النهج الديموقراطي بالدار البيضاء يوم 23-6-2017 ندوة اطرها الرفيق عبدالله الحريف في قراءة للصراع الطبقي عن كتابه مع الرفيق ابراهام السرفاتي.
مجدي مجيد
الصراع الطبقي والخصوصيات الإثنو-ثقافية في المغرب
الأسس التاريخية
كشفت انتفاضات يناير 1984 ظاهرة جد هامة تتعلق بتاريخ المغرب وتشكل الوطن المغربي. ذلك أن إمتداد الثورة الشعبية إلى مجموع الشمال المغربي (منطقة الحماية الاسبانية سابقا) ومستوى العنف الممارس وطول الانتفاضات من الناحية الزمنية ومشاركة فلاحي القرى القريبة من المدن، كلها عناصر تطرح بحدة مشكلا ظل لوقت طويل يعتبر كموضوع محظور في المغرب.
إن النقاش حول هذا المشكل ظل محاصرا لأن أغلب القوى السياسية تعتبر كل مطلب إثنو – ثقافي كمطلب "متخلف"، إن لم يكن انفصاليا. لكن يجب الإشارة إلى أن بعض القوى السياسية بدأت تطرح المشكل "الأمزيغي" لكن باختزاله في مشكل لغوي، كما أن قوى أخرى تتكلم عن "تخلف" أو " تهميش" بعض المناطق كالريف مثلا وتقترح برامج خاصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المناطق.
لكن كل هذه القوى تنطلق من تصور ممركز ويعقوبي للدولة (vision centraliste et jacobine) يجد جذوره في نظرة خاطئة لتاريخ المغرب.
إن هذه النظرة التي هي نظرة البرجوازية الوطنية التي قادت الحركة الوطنية خلال الكفاح من أجل الاستقلاق. تعتبر البلد ككيان تشكل منذ 14 قرنا وحكم منذ ذلك الحين، بواسطة دولة مركزية كانت تتحكم في مجموع تراب البلاد، وبالتالي أذى ذلك إلى انمحاء الخصوصيات الإثنو- ثقافية.
إن الجناح الجذري وسط الحركة الوطنية، ولإعتبارات تختلف عن اعتبارات البرجوازية الوطنية – التي كانت تحاول فرض منظورها لتاريخ المغرب لخدمة محاولاتها إنشاء سوق وطنية ولإعطاء مشروعية لقيادتها للحركة الوطنية – إن هذا الجناح تبنى نفس التصور. ولعل ذلك بسبب هيمنة المنظور اليعقوبي الممركز للدولة داخله ورغبته في إقامة دولة عصرية ووضع أسس مشروعية هذه الدولة واستغلال مشروعية الدولة ونفوذها لفرض تغييرات اقتصادية واجتماعية تقدمية من فوق، وذلك بهدف هزم الطبقات السائدة (الكمبرادور وملاكي الأراضي الكبار).
إن الطبقات السائدة بررت سيطرتها باللجوء إلى نفس الايديولوجية لكن بعض الشرائح وسطها استمرت في تأكيد خصوصيتها واستغلت العلاقات الزبونية التي تربطها بسكان مناطقها الأصلية من أجل بناء قاعدة اجتماعية، سياسية ترتكز عليها في صراعها من أجل تحسين موقعها وسط الطبقات السائدة. إن إحدى الأمثلة الأكثر معبرة في هذا المجال يتمثل في البرجوازية السوسية (التي تسيطر على قطاعات اقتصادية هامة في الدار البيضاء ومدن كبيرة أخرى التي تطور علاقاتها مع منطقتها الأصلية سوس عبر تنظيم شبكات من الزبائن تغطي المنطقة بأكملها. إن هذه الشبكات توفر للبرجوازية السوسية قاعدة اجتماعية/سياسية هامة ومفيدة بشكل خاص في المنافسة بين مختلف شرائح الطبقات السائدة، وبالخصوص البرجوازية الأقوى أي البرجوازية الفاسية.
كذلك الأمر بالنسبة للملاكين العقاريين شبه الاقطاعيين الملاكون العقاريون الذين يستغلون أراضيهم في إطار علاقات ما قبل الرأسمالية : الخماسة أو يستفيدون من المراعي الجماعية في إطار علاقات "الشراكة" أو بواسطة الرعاة الممثلين سياسيا من طرف "الحركة الشعبية" تحت قيادة المحجوبي أحرضان والذين يستغلون مشكل الهوية الإثنو-ثقافية لسكان الأطلس المتوسط والكبير لخدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية. إن إنسحاب المحجوبي أحرضان وأتباعه من الحكومة يمكن فهمه كتعبير من معارضته لسياسة القمع التي تمارسها الدولة ضد بعض أشكال التعبير الثقافي الأمزيغي (إعتقال صدقي ومنع مجلة "أمزيغ" ومنع انعقاد الجامعة الصيفية بأكادير) وعن رفضه للسياسة "الليبرالية المتوحشة" في الميدان الاقتصادي التي تبنتها الحكومة بتوجيه من صندوق النقد الدولي والتي ستؤدي إلى تسريع وثيرة تغلغل الرأسمالية الاحتكارية الكمبرادورية في بعض المناطق التي كانت إلى أمد قريب خارج نطاق سيطرتها (جبال الأطلس، الريف...).
هناك عدة عوامل ساهمت في جعل نقاش الخصوصيات الاقليمية مسألة متفجرة وفي منع القوى التقدمية من تجاوز المنظور البرجوازي للوطن المغربي.
- إن الاستعمار قد استغل هذه المسألة لمحاولة تقسيم الشعب المغربي وإعاقة توجيه كفاحه التحرري (ويجدر هنا التذكير بـ "السياسة البربرية" المشهورة للمارشال ليوطي والحماية الفرنسية، وخاصة الظهير البربري السيء الذكر).
- التخوف من أن الاعتراف بالخصوصيات الاثنو-ثقافية قد يؤدي إلى تقسيم كفاح الشعب المغربي وطمس التناقضات الطبقية.
- غياب وعي عميق بأن الوحدة الحقيقية للوطن المغربي لا يمكن أن تنبني على نفي الخصوصيات الإثنو- ثقافية وأن الاتقاء إلى وحدة ترغب فيها حقا مختلف مكونات الشعب المغربي لا يمكن أن يتم فقط بواسطة مركزة الدولة، بل أن هذا الارتقاء يتطلب معالجة ديمقراطية للخصوصيات ى تقتصر على الاعتراف بها كخصوصيات ثقافية، لغوية أو إقتصادية / إجتماعية بل تهييء كل الشروط لتنمية مستقلة ومتحررة من كل أشكال القمع والاضطهاد لهذه الخصوصيات التي تشكل مكونا أساسيا من تراث الشعب وتعبر عن التنوغ الخارق العادة والغنى الكبير للثرات التاريخي لشعبنا.
غير أن تجاوز التصور البرجوازي المثالي للتاريخ المغربي لا يمكن أن يتم إلا على أساس مقاربة مادية – تاريخية لتاريخ المغرب وتفسير مادي تاريخي للخصوصيات الإثنو – ثقافية يبحث عن القاعدة المادية لهذه الخصوصيات ولإستمرارها غبر القرون وحيويتها. هدا ما سنحاول توضيحه في الصفحات التالية:
نعتبر أن قدرة لغة وثقافة لمجموعة بشرية ما على الاستمرار في الحياة وأن الإحساس القوي بالوحدة التي تربط أعضائها وتبلور وحدة سياسية وسط هذه المجموعة لا يمكن تفسيرها إلا بالكشف عن قاعدتها المادية التاريخية، وخاصة عبر استكشاف أنماط الانتاج والبنيات الاجتماعية السائدة داخل هذه المجموعة الاجتماعية
ومع إقرارنا بالعلاقة الجدلية ما بين الثقافة واللغة من جهة والبنية التحتية (نمط الانتاج) من جهة أخرى، نعتبر أنه من المستحيل تفسير بروز وقدرة الخصوصيات الإثنو- ثقافية على الاستمرار في الحياة بعزلها عن تطور أسسها المادية في الانتاج والبنيات الاجتماعية.
لا ننفي أهمية اللغة والثقافة في تشكيل الهوية بل حتى دورها في تطور الانتاج، لكن نعتبر أنه من باب السقوط في المثالية، إن لم يكن في العنصرية، حصر تحليل الخصوصيات الإثنو – ثقافية في الميدان الثقافي وفي "طبيعة" مزعومة أزلية وملازمة لبعض المجموعات البشرية.
إلا أن العلاقة ما بين اللغة والثقافة وأساسهما المادي ليست بسيطة، لأن البنية الفوقية تتمتع باستقلا لية نسبية عن البنية التحتية الاقتصادية. غير إننا نعتبر أن إندثار الأسس المادية لثقافة معينة لا بد أن يؤدي إن عاجلا أم آجلا، إلى انحلالها. أفلا يمكن، وبهذه المسألة بالذات، تفسير كون ثقافة بعض المناطق في المغرب قد تحولت إلى مجرد فلكلور للسواح؟
إن نظرة مادية – تاريخية للخصوصيات الإقليمية هي الكفيلة وحدها، في نظرنا، يتجاوز النظرة المثالية لمغرب متجانس وموحد (بالمعجزة !) منذ أربعة عشر قرنا (الفتح العربي – الاسلامي) أو النظريات التي تختزل البلاد في "عجاج" عن القبائل تقاتل بعضها البعض بدون إنقطاع ومنغمسة في صراعاتها التافهة والنار من بعضها البعض إلى ما لا نهاية.
إن المادية التاريخية وحدها القادرة على استيعاب العلاقة الجدلية بين الأرض والثقافتين الوحدة والتنوغ.
لا نزعم فيما يلي أننا قدمنا أجوبة نهائية لهذا المشكل المعقد في تاريخ المغرب والذي يشكل موضوعا ملتهبا وجد مهم في الصراع الايديولوجي الراهن. سنكتفي بوضع اللبنات الأولى التي ستساهم الدراسات التاريخية المعمقة (شريطة أن تبتعد عن الدروب المطروقة للبحث الأكاديمي الذي كثيرا ما يستسلم لمنطق الدولة (raison d’Etat) أو لضرورات "إجماع وطني" مزعوم) وفي توضيحها وإغنائها بل حتى تصحيحها.
سنحاول رسم الخطوط العريضة للسيرورة التاريخية المعقدة التي أدت إلى الانحلال وتلاشي بنيات الانتاج الجماعية في "بلاد المخزن" من جهة واستمراراها النسبي في "بلاد السيبة" من جهة أخرى.
نريد هنا أن نثير الانتباه إلى أننا لا نعني أن الأرض بأكملها بقيت أرضا جماعية في "بلاد السيبة". إن الدراسات التاريخية تبين أن الملكية الخاصة للأرض ظهرت بشكل مبكر نسبيا في الريف، لكن الملكية الجماعية ظلت مع ذلك هي السائدة : مناطق جبلية غير ملائمة للزراعة وحيث يكتسي الاقتصاد الغابوي الرعوي أهمية كبيرة في حين أن الغابات والمراعي أراضي جماعية – و من جهة أخرى ظلت الملكية الخاصة للأرض متعادلة نسبيا في الريف وشكلت قلة الأراضي القابلة للزراعة في المناطق الجبلية عائقا أمام تشكل الملكيات العقارية الكبيرة. وحدها الملكية العقارية الصغيرة رأت النور : فلاحون يملكون قطعا صغيرة تمكنهم في أحسن الأحوال، من تلبية حاجيات عائلاتهم من المواد الفلاحية الأساسية : الحبوب، بعض الخضر، ...
في كتابه "دراسات في التاريخ المغربي" كتب جرمان عياش في مقال "المجتمع الريفي والسلطة المركزية المغربية" ما يلي:
"يمثل هذا المستوى ورغم تواجد الملكية الخاصة للأراضي الزراعية وتقسيم واضح للعمل، فإن القبيلة الأصلية تبقى هنا أكثر من أية منطقة أخرى الإطار الصارم لمجمل الحياة. إنها تشكل جسما إجتماعيا متميزا ينقسم إلى فخذات تنقسم هي الأخرى إلى مجموعات أسر يوحدها الإحساس بقرابة عائلية مشتركة. إن القبيلة تشكل أيضا وحدة جغرافية لها رقعتها المحددة بدقة والمكونة من أقسام متوازنة من أرض جماعية وغابات ومراع" (الص 201-202).
ويضيف في مكان آخر: "أما فيما يخص الحياة السياسية فإنها تحدد بتوزع الأراضي ما بين أعضاء القبيلة وفي المرحلة العصرية ليس كل هؤلاء الأعضاء ملاكين لذلك لا يبقى أمام الفلاحين بدون أرض سوى لعب دور زبائن لمشغليهم. ومن جهة أخرى فإن مساحة الأرض التي يملكها الفلاحون تختلف من فلاح لآخر بدون شك، لكن نظرا لضيق المساحات المتوفرة وعدد الملاكين الذي ظل مهما، فإن هناك فلاحون أعنياء لكن ليس هناك ملاكون كبار (التسطير من عندي).
ويفسر جرمان غياش أن منصب "الشيخ" يمنح بالانتخاب وأنها وظيفة مؤقتة لا علاقة لها باليوراثمة (الص 203)، وينتخب "الشيخ" من طرف الفلاحين المالكين، رؤساء الأسر وذلك على مستوى مجموعة الأسر (الدوار). ويستطرد : "لكن يمكن أن نضيف في حالة الريف على الأقل، أننا أمامنوع من الديمقراطية ديمقراطية الفلاحين المالكين. إذن ليس الأمر يتعلق بديمقراطية مطلقة. أولا لأن رؤساء الأسر وحدهم هم الأعضاء في المجالس باستثناء أبنائهم حتى لو كانوا متقدمين في السن، وثانيا وأساسا، لأن الفلاحين بدون أرض لا يشاركون ومع ذلك فإنها ديمقراطية واسعة نسبيا لأنه فيما يخص الأسر فإن تطابق المصالح أقوى من التناقضات، وحسب الشهادات فإن القرارات كانت جماعية، في نفس الوقت لا يمثل الفلاحون المعدمون الجمهور الغفير مقابل بعض الملاكين الكبار، إن الملكيات الفلاحية كثيرة ومتواضعة إن لم تكن صغيرة و لا يمكنها أن توفر الأساس الاقتصادي للاضطهاد العنيف الذي يتطلبه الاستغلال القاسي (الص 204، التفسير من عندي).
فليسمح القارئ عن هذه الاستشهادات الطويلة لكنها المعبرة عن البنيات الجماعية في منطقة الريف، وما يجب ملاحظته هو غياب الملاكين العقاريين الكبار وبنية الملكية متعادلة نسبيا وكذا بنيات قبلية ديمقراطية وحيوية.
إن الوضعية في "بلاد المخزن" كانت مختلفة تماما، إن ظهور المخزن ذاته وإعادة إنتاجه يرتبطان ارتباطا وثيقا ببروز أوليغارشيا قبلية، انتصبت بفضل سيطرتها على تجارة القوافل، كطبقة وظهرت أداة هيمنتها: الدولة (المخزن). إن قوتها الاقتصادية والسياسية ستمكنها من إفراغ الهياكل القبلية من أي مضمون: فعلى المستوى السياسي ستتحول هذه الهياكل الديمقراطية إلى هياكل وراثية جامدة. أما على المستوى الاقثصادي فإن أعضاء الأوليغارثيا القبلية السائدة سيستحودون عل الأراضي الجماعية. وهكذا ستشهد هذه المناطق ظهور الملاكين العقاريين الكبار الذين يشغلون عشرات إن لم يكن مآت الخماسة والرباعة والعزابة ويفرضون عليهم استغلالا قاسيا.
إن تجارة القوافل ستولد ازدهارا عظيما في المدن حيث ستتطور الحرف بشكل خارق للعادة وستبرز للوجود طبقة من التجار الأغنياء. إن هؤلاء التجار والأولبغارثيا القبلية وما يمكن تسميته بأرستوقراطية دينية (الشرفاء، رؤساء الزوايا) سيشكلون القاعدة الطبقية للمخزن.
(surplus économique interne)
لكن لم يكن من الممكن أن يتوقف استمرار المخزن والطبقات السائدة على تجارة القوافل وحدها. كان من الضروري أن ينتج فائض اقتصادي داخلي
وأن تستوحذ عليه الطبقات السائدة ودولتها لتضمن إعادة إنتاج نفسها. إن هذا الفائض يستخرج أساسا من الفلاحة وبشكل ثانوي من النشاط الحرفي وبما أن المناطق الغنية من الناحية الفلاحية هي التي كانت قادرة على توفير هذا الفائض، فإن المخزن سيبسط نفوذه على هذه المناطق وستحل فيها تدريجيا الملكية شبه – إقطاعية / التي ستمكن من انتزاع الفائض من طرف الملاكين العقاريين ودولتهم / محل الملكية الجماعية.
وعلى عكس ذلك، لم يستطع المخزن غزو مناطق "السيبة" لأنه لم يكن يتواجد فيها ملاكون عقاريون كبار يمكن أن يجدوا في المخزن حليفا لهم يمكنهم من تدعيم سيطرتهم الاقتصادية وتؤسيع نفوذهم السياسي. وخلافا لذلك فإن البنيات الجماعية التعادلية نسبيا، تمكن القبائل من الدفاع عن أراضيها كرجل واحد، وذلك رغم كل التناقضات التي تخترقها.
وهكذا كانت قبائل "بلاد السيبة" تعيش في نوع من الاستقلال عن السلطة المركزية، مما ساعد بدوره على أن تبقى الهياكل القبلية سائدة وأن تحافظ على حيويتها. إن ذلك لا يعني أن القبائل كانت تعيش في نظام استكفاء ذاتي (autarcie) وأنها لم تكن تهتم بما يحدث في باقي مناطق البلاد.
إن العلاقات الاقتصادية والثقافية مع القبائل الأخرى كانت هامة كما يشهد على ذلك نشاط الأسواق والمواسم والاحتفالات الأخرى.
إن هذه القبائل كانت ترى في كل ما من شأنه أن يهدد البلاد وسيادتها تهديدا لحياتها هي مما كان يؤدي إلى تعبئتها لطرد العدو. وهكذا فإن إرادة الاستقلال عن السلطة المركزية عند القبائل كانت تجد أسسها في تشبت القبائل العميق ببنياتها السياسية الديمقراطية في حين كانت القبائل ترى في المخزن وسلطة القواد الكبار وغيرهم من كبار ملاكي الأراضي المستغلين تهديدا لنمط عيشها ووجدانها وخطرا على بنياتها التعادلية والديمقراطية.
إن إرادة الاستقلال هاته لا تعبر بتاتا عن عدم الإهتمام بمصير البلاد ككل ولا عن رغبة في تحطيم العلاقات التي نسجتها بمكونات الشعب المغربي.
لقد رأينا أن البنيات الجماعية قد شهدت، في مناطق المخزن تفككا وتحللا بطيئين وأن نمطا جديدا للإنتاج قد حل محلها وأن التمايزات الطبقية قد تطورت : ملاكون عقاريون كبار من جهة وخماسة في حالة شبه أقنان من جهة أخرى. إن التغلغل الرأسمالي المباشر سيسرع هذه السيرورة، وسيتوجه هذا التغلغل، أولا وقبل كل شيء، نحو "بلاد المخزن" وخاصة ما يسمى بـ "المغرب النافع"، وذلك لأسباب عدة : تواجد الدولة التي تضمن حدا أدنى من الأمن وهو شرط ضروري للنهب الرأسمالي المركنتيلي، تواجد فئة من ملاكي الأراضي الكبار والتجار الذين يمكنهم أن يلعبوا دور الوسطاء مع القبائل في العمليات التجارية، غنى هذه المناطق، سيطرة علاقات إنتاج تسمح بانتزاع فائض فلاحي ... و من البديهي أن التغلغل الرأسمالي (عبر علاقات السوق) سيسرع عمليات تحطيم علاقات الانتاج الجماعية لإستبدالها بعلاقات إنتاج جديدة خاضعة لهيمنة الرأسمال.
وهكذا فإن نتيجة التغلغل الرأسمالي يتمثل في إعطاء دفعة جديدة للتمايزات الطبقية داخل قبائل "المغرب النافع". على عكس ذلك، فإن "بلاد السيبة" ستظل محمية نسبيا من التغلغل الرأسمالي بسبب مقاومة الهياكل الاجتماعية وضعف الخيرات التي يمكن أن تجتذب الرأسماليين وصعوبة المواصلات وانعدام الأمن بالنسبة للأجانب. لذلك سيظل تطور البنيات القبلية الجماعية خاضعة لدينامية داخلية مما سيمكنها من الحفاظ على تماسكها وحيويتها.
والحال إنه، إن لم يؤخذ ما أتينا على ذكره بعين الاعتبار، فإنه يصبح من المستحيل في نظرنا تفسير كون قبائل "بلاد السيبة بالذات (الريف الأطلس، الجنوب) هي التي كانت قادرة ليس على مقاومة الاستعمارين الفرنسي أو الاسباني وهزمهما في عدة معارك فحسب، بل أيضا أن تتوعد في حركات واسعة ذات طابع اقتصادي سياسي وعسكري حركات استطاعت قيادة كفاح المقاومة المسلحة وبلورة وتجسيد مشروع مجتمعي جديد (وتشكل جمهورية الريف في العشرينات المثال الأكثر اكتمالا لذلك).
إن هذه القدرات الهائلة على المقاومة وهذه القدرة على التوحد في حركة لا تقهر التي أظهرتها قبائل "بلاد السيبة" في مواجهة التغلغل الاستعماري لا يمكن تفسيرها بظهور قائد/معجزة ولا بـ "المزايا الحربية" لهذه القبائل ولا بالطبيعة الجبلية للأرض، رغم أن كل هذه العوامل قد لعبت دورا لا يستهان به في الانتصارات التي حققها الكفاح. إن السبب العميق لهذه الانتصارات يمكن في كون قبائل بلاد السيبة"، خلافا لقبائل "بلاد المخزن" استمرت في الحياة في إطار علاقات سياسية قبلية ديمقراطية نسبيا، هذه العلاقات السياسية التي تجد أساسها المادي في علاقات اقتصادية مازالت تعادلية إلى حد كبير، إن هذه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي التي شكلت قوة القبائل لأنها مكنتها من تجاوز خلافاتها الداخلية وتوحيد كفاحها.
حقا، إن مناطق المغرب قاومت الاحتلال الاستعماري. فلم يرضخ الشعب المغربي في أية منطقة من البلاد عن خاطره للإحتلال. لكن لابد من الاعتراف أن المقاومة الشعبية ظلت في "بلاد المخزن" تفتقد إلى الوحدة وأنها كثيرا ما اكتسبت طابع عصيانات وانتفاضات عفوية وأنها حرفت عن مسارها من طرف الطبقات السائدة. فهل كان من الممكن، والحالة هاته، أن يحدث غير ذلك حين يأخذ المرء بعين الاعتبار كون الأعيان وعدد من رؤساء الزوايا وكبار موظفي المخزن ومن القواد والتجار الكبار ومختلف شركائهم كانوا قد تحولوا بواسطة نظام "الحماية" (protectorat) إلى عملاء لمختلف الدول الرأسمالية الكبرى عملاء لا هم لهم سوى خدمة مصالح أسيادهم مساهمين بالتالي في زرع البلبلة واليأس وسط الجماهير الشعبية ومتبطين الهمم ومدافعين عن الاستسلام للعدو.
والحقيقة أنها مسألة عظيمة أن تتفجر، رغم كل ذلك، مقاومة عفوية ومشتتة في جميع مناطق البلاد تقريبا، من الدار البيضاء إلى وجدة ومن الشمال إلى الجنوب.
إن الحركة المسماة بـ "الحافظية" التي أصبحت حركة واسعة في 1908-1910 والتي كانت تهدف إلى استبدال عبد العزيز بعبد الحفيظ فوق العرش، إن هذه الحركة معبرة عن التباس وحدود حركات المقاومة ضد التغلغل الاستعماري في "بلاد المخزن".
إن الجماهير الشعبية، من مراكش إلى فاس مرورا بالبوادي، رأت في هذه الحركة وسيلة لمقاومة التغلغل الاستعماري الذي أصبح خطرا داهما بعد سقوط الدار البيضاء في 1908 في يد يد الفرنسيين ومع قضم التراب الوطني في الشرق من طرف الجيش الفرنسي وكذا ضد تهاون وانحلال وتعفن المخزن أيام عبد العزيز. وقد اعتبر عبد الحفيظ سلطان الجهاد (ويعني هنا الكفاح ضد المستعمر الفرنسي وليس بالمغزى الديني للكلمة) الذي عليه أن يقود المقاومة ويحل محل عبد العزيز الذي اعتبر كممثل لقوى الاستسلام.
وفي هذا الصدد، فإن بيعة علماء فاس في يناير 1908 (وهي بيعة مشروطة تعبر عن الطموح إلى الحفاظ على الاستقلال الوطني وكذا مطالب الحرفيين والتجار الصغار في المدن) لعبد الحفيظ واضحة تماما. وعلى العكس فإن الطبقات السائدة، وعلى رأسها عبد الحفيظ قد طورت هذه الحركة ضد عبد العزيز مع العمل على إفراغها من مضمونها الوطني ككفاح تحرري ومقاومة للإحتلال ومن مضمونها الاجتماعي كنضال ضد الامتيازات الفاحشة لكبار موظفي المخزن والقواد والتجار الكبار. إن عبد الحفيظ والتحالف الذي كان يسانده قد استفاد من هذه الحركة الواسعة لأخذ السلطة. وما أن حققوا هذا الهدف حتى أداروا الوجه للمطامح الشعبية بتقديم التنازل تلو التنازل للإستعمار الفرنسي وصولا إلى الاستسلام التام (توقيع عبد الحفيظ لمعاهدة الحماية 1912) وكذا بالتنكر لإلتزاماتهم إزاء الجماهير الشعبية، إن سياسة عبد الحفيظ ليست سياسة شخص معزول، إنها سياسة الطبقات السائدة التي تملكها الفرع أمام طاقات المقاومة عند الجماهير الشعبية والتي كانت قد استسلمت أي الطبقات السائدة، منذ زمن طويل للإستعمار وتحولت إلى مجموعة من عملائه ووسطائه الذين يشاركون في نهب واستغلال الشعب المغربي.
فما كان من شأن الحركة الحافظية التي كانت على رأسها قيادة مثل هذه تتداخل مصالحها مع مصالح الدول الرأسمالية الكبرى – إلا أن تؤدي إلى الفشل والاستسلام وإلى ترك قبائل "بلاد المخزن" عرضة لليأس.
وخلافا لذلك، فإن الكفاح في الجنوب المعربي، تحت قيادة "الهيبة" في 1911-1912، له طبيعة مختلفة تماما عن الحركة الحافظية التي ظلت تحت أمرة الطبقات السائدة المرتبطة بالمصالح الغربية.
فأمام وصول الجيش الفرنسي إلى فاس في 1911، شهدت منطقة سوس هيجانا شعبيا. فقررت قبائل سوس والجنوب الصحراوي أن تنظم الكفاح ضد الاستعمار ونصبت على رأسها أحمد الهيبة ابن الشيخ ماء العينين الذي كان قد قاد خلال سنوات طوال المقاومة ضد الفرنسيين في الصحراء الغربية والذي كان يتمتع بنفوذ روحي عظيم وسلطة سياسية كبيرة في جنوب المغرب والصحراء الغربية.
وقد إلتحقت كل قبائل سوس والجنوب بكفاح "الهيبة" بحماس. وكانت حركة "الهيبة" أكثر جذرية بكثير من حركة الحافظية، كما يشهد على ذلك برنامجها السياسي الذي يتشكل من العناصر التالية:
- الجهاد ضد النصارى (النصارى كغزاة وليس كنصلرى: التوضيح من عندي).
- لا للقواد ! ولا للجاني ! (الشخص المكلف بجمع الضرائب).
- لا للضرائب غير القانونية.
إن حركة "الهيبة" كانت تكافح من أجل أن تختار القبائل قوادها وأن يتم إقالة القواد الذين عينهم المخزن. لإذن من الواضح أن هذه الحركة كانت حركة القبائل التي كانت قد حافظت على هياكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التعادلية والديمقراطية نسبيا والتي كانت تحارب في نفس الوقت الاستعمار و "الأوليغارشيا" المخزنية التي كانت تحاول فرض هيمنتها عليها. لقد كانت منطقة سوس تعاني من ظلم واعتصاب القواد وصارعاتهم اللامتناهية.
في كتابه "حركات الاحتجاج والمقاومة في المغرب 1820-1912" كتب أدوند بورك: "إن الشروط الاقتصادية المأساوية في منطقة سوس التي فاقمها الصراع الدامي لرأس واد سوس وأزمة المشروعية الناتجة عن توقيع معاهدة الحماية، إن هذه العناصر أدت إلى انفجار ثورة شعبية جذرية. إن حركة الهيبة كانت جوابا على شروط خاصة بمنطقة سوس (التسطير من عندي).
إن الموقف العامض للقواد الكبار من حركة الهيبة يبين بوضوح الطبيعة الجذرية لهذه الحركة. وهكذا فإن القواد الكبار، وأمام الاستقبال المنحمس الذي خصته قبائل سوس والمناطق المجاورة لأحمد الهيبة والدعم اللامشروط الذي قدمته لكفاحه، إن هؤلاء القواد تظاهروا بدعمه في نفس الوقت الذي استمروا فيه برفقة المستعمرين الفرنسيين في حبك المؤامرات ضده، وفي نفس الاتجاه، وبينما استقبلت جماهير مراكش جيش الهيبة ببهجة وحماس تميز موقف التجار والأعيان بالنفاق.
وكذلك ليس من باب الصدفة أن تكون قبائل الأطلس المتوسط وخاصة قبائل بني مطير وبني مكيلد في طليعة الكفاح ضد الاحتلال. ليس من قبيل الصدفة أن تتمكن من تنظيم حركات سياسية وعسكرية قادرة على هزم الجيش الفرنسي في العديد من المعارك ومن بناء تحالفات مع قبائل أخرى في الأطلس المتوسط، خاصة شمال وشرق فاس، بهدف منع وصول إمدادات الجيش الفرنسي من الجزائر. ونظن أن مقاومة قبائل الأطلس المتوسط ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من تنظيم و وحدة وبعد نظر سياسي وتضحيات واستماتة لو لم تكن القبائل تتوفر على هياكل توحدها وتعبئها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ليس من الضروري الإكثار من الأمثلة يكفي التذكير هنا بتجربة الريف، حيث كانت مقاومة الاستعمار الأحسن تنظيما والأكثر فعالية والأطول زمنيا. لقد بيننا أن العلاقات الاجتماعية في الريف كانت تتميز بالملكية الجماعية لجزء هام من وسائل الانتاج (الغابات والمراعي...) بينما الأغلبية الساحقة من السكان فلاحون يملكون قطعا صغيرة تمكنهم في أحسن الأحوال، من تلبية حاجياتهم الأساسية من المواد الفلاحية الأساسية. إذن لا يوجد هناك ملاكو أراضي كبار ولا حماسة معدمون ومستقلون إلى إقصى حد ولا قواد كبار ولا تواجد لسيطرة المخزن. كانت هناك قبائل تعيش في حرية وتسير شؤونها في إطار مؤسسات ديمقراطية إلى حد ما : شيوخ على مستوى مجموعة الأسر، مجلس الشيوخ أو جماعة على مستوى الفخدة...
إن هذه الهياكل مكنت من بلورة وحدة سياسية وتضامن من مستوى رفيع بين القبائل، خاصة في المراحل التي يتهدد فيها خطر خارجي استقلاليتها.
وهكذا فإن عجز وارتشاء مخزن عبد العزيز سيدفع هذه القبائل إلى مساندة بوحمارة طالما كان يقدم نفسه كمدافع عن البلاد في وجه الأطماع الأجنبية وطالما كان يحترم استقلالية القبائل. لكن بمجرد ما أن تبين أنه كان يهدف إلى اخضاعها لسلطته وأن كانت له علاقات مع القوى الأجنبية حتى وجه له الريفيون ضربات قاضية.
كذلك حين حاول الاسبان احتلال الريف، كما رد الريفيون صاعقا حيث استطاعوا سحق جيش إسباني ضخم ومجهزا تجهيزا فائقا، وذلك في أنوال سنة 1921 مما أدى إلى إنتحار قائده. ثم طرد الريفيون، تحت قيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الاسبان في الشمال كله (باستثناء بعض المدن) وكبدوهم في 1921 إلى 1923 هزائم منكرة. كما تمت إقامة دولة ريفية تتوفر على إدارتها ونقدها وجيشها وتستند إلى قبائل الريف وجباله المتحالفة التي كانت تمدها بالرجال والوسائل الضرورية للمعركة. ولم يتم هزم الريفيين إلا لأن كفاحهم ظل معزولا حيث كانت باقي مناطق المغرب.
تخضع في جزئها الكبير لسلطة الجيش الفرنسي الذي هب إلى نصرة الاسبان مستعملا وسائل عسكرية هائلة (الطيران والمدفعية، ومآت الآلاف من الجنود تحت قيادة المارشال بيتان).
فمهما كانت عبقرية محمد بن عبد الكريم العسكرية والسياسية، فإنها لا يمكنها لوحدها أن تفسر الانتصارات الباهرة لحرب العصابات الريفية التي كانت ضعيفة التسليح. إن تفسير ذلك يوجد في ذلك الشيء الذي جعل رجال القبائل يقفون وقفة رجل واحد، ذلك الشيء الذي جعلهم يقبلون التضحية بحياتهم للدفاع عنه. إنه استلاليتهم إنه الهياكل التي يعيشون في إطارها.
لنسجل هنا أن حركة الهيبة، إن كانت تجد جذورها في الشروط الخاصة بسوس التي تكمن، في العمق في رفض القبائل لهيمنة القواد الكبار ورغبتها في الحفاظ على استقلاليتها وعلى نمط حياتها وتنظيمها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإن هذه الحركة لم تعتبر نفسها أبدا كحركة خاصة بمنطقة سوس. وعلى عكس ذلك، فإنها أخذت على عاتقها الكفاح ضد المستعمر أينما وجذ وحاولت في نفس الوقت الكفاح ضد هيمنة المحتل والمخزن. لقد وضحت هذه الحركة نفسها، منذ البداية كحركة لها اهتمامات وتطرح مطالب تهم الوطن المغربي كله وليس كحركة إقليمية.
أوربا يندمجون في الصراع الطبقي للعمال الغربيين في نفس الوقت الذي يعانون فيه من الاضطهاد في علاقتهم مع المخزن المسؤول عن اجتثاتهم من أرضهم وتهميش مناطقهم الأصلية. ومما لا شك فيه أن الفقر الذي يفرض على الريفيين أن يمارسوا نشاطات هامشية (مثل التهريب من سبتة ومليلية وتجارة الكيف) يلعب دوره في حقدهم وثورتهم كمضطهدين ضد جهاز الدولة المرتشي والجائر والمدمر.
وكخلاصة نعتبر أن الأسس الموضوعية لنمو وعي طبقي توجد في "المغرب النافع"، ونعتبر أن وعي الجماهير في هذا الجزء من البلاد يتطور أساسا كوعي طبقي وذلك رغم أن هذا الوعي لم يستطع لحد الآن أن يجد تعبيره السياسي الملائم.
وعلى عكس ذلك، هناك عوامل موضوعية في المناطق الأخرى، تجعل أن الوعي الطبقي، رغم كونه غير غائب محجوبا، في كثير من الأحيان، بوعي إثنو- ثقافي يشكل في كثير من الأحيان رد فعل دفاعي لسكان المناطق المهمشة والخاضعة لسيرورة التصحر والتي تعاني ثقافاتها ولغاتها من احتقار الأفكار السائدة. حقا إن الأسس المادية للخصوصيات الإثنو – ثقافية (أي أنماط الانتاج والهياكل الاجتماعية الجماعية) قد دمرت إلى حد كبير من طرف الرأسمالية التبعية لكن الذاكرة الجماعية ظلت حية والتشبت باللغة والثقافة الخاصتين يساهم في الحفاظ على التراث التاريخي المجيد حيا في أعماق القلوب.
إن البديل لا يتمثل في اعتبار هذا التراث متخلفا ومتجاوزا وبالتالي إدانته باسم "العصرنة" الرأسمالية كما لا يتمثل على العكس في تجميله وإحيائه كما كان وذلك في ظروف تاريخية مخالفة تماما.
إن البديل لا يتمثل أيضا في الاعتراف بثقافات ولغات هذه المناطق فقط في نفس الوقت الذي تستمر فيه "اليد الخفية" للرأسمالية (والتي تأخذ تحت سماء بلادنا شكل قمع قاس في كثير من الأحيان) في تحطيم ما تبقى من هياكل اجتماعية جماعية ومن تضامن ومساعدة متبادلين وفي زرع اليأس وتفكيك مجتمع بأكمله واجتثاته من أرضه وإخضاعه لميكانيزمات التهميش.
إن البديل المعقول الوحيد يكمن في وحدة كفاح الجماهير الكادحة المضطهدة في هذه المناطق المهمشة من أجل الخصوصيات الإثنو – ثقافية مع كفاح الطبقات الشعبية الأساسية (الطبقة العاملة والفلاحون) ومجموع الجماهير الشعبية في البلاد من أجل تحطيم السيطرة الامبريالية والاستغلال الرأسمالي. لكن التظافر الضروري بين هذين النضالين لن يحدث إلا إذا تبنت القوى الثورية الطموح العميق للجماهير الشعبية في المناطق المهمشة إلى حكم ذاتي يمكنها من ازدهار ثقافتها ولغاتها وشخصيتها الخاصة كمكونات قادرة على اخصاب وإعناء التراث المشترك لشعبنا في إطار جمهورية المجالس الشعبية.
إن بنية الطبقات السائدة هي المسؤولة في نفس الوقت، على الاستغلال والاضطهاد الطبقيين وعلى تهميش وتصحر وتفقير بعض المناطق واجتثات سكانها. وهنا بالذات يكمن الأساس للتداخل ما بين الصراع الطبقي والنضال من أجل الخصوصيات الإثنو – ثقافية.
هوامش
1- لنذكر هنا محاولات السلاليين الحاكمتين المرينية والسعدية بناء جهاز دولة قار قد أجهضت بينما استطاع العلويون فرض نظام المخزن وذلك أن البلاد كانت قد بدأت تندمج في البنية الرأسمالية العالمية التي برزت آنذاك. طبعا لقد كانت علاقات المغرب بالرأسمالية الغربية الصاعدة تجارية وخارجية فقط:
- تصدير الحبوب واستيراد السلاح والذهب ومواد أخرى.
2- إن البيعة المشروطة لعلماء فاس في 3 يناير 1908 كانت تنص على مايلي:
- إلغاء معاهدة الجزيرة الخضراء.
- القيام بأقصى ما يمكن لتحرير التراب الوطني.
- فرض انسحاب الجيش الفرنسي من الدار البيضاء ووجدة.
- عدم التوقيع على اتفاقيات مع الأجانب ما عدا باتفاق الشعب.
- إلغاء المكوس (ضرائب على البضائع).
- إلغاء نظام الانتيازات الأجنبية.
- البحث عن تعاون وثيق مع القوى الاسلامية الأخرى، خاصة الدولة العثمانية.
3- في 1958-1959 انفجرت انتفاضة شعبية واسعة في الريف حيث ثارت عدد من القبائل – وعلى رأسها قبيلة آيت ورياغل – ضد الحكم وإلتجأت إلى الجبال. في بداية سنة 1959 سحق الجيش بقيادة ولي العهد آنذاك رئيس الدولة حاليا هذه الانتفاضة. وقد اشتملت مطالب الريفيين على مطالب ذات طابع اقتصادي وأخرى تهدف إلى أن تكون إدارة الريف بيد الريفيين وليس في يد موظفين قادمين من منطقة الحماية الفرنسية سابقا.
لقد كانت القبائل الريفية جد غاضبة على سيطرة حزب الاستقلال على منطقتها، خاصة وأن هذه المنطقة كانت مهملة من طرف الحكومات المغربية التي كانت في بداية عهد الاستقلال الشكلي وفي كثير من الأحيان مشكلة في أغلبيتها من أعضاء حزب الاستقلال.
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إن هذا النص هو ترجمة للفصل السادس من الجزء الثاني لكتاب "مجدي مجيد" : "الصراعات الطبقية منذ الاستقلال", الذي تم نشره باللغة الفرنسية سنة 1987 منشورات "حوار" بروتردام بهولندا. تتعرض هذه الدراسة, كما يتضح من عنوانها, بالتحليل للأسس التاريخية لإشكالية الخصوصيات الإثنو-ثقافية بالمغرب.
و قد أنجزها مجدي مجيد شأنها في ذلك شأن الجزء الثاني من كتابه, على ضوء الانتفاضات الشعبية التي شهدتها بلادنا في شهر يناير 1984.
لذلك, فهي لم تكن تلبية لترف فكري ما لدى المؤلف, بل عملا نضاليا استجاب لحاجة موضوعية فرضتها تلك الانتفاضات و خاصة منها انتفاضات جماهير الشمال المغربي.
إن دراسة علمية لإشكالية الخصوصيات الإثنو-ثقافية بوجه عام, للخصوصيات الإقليمية ببلادنا بكل مدلولاتها و تنوعها من منطقة إلى أخرى / أو تقاطعها بين منطقة بين منطقة و أخرى, تعتبر ضرورة لا محيد عنها بالنسبة للثوريين المغاربة إن هم أرادوا بلورة استراتيجية ثورية ترتكز على المعطيات الأساسية لواقع بلادنا في مجمل تعقيداته.
مجدي مجيد
الصراع الطبقي والخصوصيات الإثنو-ثقافية في المغرب
الأسس التاريخية
كشفت انتفاضات يناير 1984 ظاهرة جد هامة تتعلق بتاريخ المغرب وتشكل الوطن المغربي. ذلك أن إمتداد الثورة الشعبية إلى مجموع الشمال المغربي (منطقة الحماية الاسبانية سابقا) ومستوى العنف الممارس وطول الانتفاضات من الناحية الزمنية ومشاركة فلاحي القرى القريبة من المدن، كلها عناصر تطرح بحدة مشكلا ظل لوقت طويل يعتبر كموضوع محظور في المغرب.
إن النقاش حول هذا المشكل ظل محاصرا لأن أغلب القوى السياسية تعتبر كل مطلب إثنو – ثقافي كمطلب "متخلف"، إن لم يكن انفصاليا. لكن يجب الإشارة إلى أن بعض القوى السياسية بدأت تطرح المشكل "الأمزيغي" لكن باختزاله في مشكل لغوي، كما أن قوى أخرى تتكلم عن "تخلف" أو " تهميش" بعض المناطق كالريف مثلا وتقترح برامج خاصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المناطق.
لكن كل هذه القوى تنطلق من تصور ممركز ويعقوبي للدولة (vision centraliste et jacobine) يجد جذوره في نظرة خاطئة لتاريخ المغرب.
إن هذه النظرة التي هي نظرة البرجوازية الوطنية التي قادت الحركة الوطنية خلال الكفاح من أجل الاستقلاق. تعتبر البلد ككيان تشكل منذ 14 قرنا وحكم منذ ذلك الحين، بواسطة دولة مركزية كانت تتحكم في مجموع تراب البلاد، وبالتالي أذى ذلك إلى انمحاء الخصوصيات الإثنو- ثقافية.
إن الجناح الجذري وسط الحركة الوطنية، ولإعتبارات تختلف عن اعتبارات البرجوازية الوطنية – التي كانت تحاول فرض منظورها لتاريخ المغرب لخدمة محاولاتها إنشاء سوق وطنية ولإعطاء مشروعية لقيادتها للحركة الوطنية – إن هذا الجناح تبنى نفس التصور. ولعل ذلك بسبب هيمنة المنظور اليعقوبي الممركز للدولة داخله ورغبته في إقامة دولة عصرية ووضع أسس مشروعية هذه الدولة واستغلال مشروعية الدولة ونفوذها لفرض تغييرات اقتصادية واجتماعية تقدمية من فوق، وذلك بهدف هزم الطبقات السائدة (الكمبرادور وملاكي الأراضي الكبار).
إن الطبقات السائدة بررت سيطرتها باللجوء إلى نفس الايديولوجية لكن بعض الشرائح وسطها استمرت في تأكيد خصوصيتها واستغلت العلاقات الزبونية التي تربطها بسكان مناطقها الأصلية من أجل بناء قاعدة اجتماعية، سياسية ترتكز عليها في صراعها من أجل تحسين موقعها وسط الطبقات السائدة. إن إحدى الأمثلة الأكثر معبرة في هذا المجال يتمثل في البرجوازية السوسية (التي تسيطر على قطاعات اقتصادية هامة في الدار البيضاء ومدن كبيرة أخرى التي تطور علاقاتها مع منطقتها الأصلية سوس عبر تنظيم شبكات من الزبائن تغطي المنطقة بأكملها. إن هذه الشبكات توفر للبرجوازية السوسية قاعدة اجتماعية/سياسية هامة ومفيدة بشكل خاص في المنافسة بين مختلف شرائح الطبقات السائدة، وبالخصوص البرجوازية الأقوى أي البرجوازية الفاسية.
كذلك الأمر بالنسبة للملاكين العقاريين شبه الاقطاعيين الملاكون العقاريون الذين يستغلون أراضيهم في إطار علاقات ما قبل الرأسمالية : الخماسة أو يستفيدون من المراعي الجماعية في إطار علاقات "الشراكة" أو بواسطة الرعاة الممثلين سياسيا من طرف "الحركة الشعبية" تحت قيادة المحجوبي أحرضان والذين يستغلون مشكل الهوية الإثنو-ثقافية لسكان الأطلس المتوسط والكبير لخدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية. إن إنسحاب المحجوبي أحرضان وأتباعه من الحكومة يمكن فهمه كتعبير من معارضته لسياسة القمع التي تمارسها الدولة ضد بعض أشكال التعبير الثقافي الأمزيغي (إعتقال صدقي ومنع مجلة "أمزيغ" ومنع انعقاد الجامعة الصيفية بأكادير) وعن رفضه للسياسة "الليبرالية المتوحشة" في الميدان الاقتصادي التي تبنتها الحكومة بتوجيه من صندوق النقد الدولي والتي ستؤدي إلى تسريع وثيرة تغلغل الرأسمالية الاحتكارية الكمبرادورية في بعض المناطق التي كانت إلى أمد قريب خارج نطاق سيطرتها (جبال الأطلس، الريف...).
هناك عدة عوامل ساهمت في جعل نقاش الخصوصيات الاقليمية مسألة متفجرة وفي منع القوى التقدمية من تجاوز المنظور البرجوازي للوطن المغربي.
- إن الاستعمار قد استغل هذه المسألة لمحاولة تقسيم الشعب المغربي وإعاقة توجيه كفاحه التحرري (ويجدر هنا التذكير بـ "السياسة البربرية" المشهورة للمارشال ليوطي والحماية الفرنسية، وخاصة الظهير البربري السيء الذكر).
- التخوف من أن الاعتراف بالخصوصيات الاثنو-ثقافية قد يؤدي إلى تقسيم كفاح الشعب المغربي وطمس التناقضات الطبقية.
- غياب وعي عميق بأن الوحدة الحقيقية للوطن المغربي لا يمكن أن تنبني على نفي الخصوصيات الإثنو- ثقافية وأن الاتقاء إلى وحدة ترغب فيها حقا مختلف مكونات الشعب المغربي لا يمكن أن يتم فقط بواسطة مركزة الدولة، بل أن هذا الارتقاء يتطلب معالجة ديمقراطية للخصوصيات ى تقتصر على الاعتراف بها كخصوصيات ثقافية، لغوية أو إقتصادية / إجتماعية بل تهييء كل الشروط لتنمية مستقلة ومتحررة من كل أشكال القمع والاضطهاد لهذه الخصوصيات التي تشكل مكونا أساسيا من تراث الشعب وتعبر عن التنوغ الخارق العادة والغنى الكبير للثرات التاريخي لشعبنا.
غير أن تجاوز التصور البرجوازي المثالي للتاريخ المغربي لا يمكن أن يتم إلا على أساس مقاربة مادية – تاريخية لتاريخ المغرب وتفسير مادي تاريخي للخصوصيات الإثنو – ثقافية يبحث عن القاعدة المادية لهذه الخصوصيات ولإستمرارها غبر القرون وحيويتها. هدا ما سنحاول توضيحه في الصفحات التالية:
نعتبر أن قدرة لغة وثقافة لمجموعة بشرية ما على الاستمرار في الحياة وأن الإحساس القوي بالوحدة التي تربط أعضائها وتبلور وحدة سياسية وسط هذه المجموعة لا يمكن تفسيرها إلا بالكشف عن قاعدتها المادية التاريخية، وخاصة عبر استكشاف أنماط الانتاج والبنيات الاجتماعية السائدة داخل هذه المجموعة الاجتماعية
ومع إقرارنا بالعلاقة الجدلية ما بين الثقافة واللغة من جهة والبنية التحتية (نمط الانتاج) من جهة أخرى، نعتبر أنه من المستحيل تفسير بروز وقدرة الخصوصيات الإثنو- ثقافية على الاستمرار في الحياة بعزلها عن تطور أسسها المادية في الانتاج والبنيات الاجتماعية.
لا ننفي أهمية اللغة والثقافة في تشكيل الهوية بل حتى دورها في تطور الانتاج، لكن نعتبر أنه من باب السقوط في المثالية، إن لم يكن في العنصرية، حصر تحليل الخصوصيات الإثنو – ثقافية في الميدان الثقافي وفي "طبيعة" مزعومة أزلية وملازمة لبعض المجموعات البشرية.
إلا أن العلاقة ما بين اللغة والثقافة وأساسهما المادي ليست بسيطة، لأن البنية الفوقية تتمتع باستقلا لية نسبية عن البنية التحتية الاقتصادية. غير إننا نعتبر أن إندثار الأسس المادية لثقافة معينة لا بد أن يؤدي إن عاجلا أم آجلا، إلى انحلالها. أفلا يمكن، وبهذه المسألة بالذات، تفسير كون ثقافة بعض المناطق في المغرب قد تحولت إلى مجرد فلكلور للسواح؟
إن نظرة مادية – تاريخية للخصوصيات الإقليمية هي الكفيلة وحدها، في نظرنا، يتجاوز النظرة المثالية لمغرب متجانس وموحد (بالمعجزة !) منذ أربعة عشر قرنا (الفتح العربي – الاسلامي) أو النظريات التي تختزل البلاد في "عجاج" عن القبائل تقاتل بعضها البعض بدون إنقطاع ومنغمسة في صراعاتها التافهة والنار من بعضها البعض إلى ما لا نهاية.
إن المادية التاريخية وحدها القادرة على استيعاب العلاقة الجدلية بين الأرض والثقافتين الوحدة والتنوغ.
لا نزعم فيما يلي أننا قدمنا أجوبة نهائية لهذا المشكل المعقد في تاريخ المغرب والذي يشكل موضوعا ملتهبا وجد مهم في الصراع الايديولوجي الراهن. سنكتفي بوضع اللبنات الأولى التي ستساهم الدراسات التاريخية المعمقة (شريطة أن تبتعد عن الدروب المطروقة للبحث الأكاديمي الذي كثيرا ما يستسلم لمنطق الدولة (raison d’Etat) أو لضرورات "إجماع وطني" مزعوم) وفي توضيحها وإغنائها بل حتى تصحيحها.
سنحاول رسم الخطوط العريضة للسيرورة التاريخية المعقدة التي أدت إلى الانحلال وتلاشي بنيات الانتاج الجماعية في "بلاد المخزن" من جهة واستمراراها النسبي في "بلاد السيبة" من جهة أخرى.
نريد هنا أن نثير الانتباه إلى أننا لا نعني أن الأرض بأكملها بقيت أرضا جماعية في "بلاد السيبة". إن الدراسات التاريخية تبين أن الملكية الخاصة للأرض ظهرت بشكل مبكر نسبيا في الريف، لكن الملكية الجماعية ظلت مع ذلك هي السائدة : مناطق جبلية غير ملائمة للزراعة وحيث يكتسي الاقتصاد الغابوي الرعوي أهمية كبيرة في حين أن الغابات والمراعي أراضي جماعية – و من جهة أخرى ظلت الملكية الخاصة للأرض متعادلة نسبيا في الريف وشكلت قلة الأراضي القابلة للزراعة في المناطق الجبلية عائقا أمام تشكل الملكيات العقارية الكبيرة. وحدها الملكية العقارية الصغيرة رأت النور : فلاحون يملكون قطعا صغيرة تمكنهم في أحسن الأحوال، من تلبية حاجيات عائلاتهم من المواد الفلاحية الأساسية : الحبوب، بعض الخضر، ...
في كتابه "دراسات في التاريخ المغربي" كتب جرمان عياش في مقال "المجتمع الريفي والسلطة المركزية المغربية" ما يلي:
"يمثل هذا المستوى ورغم تواجد الملكية الخاصة للأراضي الزراعية وتقسيم واضح للعمل، فإن القبيلة الأصلية تبقى هنا أكثر من أية منطقة أخرى الإطار الصارم لمجمل الحياة. إنها تشكل جسما إجتماعيا متميزا ينقسم إلى فخذات تنقسم هي الأخرى إلى مجموعات أسر يوحدها الإحساس بقرابة عائلية مشتركة. إن القبيلة تشكل أيضا وحدة جغرافية لها رقعتها المحددة بدقة والمكونة من أقسام متوازنة من أرض جماعية وغابات ومراع" (الص 201-202).
ويضيف في مكان آخر: "أما فيما يخص الحياة السياسية فإنها تحدد بتوزع الأراضي ما بين أعضاء القبيلة وفي المرحلة العصرية ليس كل هؤلاء الأعضاء ملاكين لذلك لا يبقى أمام الفلاحين بدون أرض سوى لعب دور زبائن لمشغليهم. ومن جهة أخرى فإن مساحة الأرض التي يملكها الفلاحون تختلف من فلاح لآخر بدون شك، لكن نظرا لضيق المساحات المتوفرة وعدد الملاكين الذي ظل مهما، فإن هناك فلاحون أعنياء لكن ليس هناك ملاكون كبار (التسطير من عندي).
ويفسر جرمان غياش أن منصب "الشيخ" يمنح بالانتخاب وأنها وظيفة مؤقتة لا علاقة لها باليوراثمة (الص 203)، وينتخب "الشيخ" من طرف الفلاحين المالكين، رؤساء الأسر وذلك على مستوى مجموعة الأسر (الدوار). ويستطرد : "لكن يمكن أن نضيف في حالة الريف على الأقل، أننا أمامنوع من الديمقراطية ديمقراطية الفلاحين المالكين. إذن ليس الأمر يتعلق بديمقراطية مطلقة. أولا لأن رؤساء الأسر وحدهم هم الأعضاء في المجالس باستثناء أبنائهم حتى لو كانوا متقدمين في السن، وثانيا وأساسا، لأن الفلاحين بدون أرض لا يشاركون ومع ذلك فإنها ديمقراطية واسعة نسبيا لأنه فيما يخص الأسر فإن تطابق المصالح أقوى من التناقضات، وحسب الشهادات فإن القرارات كانت جماعية، في نفس الوقت لا يمثل الفلاحون المعدمون الجمهور الغفير مقابل بعض الملاكين الكبار، إن الملكيات الفلاحية كثيرة ومتواضعة إن لم تكن صغيرة و لا يمكنها أن توفر الأساس الاقتصادي للاضطهاد العنيف الذي يتطلبه الاستغلال القاسي (الص 204، التفسير من عندي).
فليسمح القارئ عن هذه الاستشهادات الطويلة لكنها المعبرة عن البنيات الجماعية في منطقة الريف، وما يجب ملاحظته هو غياب الملاكين العقاريين الكبار وبنية الملكية متعادلة نسبيا وكذا بنيات قبلية ديمقراطية وحيوية.
إن الوضعية في "بلاد المخزن" كانت مختلفة تماما، إن ظهور المخزن ذاته وإعادة إنتاجه يرتبطان ارتباطا وثيقا ببروز أوليغارشيا قبلية، انتصبت بفضل سيطرتها على تجارة القوافل، كطبقة وظهرت أداة هيمنتها: الدولة (المخزن). إن قوتها الاقتصادية والسياسية ستمكنها من إفراغ الهياكل القبلية من أي مضمون: فعلى المستوى السياسي ستتحول هذه الهياكل الديمقراطية إلى هياكل وراثية جامدة. أما على المستوى الاقثصادي فإن أعضاء الأوليغارثيا القبلية السائدة سيستحودون عل الأراضي الجماعية. وهكذا ستشهد هذه المناطق ظهور الملاكين العقاريين الكبار الذين يشغلون عشرات إن لم يكن مآت الخماسة والرباعة والعزابة ويفرضون عليهم استغلالا قاسيا.
إن تجارة القوافل ستولد ازدهارا عظيما في المدن حيث ستتطور الحرف بشكل خارق للعادة وستبرز للوجود طبقة من التجار الأغنياء. إن هؤلاء التجار والأولبغارثيا القبلية وما يمكن تسميته بأرستوقراطية دينية (الشرفاء، رؤساء الزوايا) سيشكلون القاعدة الطبقية للمخزن.
(surplus économique interne)
لكن لم يكن من الممكن أن يتوقف استمرار المخزن والطبقات السائدة على تجارة القوافل وحدها. كان من الضروري أن ينتج فائض اقتصادي داخلي
وأن تستوحذ عليه الطبقات السائدة ودولتها لتضمن إعادة إنتاج نفسها. إن هذا الفائض يستخرج أساسا من الفلاحة وبشكل ثانوي من النشاط الحرفي وبما أن المناطق الغنية من الناحية الفلاحية هي التي كانت قادرة على توفير هذا الفائض، فإن المخزن سيبسط نفوذه على هذه المناطق وستحل فيها تدريجيا الملكية شبه – إقطاعية / التي ستمكن من انتزاع الفائض من طرف الملاكين العقاريين ودولتهم / محل الملكية الجماعية.
وعلى عكس ذلك، لم يستطع المخزن غزو مناطق "السيبة" لأنه لم يكن يتواجد فيها ملاكون عقاريون كبار يمكن أن يجدوا في المخزن حليفا لهم يمكنهم من تدعيم سيطرتهم الاقتصادية وتؤسيع نفوذهم السياسي. وخلافا لذلك فإن البنيات الجماعية التعادلية نسبيا، تمكن القبائل من الدفاع عن أراضيها كرجل واحد، وذلك رغم كل التناقضات التي تخترقها.
وهكذا كانت قبائل "بلاد السيبة" تعيش في نوع من الاستقلال عن السلطة المركزية، مما ساعد بدوره على أن تبقى الهياكل القبلية سائدة وأن تحافظ على حيويتها. إن ذلك لا يعني أن القبائل كانت تعيش في نظام استكفاء ذاتي (autarcie) وأنها لم تكن تهتم بما يحدث في باقي مناطق البلاد.
إن العلاقات الاقتصادية والثقافية مع القبائل الأخرى كانت هامة كما يشهد على ذلك نشاط الأسواق والمواسم والاحتفالات الأخرى.
إن هذه القبائل كانت ترى في كل ما من شأنه أن يهدد البلاد وسيادتها تهديدا لحياتها هي مما كان يؤدي إلى تعبئتها لطرد العدو. وهكذا فإن إرادة الاستقلال عن السلطة المركزية عند القبائل كانت تجد أسسها في تشبت القبائل العميق ببنياتها السياسية الديمقراطية في حين كانت القبائل ترى في المخزن وسلطة القواد الكبار وغيرهم من كبار ملاكي الأراضي المستغلين تهديدا لنمط عيشها ووجدانها وخطرا على بنياتها التعادلية والديمقراطية.
إن إرادة الاستقلال هاته لا تعبر بتاتا عن عدم الإهتمام بمصير البلاد ككل ولا عن رغبة في تحطيم العلاقات التي نسجتها بمكونات الشعب المغربي.
لقد رأينا أن البنيات الجماعية قد شهدت، في مناطق المخزن تفككا وتحللا بطيئين وأن نمطا جديدا للإنتاج قد حل محلها وأن التمايزات الطبقية قد تطورت : ملاكون عقاريون كبار من جهة وخماسة في حالة شبه أقنان من جهة أخرى. إن التغلغل الرأسمالي المباشر سيسرع هذه السيرورة، وسيتوجه هذا التغلغل، أولا وقبل كل شيء، نحو "بلاد المخزن" وخاصة ما يسمى بـ "المغرب النافع"، وذلك لأسباب عدة : تواجد الدولة التي تضمن حدا أدنى من الأمن وهو شرط ضروري للنهب الرأسمالي المركنتيلي، تواجد فئة من ملاكي الأراضي الكبار والتجار الذين يمكنهم أن يلعبوا دور الوسطاء مع القبائل في العمليات التجارية، غنى هذه المناطق، سيطرة علاقات إنتاج تسمح بانتزاع فائض فلاحي ... و من البديهي أن التغلغل الرأسمالي (عبر علاقات السوق) سيسرع عمليات تحطيم علاقات الانتاج الجماعية لإستبدالها بعلاقات إنتاج جديدة خاضعة لهيمنة الرأسمال.
وهكذا فإن نتيجة التغلغل الرأسمالي يتمثل في إعطاء دفعة جديدة للتمايزات الطبقية داخل قبائل "المغرب النافع". على عكس ذلك، فإن "بلاد السيبة" ستظل محمية نسبيا من التغلغل الرأسمالي بسبب مقاومة الهياكل الاجتماعية وضعف الخيرات التي يمكن أن تجتذب الرأسماليين وصعوبة المواصلات وانعدام الأمن بالنسبة للأجانب. لذلك سيظل تطور البنيات القبلية الجماعية خاضعة لدينامية داخلية مما سيمكنها من الحفاظ على تماسكها وحيويتها.
والحال إنه، إن لم يؤخذ ما أتينا على ذكره بعين الاعتبار، فإنه يصبح من المستحيل في نظرنا تفسير كون قبائل "بلاد السيبة بالذات (الريف الأطلس، الجنوب) هي التي كانت قادرة ليس على مقاومة الاستعمارين الفرنسي أو الاسباني وهزمهما في عدة معارك فحسب، بل أيضا أن تتوعد في حركات واسعة ذات طابع اقتصادي سياسي وعسكري حركات استطاعت قيادة كفاح المقاومة المسلحة وبلورة وتجسيد مشروع مجتمعي جديد (وتشكل جمهورية الريف في العشرينات المثال الأكثر اكتمالا لذلك).
إن هذه القدرات الهائلة على المقاومة وهذه القدرة على التوحد في حركة لا تقهر التي أظهرتها قبائل "بلاد السيبة" في مواجهة التغلغل الاستعماري لا يمكن تفسيرها بظهور قائد/معجزة ولا بـ "المزايا الحربية" لهذه القبائل ولا بالطبيعة الجبلية للأرض، رغم أن كل هذه العوامل قد لعبت دورا لا يستهان به في الانتصارات التي حققها الكفاح. إن السبب العميق لهذه الانتصارات يمكن في كون قبائل بلاد السيبة"، خلافا لقبائل "بلاد المخزن" استمرت في الحياة في إطار علاقات سياسية قبلية ديمقراطية نسبيا، هذه العلاقات السياسية التي تجد أساسها المادي في علاقات اقتصادية مازالت تعادلية إلى حد كبير، إن هذه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي التي شكلت قوة القبائل لأنها مكنتها من تجاوز خلافاتها الداخلية وتوحيد كفاحها.
حقا، إن مناطق المغرب قاومت الاحتلال الاستعماري. فلم يرضخ الشعب المغربي في أية منطقة من البلاد عن خاطره للإحتلال. لكن لابد من الاعتراف أن المقاومة الشعبية ظلت في "بلاد المخزن" تفتقد إلى الوحدة وأنها كثيرا ما اكتسبت طابع عصيانات وانتفاضات عفوية وأنها حرفت عن مسارها من طرف الطبقات السائدة. فهل كان من الممكن، والحالة هاته، أن يحدث غير ذلك حين يأخذ المرء بعين الاعتبار كون الأعيان وعدد من رؤساء الزوايا وكبار موظفي المخزن ومن القواد والتجار الكبار ومختلف شركائهم كانوا قد تحولوا بواسطة نظام "الحماية" (protectorat) إلى عملاء لمختلف الدول الرأسمالية الكبرى عملاء لا هم لهم سوى خدمة مصالح أسيادهم مساهمين بالتالي في زرع البلبلة واليأس وسط الجماهير الشعبية ومتبطين الهمم ومدافعين عن الاستسلام للعدو.
والحقيقة أنها مسألة عظيمة أن تتفجر، رغم كل ذلك، مقاومة عفوية ومشتتة في جميع مناطق البلاد تقريبا، من الدار البيضاء إلى وجدة ومن الشمال إلى الجنوب.
إن الحركة المسماة بـ "الحافظية" التي أصبحت حركة واسعة في 1908-1910 والتي كانت تهدف إلى استبدال عبد العزيز بعبد الحفيظ فوق العرش، إن هذه الحركة معبرة عن التباس وحدود حركات المقاومة ضد التغلغل الاستعماري في "بلاد المخزن".
إن الجماهير الشعبية، من مراكش إلى فاس مرورا بالبوادي، رأت في هذه الحركة وسيلة لمقاومة التغلغل الاستعماري الذي أصبح خطرا داهما بعد سقوط الدار البيضاء في 1908 في يد يد الفرنسيين ومع قضم التراب الوطني في الشرق من طرف الجيش الفرنسي وكذا ضد تهاون وانحلال وتعفن المخزن أيام عبد العزيز. وقد اعتبر عبد الحفيظ سلطان الجهاد (ويعني هنا الكفاح ضد المستعمر الفرنسي وليس بالمغزى الديني للكلمة) الذي عليه أن يقود المقاومة ويحل محل عبد العزيز الذي اعتبر كممثل لقوى الاستسلام.
وفي هذا الصدد، فإن بيعة علماء فاس في يناير 1908 (وهي بيعة مشروطة تعبر عن الطموح إلى الحفاظ على الاستقلال الوطني وكذا مطالب الحرفيين والتجار الصغار في المدن) لعبد الحفيظ واضحة تماما. وعلى العكس فإن الطبقات السائدة، وعلى رأسها عبد الحفيظ قد طورت هذه الحركة ضد عبد العزيز مع العمل على إفراغها من مضمونها الوطني ككفاح تحرري ومقاومة للإحتلال ومن مضمونها الاجتماعي كنضال ضد الامتيازات الفاحشة لكبار موظفي المخزن والقواد والتجار الكبار. إن عبد الحفيظ والتحالف الذي كان يسانده قد استفاد من هذه الحركة الواسعة لأخذ السلطة. وما أن حققوا هذا الهدف حتى أداروا الوجه للمطامح الشعبية بتقديم التنازل تلو التنازل للإستعمار الفرنسي وصولا إلى الاستسلام التام (توقيع عبد الحفيظ لمعاهدة الحماية 1912) وكذا بالتنكر لإلتزاماتهم إزاء الجماهير الشعبية، إن سياسة عبد الحفيظ ليست سياسة شخص معزول، إنها سياسة الطبقات السائدة التي تملكها الفرع أمام طاقات المقاومة عند الجماهير الشعبية والتي كانت قد استسلمت أي الطبقات السائدة، منذ زمن طويل للإستعمار وتحولت إلى مجموعة من عملائه ووسطائه الذين يشاركون في نهب واستغلال الشعب المغربي.
فما كان من شأن الحركة الحافظية التي كانت على رأسها قيادة مثل هذه تتداخل مصالحها مع مصالح الدول الرأسمالية الكبرى – إلا أن تؤدي إلى الفشل والاستسلام وإلى ترك قبائل "بلاد المخزن" عرضة لليأس.
وخلافا لذلك، فإن الكفاح في الجنوب المعربي، تحت قيادة "الهيبة" في 1911-1912، له طبيعة مختلفة تماما عن الحركة الحافظية التي ظلت تحت أمرة الطبقات السائدة المرتبطة بالمصالح الغربية.
فأمام وصول الجيش الفرنسي إلى فاس في 1911، شهدت منطقة سوس هيجانا شعبيا. فقررت قبائل سوس والجنوب الصحراوي أن تنظم الكفاح ضد الاستعمار ونصبت على رأسها أحمد الهيبة ابن الشيخ ماء العينين الذي كان قد قاد خلال سنوات طوال المقاومة ضد الفرنسيين في الصحراء الغربية والذي كان يتمتع بنفوذ روحي عظيم وسلطة سياسية كبيرة في جنوب المغرب والصحراء الغربية.
وقد إلتحقت كل قبائل سوس والجنوب بكفاح "الهيبة" بحماس. وكانت حركة "الهيبة" أكثر جذرية بكثير من حركة الحافظية، كما يشهد على ذلك برنامجها السياسي الذي يتشكل من العناصر التالية:
- الجهاد ضد النصارى (النصارى كغزاة وليس كنصلرى: التوضيح من عندي).
- لا للقواد ! ولا للجاني ! (الشخص المكلف بجمع الضرائب).
- لا للضرائب غير القانونية.
إن حركة "الهيبة" كانت تكافح من أجل أن تختار القبائل قوادها وأن يتم إقالة القواد الذين عينهم المخزن. لإذن من الواضح أن هذه الحركة كانت حركة القبائل التي كانت قد حافظت على هياكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التعادلية والديمقراطية نسبيا والتي كانت تحارب في نفس الوقت الاستعمار و "الأوليغارشيا" المخزنية التي كانت تحاول فرض هيمنتها عليها. لقد كانت منطقة سوس تعاني من ظلم واعتصاب القواد وصارعاتهم اللامتناهية.
في كتابه "حركات الاحتجاج والمقاومة في المغرب 1820-1912" كتب أدوند بورك: "إن الشروط الاقتصادية المأساوية في منطقة سوس التي فاقمها الصراع الدامي لرأس واد سوس وأزمة المشروعية الناتجة عن توقيع معاهدة الحماية، إن هذه العناصر أدت إلى انفجار ثورة شعبية جذرية. إن حركة الهيبة كانت جوابا على شروط خاصة بمنطقة سوس (التسطير من عندي).
إن الموقف العامض للقواد الكبار من حركة الهيبة يبين بوضوح الطبيعة الجذرية لهذه الحركة. وهكذا فإن القواد الكبار، وأمام الاستقبال المنحمس الذي خصته قبائل سوس والمناطق المجاورة لأحمد الهيبة والدعم اللامشروط الذي قدمته لكفاحه، إن هؤلاء القواد تظاهروا بدعمه في نفس الوقت الذي استمروا فيه برفقة المستعمرين الفرنسيين في حبك المؤامرات ضده، وفي نفس الاتجاه، وبينما استقبلت جماهير مراكش جيش الهيبة ببهجة وحماس تميز موقف التجار والأعيان بالنفاق.
وكذلك ليس من باب الصدفة أن تكون قبائل الأطلس المتوسط وخاصة قبائل بني مطير وبني مكيلد في طليعة الكفاح ضد الاحتلال. ليس من قبيل الصدفة أن تتمكن من تنظيم حركات سياسية وعسكرية قادرة على هزم الجيش الفرنسي في العديد من المعارك ومن بناء تحالفات مع قبائل أخرى في الأطلس المتوسط، خاصة شمال وشرق فاس، بهدف منع وصول إمدادات الجيش الفرنسي من الجزائر. ونظن أن مقاومة قبائل الأطلس المتوسط ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من تنظيم و وحدة وبعد نظر سياسي وتضحيات واستماتة لو لم تكن القبائل تتوفر على هياكل توحدها وتعبئها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ليس من الضروري الإكثار من الأمثلة يكفي التذكير هنا بتجربة الريف، حيث كانت مقاومة الاستعمار الأحسن تنظيما والأكثر فعالية والأطول زمنيا. لقد بيننا أن العلاقات الاجتماعية في الريف كانت تتميز بالملكية الجماعية لجزء هام من وسائل الانتاج (الغابات والمراعي...) بينما الأغلبية الساحقة من السكان فلاحون يملكون قطعا صغيرة تمكنهم في أحسن الأحوال، من تلبية حاجياتهم الأساسية من المواد الفلاحية الأساسية. إذن لا يوجد هناك ملاكو أراضي كبار ولا حماسة معدمون ومستقلون إلى إقصى حد ولا قواد كبار ولا تواجد لسيطرة المخزن. كانت هناك قبائل تعيش في حرية وتسير شؤونها في إطار مؤسسات ديمقراطية إلى حد ما : شيوخ على مستوى مجموعة الأسر، مجلس الشيوخ أو جماعة على مستوى الفخدة...
إن هذه الهياكل مكنت من بلورة وحدة سياسية وتضامن من مستوى رفيع بين القبائل، خاصة في المراحل التي يتهدد فيها خطر خارجي استقلاليتها.
وهكذا فإن عجز وارتشاء مخزن عبد العزيز سيدفع هذه القبائل إلى مساندة بوحمارة طالما كان يقدم نفسه كمدافع عن البلاد في وجه الأطماع الأجنبية وطالما كان يحترم استقلالية القبائل. لكن بمجرد ما أن تبين أنه كان يهدف إلى اخضاعها لسلطته وأن كانت له علاقات مع القوى الأجنبية حتى وجه له الريفيون ضربات قاضية.
كذلك حين حاول الاسبان احتلال الريف، كما رد الريفيون صاعقا حيث استطاعوا سحق جيش إسباني ضخم ومجهزا تجهيزا فائقا، وذلك في أنوال سنة 1921 مما أدى إلى إنتحار قائده. ثم طرد الريفيون، تحت قيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الاسبان في الشمال كله (باستثناء بعض المدن) وكبدوهم في 1921 إلى 1923 هزائم منكرة. كما تمت إقامة دولة ريفية تتوفر على إدارتها ونقدها وجيشها وتستند إلى قبائل الريف وجباله المتحالفة التي كانت تمدها بالرجال والوسائل الضرورية للمعركة. ولم يتم هزم الريفيين إلا لأن كفاحهم ظل معزولا حيث كانت باقي مناطق المغرب.
تخضع في جزئها الكبير لسلطة الجيش الفرنسي الذي هب إلى نصرة الاسبان مستعملا وسائل عسكرية هائلة (الطيران والمدفعية، ومآت الآلاف من الجنود تحت قيادة المارشال بيتان).
فمهما كانت عبقرية محمد بن عبد الكريم العسكرية والسياسية، فإنها لا يمكنها لوحدها أن تفسر الانتصارات الباهرة لحرب العصابات الريفية التي كانت ضعيفة التسليح. إن تفسير ذلك يوجد في ذلك الشيء الذي جعل رجال القبائل يقفون وقفة رجل واحد، ذلك الشيء الذي جعلهم يقبلون التضحية بحياتهم للدفاع عنه. إنه استلاليتهم إنه الهياكل التي يعيشون في إطارها.
لنسجل هنا أن حركة الهيبة، إن كانت تجد جذورها في الشروط الخاصة بسوس التي تكمن، في العمق في رفض القبائل لهيمنة القواد الكبار ورغبتها في الحفاظ على استقلاليتها وعلى نمط حياتها وتنظيمها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فإن هذه الحركة لم تعتبر نفسها أبدا كحركة خاصة بمنطقة سوس. وعلى عكس ذلك، فإنها أخذت على عاتقها الكفاح ضد المستعمر أينما وجذ وحاولت في نفس الوقت الكفاح ضد هيمنة المحتل والمخزن. لقد وضحت هذه الحركة نفسها، منذ البداية كحركة لها اهتمامات وتطرح مطالب تهم الوطن المغربي كله وليس كحركة إقليمية.
أوربا يندمجون في الصراع الطبقي للعمال الغربيين في نفس الوقت الذي يعانون فيه من الاضطهاد في علاقتهم مع المخزن المسؤول عن اجتثاتهم من أرضهم وتهميش مناطقهم الأصلية. ومما لا شك فيه أن الفقر الذي يفرض على الريفيين أن يمارسوا نشاطات هامشية (مثل التهريب من سبتة ومليلية وتجارة الكيف) يلعب دوره في حقدهم وثورتهم كمضطهدين ضد جهاز الدولة المرتشي والجائر والمدمر.
وكخلاصة نعتبر أن الأسس الموضوعية لنمو وعي طبقي توجد في "المغرب النافع"، ونعتبر أن وعي الجماهير في هذا الجزء من البلاد يتطور أساسا كوعي طبقي وذلك رغم أن هذا الوعي لم يستطع لحد الآن أن يجد تعبيره السياسي الملائم.
وعلى عكس ذلك، هناك عوامل موضوعية في المناطق الأخرى، تجعل أن الوعي الطبقي، رغم كونه غير غائب محجوبا، في كثير من الأحيان، بوعي إثنو- ثقافي يشكل في كثير من الأحيان رد فعل دفاعي لسكان المناطق المهمشة والخاضعة لسيرورة التصحر والتي تعاني ثقافاتها ولغاتها من احتقار الأفكار السائدة. حقا إن الأسس المادية للخصوصيات الإثنو – ثقافية (أي أنماط الانتاج والهياكل الاجتماعية الجماعية) قد دمرت إلى حد كبير من طرف الرأسمالية التبعية لكن الذاكرة الجماعية ظلت حية والتشبت باللغة والثقافة الخاصتين يساهم في الحفاظ على التراث التاريخي المجيد حيا في أعماق القلوب.
إن البديل لا يتمثل في اعتبار هذا التراث متخلفا ومتجاوزا وبالتالي إدانته باسم "العصرنة" الرأسمالية كما لا يتمثل على العكس في تجميله وإحيائه كما كان وذلك في ظروف تاريخية مخالفة تماما.
إن البديل لا يتمثل أيضا في الاعتراف بثقافات ولغات هذه المناطق فقط في نفس الوقت الذي تستمر فيه "اليد الخفية" للرأسمالية (والتي تأخذ تحت سماء بلادنا شكل قمع قاس في كثير من الأحيان) في تحطيم ما تبقى من هياكل اجتماعية جماعية ومن تضامن ومساعدة متبادلين وفي زرع اليأس وتفكيك مجتمع بأكمله واجتثاته من أرضه وإخضاعه لميكانيزمات التهميش.
إن البديل المعقول الوحيد يكمن في وحدة كفاح الجماهير الكادحة المضطهدة في هذه المناطق المهمشة من أجل الخصوصيات الإثنو – ثقافية مع كفاح الطبقات الشعبية الأساسية (الطبقة العاملة والفلاحون) ومجموع الجماهير الشعبية في البلاد من أجل تحطيم السيطرة الامبريالية والاستغلال الرأسمالي. لكن التظافر الضروري بين هذين النضالين لن يحدث إلا إذا تبنت القوى الثورية الطموح العميق للجماهير الشعبية في المناطق المهمشة إلى حكم ذاتي يمكنها من ازدهار ثقافتها ولغاتها وشخصيتها الخاصة كمكونات قادرة على اخصاب وإعناء التراث المشترك لشعبنا في إطار جمهورية المجالس الشعبية.
إن بنية الطبقات السائدة هي المسؤولة في نفس الوقت، على الاستغلال والاضطهاد الطبقيين وعلى تهميش وتصحر وتفقير بعض المناطق واجتثات سكانها. وهنا بالذات يكمن الأساس للتداخل ما بين الصراع الطبقي والنضال من أجل الخصوصيات الإثنو – ثقافية.
هوامش
1- لنذكر هنا محاولات السلاليين الحاكمتين المرينية والسعدية بناء جهاز دولة قار قد أجهضت بينما استطاع العلويون فرض نظام المخزن وذلك أن البلاد كانت قد بدأت تندمج في البنية الرأسمالية العالمية التي برزت آنذاك. طبعا لقد كانت علاقات المغرب بالرأسمالية الغربية الصاعدة تجارية وخارجية فقط:
- تصدير الحبوب واستيراد السلاح والذهب ومواد أخرى.
2- إن البيعة المشروطة لعلماء فاس في 3 يناير 1908 كانت تنص على مايلي:
- إلغاء معاهدة الجزيرة الخضراء.
- القيام بأقصى ما يمكن لتحرير التراب الوطني.
- فرض انسحاب الجيش الفرنسي من الدار البيضاء ووجدة.
- عدم التوقيع على اتفاقيات مع الأجانب ما عدا باتفاق الشعب.
- إلغاء المكوس (ضرائب على البضائع).
- إلغاء نظام الانتيازات الأجنبية.
- البحث عن تعاون وثيق مع القوى الاسلامية الأخرى، خاصة الدولة العثمانية.
3- في 1958-1959 انفجرت انتفاضة شعبية واسعة في الريف حيث ثارت عدد من القبائل – وعلى رأسها قبيلة آيت ورياغل – ضد الحكم وإلتجأت إلى الجبال. في بداية سنة 1959 سحق الجيش بقيادة ولي العهد آنذاك رئيس الدولة حاليا هذه الانتفاضة. وقد اشتملت مطالب الريفيين على مطالب ذات طابع اقتصادي وأخرى تهدف إلى أن تكون إدارة الريف بيد الريفيين وليس في يد موظفين قادمين من منطقة الحماية الفرنسية سابقا.
لقد كانت القبائل الريفية جد غاضبة على سيطرة حزب الاستقلال على منطقتها، خاصة وأن هذه المنطقة كانت مهملة من طرف الحكومات المغربية التي كانت في بداية عهد الاستقلال الشكلي وفي كثير من الأحيان مشكلة في أغلبيتها من أعضاء حزب الاستقلال.
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إن هذا النص هو ترجمة للفصل السادس من الجزء الثاني لكتاب "مجدي مجيد" : "الصراعات الطبقية منذ الاستقلال", الذي تم نشره باللغة الفرنسية سنة 1987 منشورات "حوار" بروتردام بهولندا. تتعرض هذه الدراسة, كما يتضح من عنوانها, بالتحليل للأسس التاريخية لإشكالية الخصوصيات الإثنو-ثقافية بالمغرب.
و قد أنجزها مجدي مجيد شأنها في ذلك شأن الجزء الثاني من كتابه, على ضوء الانتفاضات الشعبية التي شهدتها بلادنا في شهر يناير 1984.
لذلك, فهي لم تكن تلبية لترف فكري ما لدى المؤلف, بل عملا نضاليا استجاب لحاجة موضوعية فرضتها تلك الانتفاضات و خاصة منها انتفاضات جماهير الشمال المغربي.
إن دراسة علمية لإشكالية الخصوصيات الإثنو-ثقافية بوجه عام, للخصوصيات الإقليمية ببلادنا بكل مدلولاتها و تنوعها من منطقة إلى أخرى / أو تقاطعها بين منطقة بين منطقة و أخرى, تعتبر ضرورة لا محيد عنها بالنسبة للثوريين المغاربة إن هم أرادوا بلورة استراتيجية ثورية ترتكز على المعطيات الأساسية لواقع بلادنا في مجمل تعقيداته.
آخر تعديل: 16/1/15






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق