جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

عودة إلى نقد الحريف لبعض اليساريين: أزمة اليسار، أزمة نموذج أم وجود؟/ابوعلي

حوار الريف

ربما الكل يلاحظ أن الخطابات التي تلقى رواجا كبيرا في اللحظة الراهنة تستند على نماذج سوقية مبتذلة وفارغة من حيث البناء المنطقي والسياسي والعقلاني، مع ذلك تجد المقبلين عليها بنهم، مثل النموذج الإسلامي والنماذج الإدارية للبناء الحزبي، وليس في الأمر أي سر أو لغز سياسي معين  يحتاج إلى تفكيك، كل ما هناك الناس ينقادون نحو النموذج الأول لدوافع مصلحية مغلفة بغطاء روحي كجواب على أزمة البديل الحقيقي، وفي الأمر شيء من المشروعية كرد فعل سلبي وغير عقلاني على واقع مأزوم، ولم يخطأ كارل ماركس في كتابه نقد برنامج غوطا لما اعتبر الدين سلاح ذو حدين : قد يكون أفيون الشعوب ومخدر لها وقد يتحول إلى زفرة الانسان المضطهد، كمتنفس عن الظروف القاهرة، وهناك بالمقابل إقبال على الظاهرة الحزبية التي تصنعها الدولة لأغراض إدامة وتمجيد وجودها الاديولوجي ، ولا يعرف هذا النوع من الأحزاب رواجا إلا في ظروف قوة الدولة التي تحتكر موازين القوى لصالحها وضد قوى التغيير، لكنها تنتهي وتتآكل وتصبح مسخا سياسيا كلما نهض الشارع للمطالبة بالتغيير.
وفي كلتا الحالتين لا يمكن لأعضاء هذه الأحزاب أن يتحولوا في وجودهم أو في بنيان كينونتهم ، بالصيغة الفلسفية الوجودية، إلى ما قصده ديدي إيربون بأن إثبات الذات كنوع من النحت الفني هو موضوع كل الحياة ، أطروحة قام الاشتراكي الإنجليزي أوسكار وويلد بتطويرها بشكل جيد فيما أسماه بالفردانية التشاركية ضد الفردانية الرأسمالية التنافسية.
يمكن أن نسخر قليلا من الطابع الأغلبي لهذه الظواهر الحزبية السريعة الزوال والفناء في مقابل أحزاب أخرى ذات تاريخ عريق بالشكل الذي نعته أوسكار ويلد أي رموز فنية وجمالية نادرة في التاريخ، فهم إن كانوا أقلية لكنهم يصمدون لفترة أقوى وتنتقل أفكارهم من جيل إلى جيل رغم ما تلقاها من اضطهاد، فهناك مثلا دارجي ساخر يقول " كمشة من النحل " أحسن من قناطير من الذباب المتحولق على الأوساخ. الكم ليس دائما علامة على القوة والفعالية كما أن النوع لا يعني الضعف والوهن ، وحتى المثل القائل أن القوة تقتل السبع هو مثل صحيح لكن في حديقة الحيوان وليس في عالم الانسان ، لأن الفكرة تظل راسخة وثابتة أمام جبروت أي قوة ، محصلة كل هذا التفكير هو وجود فكرة يسعى الانسان طيلة حياته لإضفاء المعنى عليها وتجسيدها في الواقع، قريبا مما قاله جون بياجيه في ميدان التربية، وتؤكد عدة تجارب في التاريخ لأفكار قوية ظلت لردح من الزمن مرفوضة لأن الظروف التاريخية والثقافية والسياسية لم تكن تستجيب لجاذبيتها، ولنا في عصر الأنوال مثالا ساطعا لجون جاك وروسو هذا السويسري الذي رحل إلى فرنسا من شدة الفقر وظل منبوذا في المجتمع الفرنسي إلى آخر حياته ، لكن ما أن توفي بسنوات حتى حصل نهم وإقبال منقطع النظير على أطروحته في العقد الاجتماعي والسيادة الشعبية في غمرة نجاح الثورة الفرنسية.
وفي هذا السياق كان المناضل عبد الله الحريف قد كتب قبل بضعة أسابيع مقالا يتعرض فيه لنقد بعض الأخطاء اليساريين، ومضمون المقال التحليلي لم يكن في جوهره استهداف لقوى يسارية بعينها ، ولو أنه ذكرها بالاسم ، بل قرع لأجراس الأخطار المحدقة بهذا اليسار المتعدد ككل ودعوته إلى إعادة بناء نموذج منسجم وراديكالي غير متناقض مع نفسه في لحظة سياسية يحتاج فيها هذا اليسار أن يبني كذلك جاذبية قوة الخطاب la force de discours  وليس ضحالته وإسفافه التي لن تزيده سوى ترهلا وانمساخا. لكن ذلك غير كاف للوصول إلى بناء نموذج بالمعنى الذي يقصده الأنثروبولوجي رموني جيرارد قادر على أن يكون جذابا للجماهير والشعب وقوى التغيير.
فدعنا نتجاوز تلك الردود البسيطة والهزلية التي هاجمت عبد الله الحريف بطريقة بوليميكية فارغة ولم تستطع أن تنال من جوهر المقال التحليلي لصاحبه ، نود هنا أن نتفاعل مع ذات المقال في كليته وليس في محاوره أو تفاصيله التي يشخص فيها أزمة اليسار، حيث أرى بكل تواضع أن تلك الأزمة لا تكمن في ثنائية الموقف السياسي من هذه القضية أو تلك ، رغم الأهمية الظرفية لهذا التوجه، أو راديكالية هذا التيار أو ذلك، بل المسألة تحوم بالدرجة الأساسية حول أزمة النموذج اليساري model في علاقته بالمحيط الثقافي، الرامي والمنشغل بالمتوافق مع البنية الثقافية الراهنة بدل البحث عن الانسجام مع نسقه الفكري والسياسي والاديولوجي للمشروع الذي يسعى إلى تبيئته في المجتمع.
فماذا قال الحريف في جوهر فكرته؟ يمكن أن ألخص مجمل ما ورد في مقاله بالصيغة التالية: الممارسة السياسية يجب أن تكون منسجمة في أهدافها ومسلكياتها ومواقفها العامة إن أرادت أن تعيد بناء المشروع السياسي اليساري الذي تعرض لهزات فكرية وسياسية وحتى نفسية ونزلت المعنويات إلى مستوى أسفل يجعل من الصعوبة بمكان الصعود مرة ثانية لما يتطلب ذلك من نفس سياسي قوي، وهو ما تلتقطه القوى الانتهازية والمخزنية للإجهاز عليه بسرعة.
إن الحزب السياسي أو أي مشروع آخر إذا كانت أهدافه سامية وواضحة وتروم تحقيق مقاصد إنسانية لا يجادل أحد في شرعيتها النظرية، فإذا لم يتطور ويلقى إقبالا من طرف المستهدفين ، فعلى أصحابه أن يفتشوا جيدا في ذواتهم وفي الظروف السياسية والثقافية المحاطة بالمشروع الذي يراد غرسه عبر طلائعه المناضلة.
لقد قال يوما المؤرخ الكبير عبد الله العروي كلاما جيدا وهو يحاول ملاحظة الظاهرة اليسارية والتقدمية في المغرب أو قل مشروع التحديث برمته وهو يترنح ولا يجد سبيلا إلى التغلغل في المجتمع المغربي والعربي عموما، وطرح في سياق ذلك أن يتم الاهتداء إلى أسباب تقدم الآخر وهو الغرب وتأخر الأنا: بلاد الإسلام ، بدل من إضاعة الوقت في البحث في أمجاد التاريخ ومحاولة التفتيش فيه عن ملامح تقدمية قد تكون ظهرت هنا أو هناك لمحاولة البرهنة أن إمكانية التغيير قد نجدها في سياقنا الثقافي، علما أن هذا التاريخ ليس فيه درس واحد يمكن أن يقدمه لنا للنهوض والتقدم، وكل ما يمكن أن يقدمه لنا هو أن نفهم حاضرنا لكي لا نسقط في أخطاء ماضينا، وكم من مشروع فلسفي ضخم ضاع في ردهات الزمن الإسلامي من الفيلسوف ابن رشد صاحب كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال ولا اتصال بينهما، إلى محمد عابد الجابري حول تكوين العقل العربي ولا وجود للعقل العربي أصلا بالمعنى الفلسفي.
في السياسة كما في الفلسفة، فلما قال ماركس مقولته الشهيرة: لم يفعل الفلاسفة لحد الآن سوى تفسير العالم بطرق مختلفة والمطروح هو تغييره، وقد انتُقدت هذه المقولة من وجهات نظر مختلفة كان أبرزها، هل يمكن للفلسفة أن تساهم في تغيير العالم خصوصا أن ماركس لما طرح نظريته للتغيير استند على مفاهيم إديولوجية واقتصادية وطبقية في تنبؤه للكيفية التي تنفجر فيها التناقضات في قلب النظام الرأسمالي الذي ينتهي إلى تدمير نفسه بنفسه من خلال الصراع الدائر بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج التي تصل مدى يصبح من المستحيل الاستمرار ويحدث التغيير وقلب النظام ..ووراء هذه الخطاطة هناك تفسير ضخم ما زال يحير المثقفين اللبراليين الذين يضطرون إلى العودة للتفتيش في فكر ماركس كلما حدثت أزمة كبرى في النظام الرأسمالي وكان آخر عودة في سنة 2008 وقد نجد رجوعا إليه مرة أخرى في بداية انهيار الاتحاد الأوروبي كتكتل حربي وسياسي.. وإذا أردنا أن نقلب الموضوع سياسيا يمكن القول أنه لحد الآن لم تفعل الأحزاب السياسية سوى تلغيم الواقع والمطروح هو فك طلاسيمه من أجل تهييئه لكي يتقبل التغيير.
يمكن القول أن الصدمة التي أحدثها نقد الحريف لقادة أحزاب اليسار، أعطى أكله لكونه النقد الصحيح الذي يجب أن يسود لإطلاق العنان لقوة الخطاب اليساري الذي لا يمكن أن يُبنى إلاّ وفق هذه المنهجية ، لأنه خطاب غير تلفيقي بل يجهر بالحقيقة مستخدما منهجية الهدم البناء ولو أنني واع أن الحريف ليس له دراية كبيرة في الفلسفة مع أنه سياسي محنك يمتلك تجربة رائدة وقدرة نظرية قلما تجدها عند قادة الأحزاب السياسية في المغرب، تجعل منه نموذجا للمثقف العضوي الذي ظل طيلة حياته اليسارية منسجما مع نفسه في الدفاع عن مشروع التغيير الثوري في المغرب. مرة أخرى أن الحريف كان يمارس منهج التفكيكية دون الوعي منه ، وهو السر الحاسم، من بين العوامل الأخرى، الذي أطلق العنان للنهضة الأوربية والتقدم التكنولوجي لما تحرر العقل من إرث الميتافيزية ومن كل النظريات التلفيقية ، ويرجع الفضل في قوة هذه المنهجية إلى مارتن هيجر مخترع هذا المفهوم الذي اقتبسه منه جاك ديريدا في استعماله ضمن مجال آخر.
يمكن لمصطلح واحد أن يقلب العالم رأسا على عقب، ليس بضربة مقص ولكن عبر مسار طبعا، ذلك هو ما فعله مارتن هيدغر بقوة منهجيته حول الدازين DASEIN مصطلح بسيط يعني بالألمانية الوجود ، لكن معناه عند هيدغر أعمق من ذلك وهو يقصد به كون الوجود هو امتياز للكائن البشري وانطلق في إنهاك كل الأنساق الفلسفية السابقة عليه عبر استخدام مفهوم التفكيك للوصول إلى خلاصة هو أن هذا الكائن البشري هو الوحيد القادر على فهم الأشياء وفهم وجوده الخاص في مختلف اشكال تمظهراته، لذلك يسمى الانسان عنده بالدازين، هذا المفهوم الذي يشكل مركز كل فلسفته التي أحدثت قطيعة مع ميتافيزيقية ارسطو وأفلاطون وكل الأنساق الفلسفية المؤسسة على التراتبية والبحث عن الحقيقية، وربما قد يكون هذا هو السبب الذي جعل الفلسفة الإسلامية مع الفرابي وابن رشد وغيرهما تسقط بسرعة لأنها حاولت أن تجمع ما لا يمكن جمعه ووسمت الفكر العربي والإسلامي بهذا التخبط الذي انتقل إلى كل مجالات الحياة وخصوص السياسية منها ولا زلنا أسيري هذا التركيب العجيب للمفاهيم والتصورات.
وخلاصة ما أريد الوصول إليه في هذه الحلقة، وتصلح أن تكون بداية لقراءة أخرى وهي قادمة، هو أن يكون سياسي ما أو حزب ما علماني وإسلامي في نفس الوقت هو جزء من العقلية الساقطة للعرب والمسلمين، كما لا يمكن أن نتصور ماركسي وهو فقيه في المسجد يدعو للموعظة الحسنة رغم أن هذا قد يكون موجودا في المغرب أو المشرق، وهل تتصورون وفق هذا المنطق أن ينجح اليسار او الحداثيين في الدفاع عن الفكرة في مجتمع يضطهد الجديد والابداع ولا يؤمن إلا بالتقليد.
صحيح تماما أن تنظيما ماركسيا مثل النهج الديمقراطي يصعب خطابه أن ينفذ إلى عقلية ثقافية راكمت في بنيات أمخاخ شعبها كل رواسب التخلف والأمية ، لكن ذلك لا يشفع له أن يبني أطاريح للتوافق مع بنية الوعي الاجتماعي الذي يسعى إلى تغييره نحو النور والضوء ، لذلك لا حظنا في المغرب كما في المشرق عدد من الأحزاب الشيوعية تحت وطأة ثقل البنية الثقافية التقليدية – التي تمارس وفق سلط خفية قاهرة بالمعنى الفوكوي، يلتجؤون إلى تبني ما يسمى بالدين الشعبي للتغلغل في بنية الوعي الشعبي، اعتقادا منهم أنه سيتم تحرير الجماهير من خلال النفاذ إلى وعيها وليس بتغييره ، وهذا يؤدي حتما إلى نتيجة أشبه بمن يخلط الدواء ويؤدي به إلى الإصابة بالتسمم أو الموت حتى.
يتبع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *