جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

العدد 250 لجريدة النهج الديمقراطي من 15 إلى 31 أكتوبر 2017...مع كلمة العدد

العدد 250 لجريدة النهج الديمقراطي من 15 إلى 31 أكتوبر 2017...

كلمة العدد 250

قطاع التعليم والهدف الرجعي المزدوج


منذ تنصيب الحكومة الحالية والتي عرفت احتباسا غريبا في تشكيلتها كانت وزارة التربية هي الوزارة الوحيدة التي باشر وزيرها المستقدم من وزارة الداخلية مهامه بسرعة فائقة، ويسجل حضوره الاعلامي الدائم. كان الاعلام العمومي مسخرا لتتبع كل خطواته وكأنه لا زال وزيرا للداخلية. هذا الحضور الاعلامي كان هدفا بحد ذاته لأنه يترجم قناعة حاضرة ومترسخة اليوم في دواليب وزارة الداخلية خاصة بعد اندلاع حراك الريف ومفادها ان الدولة تشكو من نقص مهول في تسويق مجهوداتها والتعريف الواسع والدقيق عنها.اذا يسعى وزير الداخلية المعين في التربية الوطنية الى تلميع الصورة واظهاران وزارته تتحرك وتنجز المشاريع.كانت اهم رسالة في انتاج الصورة الجديدة وهو بكل ما تحمل الكلمة من معنى اطلاق برنامج صباغة بنايات المدارس والأقسام اينما كانت . حددت الفترة الزمنية لهذا البرنامج في ايام العطلة الصيفية، مما اجبر و الزم مدراء ومسيري تلك المدارس بالتفرغ لهذه المهمة؛ وقد تم فصل او محاسبة البعض ممن لم ينجح في تطبيق الاوامر الجديدة.كان البرنامج ينفذ كما لو ان المعنيين به موجودون في ثكنات عسكرية او شبه عسكرية.نتيجة هذا المسعى الغريب، ظهرت صور غاية في التناقض بين الجدران الخارجية المصبوغة بألوان غير متناسقة فاقعة، وداخل الحجرات او ما سمي بأقسام متهالكة او على شكل خربات وبنايات آيلة للسقوط. نفس تلك الصورة الرائجة عن اطفال بوزرات جديدة لكنهم حفات وبوادر نقص التغذية بادية على وجوههم البرئية.

في موضوع ثان وهو المتعلق بالمقررات والمراجع شرعت الوزارة في مراجعة بعضها وهي المراجعة التي قامت على عجل وبكثير من الارتجالية مما ترجمته ظاهرة تبديل والغاء نسخ او طبعات لكتب معينة وفرض شراء اخرى على اولياء التلاميذ بدون تعويض او الاهنمام بقدراتهم لتغطية هذه التبذير السخيف.

السؤال الذي نرى ضرورة طرحه لمحاولة الاجابة عليه وهو لماذا هذا الاهتمام الحكومي وبهذه الطريقة؟

يكشف هذا الاهتمام الشكلي للحكومة بقضية التعليم وخاصة المدرسة العمومية ان التعليم العمومي وصل درجة من التعفن والفشل لم تعد سياسات الدولة قادرة على اخفائها او اجبار المواطنين على قبولها وتحملها.وصلت الازمة الى انتاج ظاهرة متناقضة ومن اغرب ما يكون. اننا نجد في نفس المدينة او الحي مدارس تشكو من الاكتضاض يصل الى 60 او 70 تلميذا في القسم الواحد، او وجود 2 او 3 مستويات في نفس القسم؛ بينما هناك مدارس اغلقت او هجرت لعدم توفر التجهيزات او التأطير التربوي والإداري. من نتائج هذه الوضعية الكارثية ايضا تدني المستوى للتلميذ بل تفاقم الهذر المدرسي بسبب الرسوب او انسداد الآفاق وتفاقم الفقر في الوسط الاسري. ان الحكومة تشعر بان ازمة التعليم باتت احد المجالات الاجتماعية حيث تركز الاحتقان مما يهدد بالانفجار في اية لحظة. لذلك سارعت الى اطلاق اشارات ظاهرية ليس الا، حتى يعتقد الناس بأنها مهتمة وعازمة على ايجاد الحلول.وهو ما رأيناه في الخرجات الاعلامية وتأليف مسرحيات تنتج الوهم ولا غير.


فمن اجل معالجة الاكتضاض نظمت الوزارة مباراة توظيف بالعقدة لقرابة 10000 معلم ومعلمة وفي شروط لا توفر ادنى تكوين بيداغوجي او مهني، لكن في ذات الوقت تقدمت للمغادرة الطوعية في اطار التقاعد النسبي اكثر من 12000 من الاطر التربوية.وبذلك يحق القول: "للي حرثو الجمل دكو وتبقى ازمة الاكتضاض والنقص في التأطير تدور في حلقتها المفرغة.

هل ازمة التعليم العمومي هي ازمة مؤقتة و هل هناك بوادر حلها والخروج منها ؟ بكل اسف كل المعطيات على الارض وكل السياسات المتبعة تنفي ذلك.عند التدقيق في السبب العميق لهذه الوضعية نجد ان طبيعة النظام الاقتصادي ونموذجه المطبق ببلادنا هو ما يحتم ذلك.ان نموذج الاقتصاد الليبرالي المتحرر من كل الكوابح او الاعتبارات الشعبية والوطنية وفي بحثه المحموم على مصادر الربح والاستثمار السريع المردودية ، اهتدى بكل عفوية وتلقائية - تماما كما يهتدي صغير التمساح الخارج لتوه من البيضة الى رطوبة الماء في النهر او الغدير- اهتدى الرأسمال الى قطاع التعليم الخاص فانتشر فيه من الروض الى التعليم العالي.رافقت الدولة في البداية خطوات الرأسمال الخاص بشكل محتشم وباحتراس وحتى بمخاتلة، لأنها تستشعر الخطر والمعارضة الشديدة لضرب قطاع اجتماعي برمته وتقديمه لقمة سائغة للمفترسين؛ لكنها اليوم تبادر الى تقديم ما لم يحلم به المستثمر الخاص كان نموذجها هذه السنة فتح ابواب التعليم العالي مشرعة عبر "منح اعتراف الدولة لبعض الجامعات والمؤسسات الخاصة المحدثة في إطار الشراكة التي تجمعهما."( انظر مقالة: الدخول الجامعي 2017/2018 أزمة جامعة أم أزمة مجتمع).


في طي هذا الهدف الذي يفتح قطاع التعليم للرأسمال من اجل التكسب وجني الارباح الطائلة يكمن هدف اجتماعي استراتيجي اخطر وهو حرمان الشعب وخاصة ابناء الجماهير الكادحة من حق التعليم. فإذاكان التعليم العمومي وحتى الخاص ينتجان مواطنين ومواطنات محرومين من ملكة التفكير العلمي والحصول على المهارات الفنية والتقنية والاعتماد على المجهود الذاتي في الابداع والإسهام في التطور الثقافي والمادي للبلاد، فان البقية من الشباب المحروم من التعليم  يعاني من الامية بكل ابعادها الابجدية والثقافية.ان التعليم بات ينتج مواطنين ومواطنات فاقدين لكل تأهيل.فإذا كانت سياسية التفقير تهدف الى تطبيق ذلك الشعار المجرم "جوع كلبك يتبعك" فان التعليم يساند التفقير ويكمله لخدمة شعار مجرم آخر وهو "جهل شعبك يعبدك".


اذا للجواب على سؤالنا لماذا اهتمت الحكومة وبهذه الطريقة بقضية التعليم يتضح اننا امام نفس السياسة الرجعية للنظام القائم وهي التي تروم تحقيق هدف مزدوج في ذات الوقت:فتح الباب على مصراعيه امام جعل التعليم سلعة - في جميع مراحله وفي كل مكوناته من مقررات ومؤطرين و تلاميذ واوليائهم - وبذلك يتدخل الرأسمال ليحقق ارباحا طائلة وسريعة؛ وفي نفس الوقت تحقق الدولة هدفا اكثر استراتيجية وهي ضمان سيادتها على شعب امي جاهل يسهل قيادته وإقناعه بسياساتها وقبول رأيها في جميع القضايا التي توجهها وتنشرها بإعلامها الرجعي وتبعد هذه الجماهير عن الفكر النقدي والمعارضة. لذلك تعتبر جبهة النضال من اجل الحق في التعليم العمومي الجيد والديمقراطي والمتاح للجميع مطلبا سياسيا وضرورة من ضرورات تقدم شعبنا.ان محاكمة الدولة على هذا الواجهة تعتبر من اكبر المهام بالنسبة لجميع القوى المناضلة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *