جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

ماذا شكلت ثورة اكتوبر بالنسبة للانسانية و بأي معنى " فشلت " هذه الثورة ؟/يونس سالمي

كتب هذا المقال بمناسبة مئوية ثورة أكتوبر المجيدة وقد نشر في ملف المئوية الذي خصصته جريدة النهج الديمقراطي عدد 249
---------------------------------------------------------------------------
ماذا شكلت ثورة اكتوبر بالنسبة للانسانية و بأي معنى " فشلت " هذه الثورة ؟
" إن الجوهري هو أن الجليد قد كُسر ؛ و الطريق قد فتحت و المسار قد رُسم" لينين
تحل في أيامنا هاته الذكرى المئوية لثورة أكتوبر العظمى، في مثل هذه الايام نهض ملايين من العمال و الفلاحين و الجنود في روسيا مخترقين السماء ومعلنين عن ولادة عالم جديد مغاير جذريا عما عرفه تاريخ الثورات الانسانية ، في مثل هذه الايام ( فاتح اكتوبر ) أعلن ماوتسي تونغ كذلك ميلاد جمهورية الصين الشعبية معلنا عن اختراق جديد للسماء من طرف ملايين الجياع و المضطهدين من فلاحين و عمال على نهج ثورة أكتوبر العظمى .
منذ سقوط جدار برلين – وقبل ذلك التاريخ بكثير – لم يتوقف البوق الاعلامي للامبريالية عن تشويه أولى تجارب الطبقة العاملة في بناء دولتها وعالمها المغاير ، وقد ساعده في ذلك هلوسة الانتهازيين و التحريفيين من كل الاشكال و الالوان مستغلين انهزام البروليتاريا الروسية و الصينية ونواقصها ، من أجل قلب الخطأ و الصواب وخلط المسائل الثانوية بالمسائل الرئيسية وبعبارة واحدة : ماتت الشيوعية ! إن أسمى واجبات الشيوعيين –ات اليوم هي الدفاع الشرس عن مشروعهم التاريخي ، هذا الدفاع الذي يمر بالاساس عبر استخلاص الدروس و العبر من انهزام أولى التجارب الاشتراكية في تاريخ البشرية مرددين : انهزمت الثورة ... عاشت الثورة.
سلطة جديدة ومفهوم جديد للدولة
قبل ثورة أكتوبر ، كانت المجتمعات الانسانية تعيش على وقع سلطة الطبقات السائدة والمتحكمة في الانتاج الاجتماعي ( العبودية و الاقطاعية و الرأسمالية ) وكانت الجيوش و الشرطة والمحاكم ومؤسسات المجتمع كلها تخدم الطبقة المستغلة ،وفي المجتمع الحديث ( الرأسمالي ) تعتبر هذه المؤسسات مجازات كلام من خلالها يتنافس ويتناوب الرأسماليون حول من يستغل المجتمع خلال مدة معينة ، لكن ثورة أكتوبر " قطعت " مع كل هذه التقاليد وبنت دولة جديدة صار فيها غالبية المجتمع يتحكم في انتاجه ومؤسساته ، فدكتاتورية البروليتاريا من حيث هي شكل السلطة الجديد ، هي نضال عنيد دام وغير دام، عنيف وسلمي، عسكري واقتصادي، تربوي وإداري، ضد قوى المجتمع القديم وتقاليده ، لقد شقت الجماهير طريق ممارسات جديدة وسمحت لها أجهزة دولتها الجديدة ( ومركزها السوفيتات ) تنظيم نفسها بشكل مرن ودينامي ، حيث انتشرت ممارسة العمل التطوّعي المشترك إذ التقى الناس للحفاظ على نظافة المدن و للحماية الصحّية ومراقبة انتاجهم والحفاظ على امنهم ضد الثورة المضادة التي كانت تطل برأسها بين الحين و الاخر .
النساء نصف السماء
كان هناك الكثير من النساء، العشرات بل مئات الآلاف من البطلات المجهولات اللواتي كنّ جنبا إلى جنب مع العمال والفلاحين تحت راية الثورة وإمرة السوفيتات، واللواتي مشين على أنقاض القيصرية نحو مستقبل جديد ، بهذه الكلمات وصفت ألكسندرا كولنتاي أبرز النساء القياديات وضع المرأة التي كانت تعاني قبل الثورة من جحيم العلاقات البطريركية المتفشية في كل اصقاع الامبراطورية الشاسعة ، لقد تحرّكت الثورة بسرعة لاتخاذ إجراءات هامة . فقد ألغت كافة نظام الزواج المرتبط بالكنيسة. وأضحى الطلاق أمرا هيّنا . و جرى تقنين المساواة فى الأجر . و فى 1920 صار الاتحاد السوفياتي أوّل بلد في العالم يجعل الإجهاض قانونيّا. و فى 1927 ، تمّ شنّ هجوم كبير ضد ممارسة الحجاب الإجباري المفروضة على النساء لقرون في أوزبكستان و كازخستان ( لريموند لوتا : الثورة الشيوعية تاريخها ومستقبلها ) لقد أعادت الثورة و السلطة الجديدة المرأة الى مكانها الطبيعي : نصف السماء
المسألة القومية و حق الشعوب في تقرير المصير
كانت المسألة القومية وحق الشعوب في تقرير المصير تفهم وتمارس في اطار الحدود القومية الوطنية لكل بلد ، فالمسألة الوطنية قديماً كانت محصورة عادة، في دائرة ضيقة أي بالقوميات "المتمدنة" وكان مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها يُفسر، عادة تفسيراً خاطئاً، وكثيراً ما كان يقتصر على حق الأمم في الحكم الذاتي ،لكن ثورة اكتوبر وضعت المسألة في اطار جديد ووسعته بحيث أن المسألة تحولت من مسألة خاصة، مسألة داخلية في الدولة، إلى مسألة عامة ، عالمية هي مسألة تحرير الشعوب المضطهدة في البلدان التابعة وفي المستعمرات، من نير الاستعمار.
بأي بمعنى يمكن الحديث عن فشل ثورة اكتوبر ؟ وهل فشل الثورة يعني فشل المشروع المجتمعي ؟
إن التطرق لهذا الموضوع يعتبر أهم المجالات التي خيضت فيها العديد من الصراعات الفكرية المبدئية لكن ولضيق المجال المخصص للموضوع ولتساع الاشكالات المرتبطة به ، سوف نقتصر على اهم القضايا الجوهرية .
إن التطور التاريخي نفسه يكشف زيف الدعاية البرجوازية القائلة بالطابع الطوباوي للمشروع الشيوعي. فالطبقة البرجوازية تخجل من حقيقة استغراق ترسيخ سلطتها نحو أربعة قرون. فقد استغرق الأمر وقتا طويلا ( من ق 14 الى ق 18)، منيت فيها البرجوازية بعدة هزائم، غير أن هذه الهزائم لم تنفي حاجة استبدال علاقات الإنتاج القديمة بين السيد الإقطاعي والقن، التي تجاوزها التاريخ، بالعلاقات البرجوازية بين الرأسمالي والعامل . بالنسبة للمشروع الشيوعي ، فقد جاءت صرخة كومونة باريس لتعطي الشرارة التي حققتها ثورة أكتوبر المجيدة وطورتها الثورة الثقافية البروليتارية الصينية ، دون الادعاء أن مسألة هزيمة تجربة لا يجب خلطها بهزيمة المشروع المجتمعي أو طوباويته. وهزيمة الثورة في كل من روسيا و الصين لا ينفي ضرورة استبدال علاقات الانتاج القديمة بعلاقات انتاج اشتراكية جديدة كمدخل لبداية إلغاء استغلال الانسان للإنسان .
لكي نجيب على سؤال كيف هزمت الثورة ؟ علينا أن نسلك طريقين اثنين : الاول وهو أن الهزيمة ارتبطت ببيروقراطية " ستالينية " وبجرائم ( قل نظيرها ! ) ارتكبها ستالين وأن الهزيمة ارتبطت بأناس " أشرار" لم يحسنوا التصرف وهم في هرم الدولة ، وبهذا الطريق تبدو الامور واضحة ، وانتهت القصة !
أما الطريق الثاني فيقول أن القيادة السوفياتية كانت تتقدم لتبني نوعا جديدا من الاقتصاد وعالم مغاير تماما يرث كل اعوجاجات المجتمع و لأوّل مرّة فى التاريخ المعاصر وبدون تجربة اشتراكية سابقة ، باستثناء أفكار عامة وضعها ماركس ولينين ، ومن جهة أخرى طرح البناء الاشتراكي عدة اشكالات لا سيما في بلد متأخر اقتصاديا ، عالجها بشر و فكر في حلها بشر حقيقيون في ظل أوضاع داخلية ودولية غير مساعدة بتاتا . ما خلف وسيخلف أخطاء شخصية وجماعية جدية .
إن سلك الطريق الاول يبدو الاقل " ضررا " بدون وجع رأس لكن بدون خلاصات ولا دروس ، أما الطريق الثاني فهو مليء " بصداع الرأس " يحاول النبش في الاشكالات الحقيقية التي طرحت وكيف فهمت وبالتالي ما هي الاجراءات التي اتخذت وما كانت نتائجها وانعكاسات تلك النتائج وما الدروس المستخلصة .
يونس سالمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *