جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الرفيق عبد المومن الشباري يتحدث عن معاناة عائلة الشهيد القائد جبيهة رحال


عائلة اجبيهة رحال
تجربة مطاردة و اعتقال و استشهاد و نضال



تقديم
مساهمة منا في إعادة صياغة الذاكرة الجماعية للشعب المغربي وكذا الوقوف على ما ظل مغيبا منها لأسباب تختلف باختلاف الجهات التي تعمل على طمس جزء من تاريخنا، نستضيف في هذا العدد المناضل الدكتور عمر اجبيهة أحد الوجوه البارزة في المشهد الحقوق المغربي، واحد جنود الخفاء ممن ساهموا في صمت وتواضع في إرساء دعائم الحركة الحقوقية المغربية في أحلك ظروف القمع الأسود.
مناسبة هذا اللقاء، هي الذكرى 26 لاستشهاد شقيقه المناضل الراحل، الشهيد رحال، و نتوحى من هذه المحطة الوقوف على ما عانته حركة اليسار الجديد في شخص الشهيد، وما عانته عائلة المعتقلين من خلال عائلة اجبيهة، وكذا المخاض الذي تبلورت على إثره إحدى الروافد و الدعائم الحقوقية المتميزة كتجربة، شكلت رافعة أساسية لحماية المعتقلين داخل السجون و المتمثلة في تجربة عائلات المعتقلين السياسيين.

1: وعي مبكر و اعتقال قبل الأوان 
لقد كان لقاؤنا بالدكتور عمر اجبيهة، الرئيس السابق لمجموعة منظمة العفو الدولية بالمغرب و عضو المكتب التنفيذي الحالي لمنتدى الحقيقة و الإنصاف، لقاءا حميميا تجاوز شكليات اللقاءات الصحافية حيث تداخلت فيه القضايا العائلية لرحال. بالقضايا التي كانت تعتمل داخل المجتمع، و حاضر التطورات الحقوقية بماضي الحركات اليسارية، و معاناة الشهيد رحال لمعاناة العائلة. تراجع الذاكرة بعمر اجبيهة أثناء حكيه إلى منتصف عقد الستينات، وهي بداية معاناة العائلة مع كل أصناف الاضطهاد الذي ستتعرض له العائلة فيما بعد . يقول و هو الطالب آنذاك بكلية الطب بالرباط، انه تلقى خبرا من المرحوم والده يخبره باعتقال أخيه رحال والذي لم يتجاوز سنه آنذاك 16 ربيعا، بإحدى الإعداديات بمدينة مراكش، وهو القادم إليها من قلعة سراغنة لإتمام دراسته . ويعود سبب اعتقال رحال التلميذ آنذاك، هو اتهامه رفقة بعض التلاميذ بإحراق صورة الملك الحسن الثاني، ارتباطا بالأحداث الدامية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء في 23 مارس 1965 . يقول الدكتور عمر أن أخاه اقتيد إلى كوميسارية جليز بمدينة مراكش وقضى بها 16 يوم، ذاق خلالها كل أصناف التعذيب، وسنه آنذاك لم يتجاوز السادسة عشر من عمره . لقد كان ذلك الاعتقال في ذلك السن المبكر لرحال منطلقا محددا في تغيير مسارات الشهيد الحياتية . وسوف تزيد من حدة وعيه بالعالم المحيط به ذهابه إلى مدينة الدار البيضاء لمتابعة دراسته الثانوية، وهي المدينة التي تشكل قطب الرحى للمغرب بكل تناقضاته ، حيث عرفت هذه المدينة خلال تلك الفترة الكثير من الغليان والارتجاجات المجتمعية، جعلت من الشاب رحال ينخرط فيها عبر بوابة الحركة التلاميذية، وليتعرض للاعتقال ثانية سنة 1968، حيث قضى 18 يوما بأحد مخافر الشرطة. وهي اللحظة التي سيتعرف فيها على المناضلة آسية رضا داخل المعتقل، التي سترافقه كرفيقة و كزوجة حتى استشهاده.


2: الالتزام السياسي والحياة في السرية.
ففي ظل إفلاس مجتمعي شامل عرفه المغرب في عقد السبعينات، وبين الغياب الكلي للعدالة و الحرية و الديمقراطية. وبين طموح شباب حي و متقد خابت آماله في مستقبل يضمن الكرامة والعزة الإنسانية. ساهم رحال اجبيهة إلى جانب شباب مناضل ثوري في إعادة إيقاد جذوة الأمل، في جيل بدأ يتحوطه اليأس والتذمر، ببناء منظمة 23 مارس الماركسية، واتخذ من الطبقة العاملة قاعدة لعمله النقابي والسياسي، وكانت شركة كارنو أول مجال لذلك حيث مكنه ذكاؤه وحسه السياسيين من كسب ثقة العمال، من خلال المعارك التي قادها من داخل النقابة، كل هذا يقول الدكتور عمر جعله عرضة للمضايقات والملاحقات كادت أن تسقطه في يد الشرطة التي حاولت اعتقاله سنة 1973 . ولذلك أصبح مجبرا على الدخول إلى السرية، اضطرت معه الشرطة محاصرة عائلته و أخيه عمر بمدينة الراشيدية التي كان فيها عمر طبيبا، وتمارس على الأم والخالة والأقارب والجيران الي كل اشكال التعسف، اضطرت معه العائلة النزوح إلى مدينة الدار البيضاء، بعد أن ضاقت درعا بالضغوطات النفسية التي كانت تتعرض لهافي مدينة قصر السوق والملاحقات. و لقد مكن الاستقرار بالدار البيضاء الدكتور عمر من توفير إمكانيات التواصل مع أخيه رحال ومده بما يحتاجه من نقود وكدا ترتيب لقاءات له مع الأسرة، وكان ذلك لمساعدة العديد من رفاقه و أصدقائه يذكر منهم الدكتور عمر المناضل حسن السملالي.
و لا يخفي الدكتور عمر اجبيهة ما تعرض له وعائلته خلال هذه الفترة من الضغوطات و تحرشات حيث كان مراقبا في بيته وعمله ومراقبة خطوطه الهاتفية ومراسلاته، كما لم تسلم زوجته آسيا رضا هي الأخرى من التحرش والملاحقة ولقد استمر هذا الوضع إلى أن ألقي القبض على الشهيد رحال اجبيهة في نونبر 74 حيث سقط في كمين بوليسي، بعد اعتقال أحد رفاقه والذي أدلى باسم ليتم اعتقاله بعد أن تم التنسيق بين الشرطة و شركة الماء والكهرباء
في تحديد مكان تواجده، بواسطة عقدة اشتراك للاستفادة من الكهرباء التي تحمل اسمه المستعار 

3 بحث محموم عن أمكنة الاختطاف وتبلور حركة حقوقية جنينية
يقول الدكتور عمر بعد اعتقال أخيه الراحل رحال وبقية رفاقه من مجموعات 23 مارس وإلى الأمام، ولنخدم الشعب تحركت أسرتي وبقية العائلات ممن اختطف أبناؤها ببحث محموم، عن إمكان اعتقالهم، بحيث انقطعت أخبارهم، ولقد قاد البحث العائلات إلى تشكيل أنوية أولية لحركة عائلات المعتقلين السياسيين التي سيشكل العمود الفقري الذي تأسست عليه الحركة الحقوقية بالمغرب. ويتذكر الدكتور عمر هذه الفترة كيف تم توجيههم من طرف الأستاذ عبد الرحيم برادة للاتصال بالمنظمات الحقوقية، وللدعاية لأبنائهم والكشف عن مصيرهم وتم ربط الاتصال بمنظمة العفو الدولية. وبروح ساخرة يتحدث عمر كيف استطاع البعض من العائلات تصيد بعض العاملين و الجلادين بدرب مولاي الشريف، بإحدى الحانات بالبيضاءو يستدرجونهم بطرق غير مباشرة، لتقصي الأخبار عن أبنائهم و تتبع أوضاعهم وكيف كان ذلك يشكل مواد لتقارير كانت تبعث للمنظمات الحقوقية وكيف كان هؤلاء الجلادون يسخرون من أبرهام سرفاتي خلال أحاديثهم. إن المدة الطويلة التي استغرقها المعتقلون السياسيون في درب مولاي الشريف منذ سنة 1974 إلى بداية سنة 1976، كانت كافية من الناحية الزمنية لتتشكل حركة العائلات، وهي أول مكسب يحققه المعتقلون كإحدى الدعائم الأساسية التي سترافق محنهم على امتداد ما يزيد عن عقد و نصف من الزمن.
4 السجن والدفاع عن حق المعتقل السياسي في الوجود
كانت سنة 1976 بالنسبة للدكتور عمر لحظة لإعادة الحياة للمعتقلين الذين ظلوا مختطفين و مجهولي المصير لمدة قاربت السنتين في شروط أقل ما يقال عنها، كانت مطبوعة بأساليب لا إنسانية و حاطة بالكرامة، مع مختلف أصناف التعذيب الهمجي التي تعرض لها المعتقلون على امتداد هذه الفترة إنها عودة جديدة للحياة و لما تحمله من معاني لدويهم و ما بعثته من أمل لدى العائلات يقول عمر. حيث انطلقت مرحلة جديدة سواء في علاقة العائلات بالمعتقلين، أو بهما معا مع الدولة بمختلف أجهزتها، حيث عرفت هذه المرحلة الكثير من الإضرابات اللامحدودة عن الطعام، انتهت المعركة الأولى في سنة 1976 بإطلاق سراح 105 من المعتقلين بقرار عدم المتابعة، و تحديد تاريخ المحاكمة ل 139 المتبقية من المجموعة. و كما رصت العائلات خلال هذه الفترة صفوفها ونظمت نفسها بحيث شكلت حسب الدكتور اجبيهة القناة الرابطة بين المعتقلين و العالم الخارجي حيث كان تسرب بيانات المعتقلين بشكل محكم داخل الملابس، ويتكلف طاقم من العائلات برقنها وتكليف أحد أفراد العائلات القاطنة بالشمال، ببعثها من سبتة عن طريق البريد لكي لا تتعرض للحجز، وكان اغلبها موجه لمنظمة العفو الدولية، إنها اللحظة التاريخية التي بدأت تتشكل فيها الأنوية الأولى لمنظمة العفو الدولية بالمغرب، ولم تتمكن من تثبيت وجودها إلا في عقد التسعينيات.
5 المحاكمة و الرحلة نحو المجهول و معارك حركة عائلات المعتقلين السياسيين
لم يكن الكشف عن مصير المختطفين كافيا يقول الدكتور اجبيهة، للاطمئنان عن المعتقلين، بل أن الشروط التي وضع فيها المعتقلون داخل السجن وما رافق ذلك من إضرابات عن الطعام جعل العائلات تنظم صفوفها وطرق عملها، بحيث تحركت لتهيئ الدفاع بالاتصال بالمحامين، و كتفت من اتصالاتها. وخلالها ذلك أكد عمر اجبيهة، أنه بقدر ما وجدوا محامين رغم ما تعرضوا له من مضايقات و متابعات، ووصلت محاولة دحس الأستاذ عبدالرحيم برادة بإحدى السيارات و مراقبة هواتفه و مكتبه وأخذوا الملف بجدية فائقة، فإن هناك من المحامين وممن هم محسوبين على الأحزاب الديمقراطية، الذين اشترطوا دفاعهم بتراجع المعتقلين عن موقفهم من الصحراء.
انتهت المحاكمة في يناير 1977 بما هو معروف من خروقات واستفزازات و بصدور ما يزيد عن 7 قرون من السجن ضد المعتقلين، وانطلقت مرحلة أخرى اتخذت من إثبات الهوية السياسية للمعتقلين عنوانا من العناوين الرئيسية لها وسوف تعرف هذه المرحلة يقول الدكتور اجبيهة معارك بطولية خاضها المعتقلون داخل السجن والعائلات كدرع ممتد لهم داخل المجتمع، و كان أشهر تلك الإضرابات عن الطعام خلال تلك الفترة إضراب ال 45 يوما الذي عرفه السجن المركزي آنذاك، والذي سقطت فيه سعيدة المنبهي شهيدة، حيث بلغت حركة عائلات المعتقلين السياسيين ذروة نضالها و توزعت بين الاعتصامات أمام مقر الأمم المتحدة بالرباط، وداخل مسجد السنة بالعاصمة، وبين الوقفات الاحتجاجية أمام السجون، مع ما رافق ذلك من اعتقالات وسط أمهات وزوجات واخوات المعتقلين..
6 - استشهاد رحال واستمرارية حضوره في إحياء ذكرياته السنوية
لا زال الدكتور عمر يتذكر أشعة الأمل البارقة من أعين شقيقه رحال وما كان يختلجه من رغبة جامحة نحو الحرية، وهذا ما كان يؤكده رفقاء رحال، داخل السجن حيث كان حازما وصارما في مقاومة النظم السجنية بأعرافها و قوانينها، بحثا عن مساحات منفلتة من رقابة السجان بحيث كان على رأس قائمة الرفاق ممن تطالهم أية هجمة من إدارة السجن. وذاق أكثر من مرة من لسعات برودة الزنازن الانفرادية (الكاشو). ففي نهاية سنة 1979 كان رحال منشغلا بأشياء لم تكن واضحة يقول عمر، وكان إحساسي تلك اللحظة أن هناك شيئا يتدبر في الخفاء لكن في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر طلب مني أن اذهب إلى السينما ليلة الجمعة 13 أكتوبر رفقة زوجتي، وهو ما التزمت به دون الاستفسار عن خلفية ذلك . لكن صبيحة يوم السبت كان وقع الخبر الذي بلغني به موريس سرفاتي صادما ومفاده أن رحال توفي بالمستشفى بعد أن حاول الفرار من السجن رفقة رفيقين له كانت رحلتي إلى الرباط خاطفة، ووجدتني أمام جثة رحال الهامدة كان ممدا بإحدى غرف الاحتفاظ بجثث الأموات، بقفازات ممزقة. لتنطلق معاناة جديدة شملت العائلة. اعتقلت زوجتي أمنية وأختها آسية زوجة رحال، وأطلق سراحها بعد 48 ساعة، في حين احتفظوا بآسية زوجة رحال التي قضت شهرا بسجن العلو لاتهامها بمساعدة الشهيد على فراره من السجن قبل أن تصدر المحكمة حكمها القاضي بعقوبة 3 أشهر موقوفة التنفيذ.
لقد كانت تلك الأيام عصيبة بالنسبة للعائلة يقول الدكتور عمر، بحيث وضعت العائلة بين سندان ضرورات إجراء مراسيم الدفن، و سندان التحقيقات والمضايقات والاحتجاز. فخلال هذه الأيام أصرت الدولة على عدم تسليم الجثة وإقامة مراسيم الدفن إلى حين اعتقال المعتقلين الفارين (الرفيق أسيدون، والرفيق البريبري) و بدأ التسويف و التماطل بمبررات واهية زادت من حدة التوترات النفسية التي كانت تعاني منها العائلات جراء الاستشهاد حيث خضعت جثة الشهيد رحال إلى نوع من المضايقة والضغط على العائلة. ولقد خضع الدكتور في تلك الأيام إلى ما يشبه الاحتجاز اليومي الذي يمتد من الثامنة صباحا إلى 10 ليلا، يوميا و تهديده بكونه منسقا لعملية الفرار، و ضالعا في عملية الهروب التي نفذها المعتقلون رغم أنني أدليت ببطائق السينما التي كنت بها ليلة الهروب يقول اجبيهة.
كما مارست الدولة ضغطها بعد أن سلمت لنا جثة رحال، للتعجيل بالدفن الذي تم بمقبرة الشهداء تفاديا لما يمكن أن تسببه مراسم الدفن بشكلها العادي من إرباك ومن إدانة لسياسة الحكم داخل السجون المغربية.
لقد رحل رحال، واستمرت روحه حاضرة من خلال إحياء ذكرياته السنوية التي حرصت عائلته على إحيائها بشكل سنوي، حيث ترسخت كتقليد سنوي، يؤمها العائلات والمعتقلين والمناضلين من مختلف مناطق المغرب على امتداد ربع قرن من الزمن. بحيث تحولت مناسبة الذكرى إلى ملتقى للحركة اليسارية المغربية بكل أطيافها، ولكل المناضلين الديمقراطيين المغاربة من مختلف المشارب. وكما شكلت فضاء ديمقراطيا للتداول في مختلف قضايا الاعتقال، وقضايا الوطن.
وعن سؤال ماذا فعل رفاق رحال الذين قاسموه الزنازن والجوع ورغيف الخبز الأسود بسجون درب مولاي الشريف والقنيطرة وهم يتربعون على هيآت كلفت بتسوية ماضي الانتهاكات؟ يقول عمر إن هيأة الإنصاف والمصالحة هي غصن من شجرة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ولا يمكن للغصن أن يعطي عكس ما تعطيه الشجرة. و لا يفوت عمر اجبيهة أن يبلغ رفاق رحال وأصدقاؤه وكل المناضلين والمتهمين بحقوق الإنسان أن عائلة الشهيد رحال لم تتقدم بأي طلب إلى الهيئة لأنها هيئة تعمل على محو الذاكرة، هيأة دمرت جسور التواصل مع الجسم الحقوقي المغربي بعد نعتها من طرف رئيس الهيئة بالمافيا ولا ينسى الدكتور اجبيهة أن يؤكد على أن العائلة متمسكة كباقي العائلات بالحقيقة والإنصاف والمساءلة. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *