قصة مطرود مع عيد الاضحى/الاستاذ عبد الرحمان غندور
عيد الأضحى الذي أصبحت فيه أغنى مطرود من وظيفته.
ستظل سنة 1979 الموافقة للسنة الهجرية 1399 محفورة في الذاكرة والعقل والوجدان... ففي هذه السنة تعرضت لعملية الطرد الفاحشة من وظيفتي كأستاذ للفلسفة بثانوية مولاي رشيد بفاس. على إثر الإضراب الذي قررته ونفذته بنجاح كبير النقابة الوطنية للتعليم، والنقابة الوطنية للصحة، تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل يومي 10 و 11 أبريل.
عرفت هجمة النظام على المناضلين النقابيين الكثير من الممارسات القمعية الفاحشة، ابتدأت بالاعتقال وإغلاق المقرات وانتهت بطرد النشطاء في النقابتين المضربتين. وكان حظي أن أنجو من الاعتقال لأكون على رأس قائمة المطرودين في قطاع التعليم، كما كان الدكتوران محمد الخضوري وعبد العزيز القدوري على راس المطرودين من قطاع الصحة.
لا يسمح المقام هنا باستعراض حالة الطرد وظروفها وآثارها ومخلفاتها على أستاذ حديث التخرج، لا مورد له سوى راتبه، ويعول زوجة وأبا وأما عجوزين...ففي مذكراتي جزء خاص بهذه الحالة وملابساتها. لكن مناسبة عيد الأضحى جعلتني أقتطف من هذه المذكرات ما تسمح به المناسبة.
كان الطرد في شهر أبريل، حيث توقفت الحوالة وابتدأ مسلسل جديد من الفقر المدقع الذي لم يكن غريبا علي ولم يكن يحرجني سوى من جانب مسؤوليتي تجاه العجوزين اللذين لا مورد لهما سوى هذا الراتب، حتى زوجتي كانت لا تزال تعيش مع عائلتها، لأننا لم نهيئ بعد عش الزوجية.
كنت دائما من الرافضين لعيد الأضحى بحكم قناعاتي الفكرية، لكني لم أكن أتخل عنه بحكم الاكراهات الاجتماعية أمام أب وأم ينتميان لعقلية أخرى، وإرضاء لما كانا يبذلانه في توفير الأضحية لي وأنا طفل رغم مستوى الفقر الذي كانا يعيشانه. رأيت فيهما طفلين ينتظران مني فرحة العيد، ولا يمكنني كيفما كانت الأحوال أن أخيب انتظارهما.
لكن ما العمل وظهر الحمار قصير، والعين بصيرة واليد مقطوعة وليست قصيرة ؟؟؟
صادف شهر ذي الحجة تلك السنة (1399) شهر نونبر (1979) ومع اقتراب أيام العيد اقترحت على والدي وأمي أن يقضيا العيد مع أختي فاطمة في مكناس، ووافقا على الاقتراح كحل لهذه السنة في انتظار ما ستأتي به الأيام.
لكن في اليوم الخامس قبل حلول العيد، رجعت مساء للمنزل الذي لم يُـؤَدَّ كراؤه منذ أبريل، فسمعت وأنا افتح الباب، بعبعة...إنه الكبش في منزلي...إنها الأضحية...إنه العيد للعجوزين.
اخبرتني والدتي بعد الاستفسار عن مصدر الأضحية، أنها مبعوثة من طرف أختي فاطمة أطال الله عمرها...تنفست الصعداء مسجلا لهذه الانسانة هذا الموقف النبيل والكريم.
في اليوم الموالي، وأنا أحتسي قهوتي بمقهى ألاسكا التي كانت مكان لقاء المناضلين، جاءني الأخ نداء ادريس، وسلمني ظرفا مختوما، وجدت فيه بعد فتحه مبلغ 1000 درهم مع بطاقة الأخ محمد بنسعيد المحامي وعضو الكتابة الاقليمية للاتحاد الاشتراكي التي كنت أيضا أحد أعضائها، وكتب في ظهر البطاقة، اتمنى ان تتقبل مني هذه المساهمة البسيطة، وعيد مبارك سعيد. وكانت 1000 درهم آنذاك تشتري أحسن الأكباش في السوق.
عدت للمنزل ذاك اليوم جد متأخر، ولاحظت أن الأضواء مشتعلة، فتوجست في الأمر سوء، فوالدي في مثل هذا الوقت المتأخر يكونان في سابع نومة. لكني وجدتهما مستيقظين ينتظراني ليخبراني أن بمنزلنا كبشان آخران بالإضافة لكبش أختي...
أخبراني أنه بعد صلاة الظهر دق الباب ثلاث رجال، وسلموا على الوالد، وقالوا له المرجو ان تحتفظ بهذه الأمانة (الكبش) لسي عبد الرحمان مع رسالة. وقبيل صلاة المغرب دق شخص آخر بمفرده وسلمهم كبشا مع رسالة أخرى.
فتحت الرسالتين، فكانت الأولى من مجموعة من سكان الجنانات، وهي الدائرة الانتخابية التي كنت أمثلها باسم الاتحاد الاشتراكي في أول مجلس بلدي لفاس الذي كان يراسه المرحوم بنسالم الكوهن عن حزب الاستقلال، وكانت الرسالة تقول في مضمونها، أن السكان معي في محنتي وأنهم لن يتخلون عني...ووقع الرسلة باسمهم الأخ محمد بنسليمان.
أما الرسالة الثانية فقد كانت هي والكبش من طرف فلاح كبير متعاطف مع الاتحاد الاشتراكي، وتعود أن يساهم مع الاتحاد ومناضليه في مناسبات ومحن عديدة ولا سيما مساعدة عائلات المعتقلين في سنوات الرصاص. إنه المرحوم المودني أكرم الله مثواه.
لم أعلق على الأمر وأنا أسمع دعوات والدي ووالدتي مع هذه الشريحة من الناس ومعي أيضا...كان فكري يضع السؤال حول ما العمل بكبشين زائدين عن الحاجة ؟
فكرت طول الليل في شخصين مناضلين فقيرين معوزين بلغة " الدوارة للواد " ويخجلان أن يمدا يديهما لأحد، وحزبنا يشتمل على نخبة من كبار الأثرياء، فقررت أن يكون الخروفان من نصيبهما، الشيء الذي تحقق صباحا في رحلة مفعمة بالفرح الى دوار ريافة وصهريج كناوة حيث وصلت الأمانة إلى صاحبيها كما وصلتني.
عيد " كنت رافد لو الدبيلة " فإذا بي أصبحت أساهم في حل " دبيلة " الآخرين.
والأجمل من كل ذلك أن يفكر فيك الناس الذين منحوك أصواتهم، ويتضامنوا معك بطريقة لا أعتقد أنها قابلة للتكرار.
كان هذا هو العيد الذي كنت فيه أغنى من عيد ماديا ومعنويا
عرفت هجمة النظام على المناضلين النقابيين الكثير من الممارسات القمعية الفاحشة، ابتدأت بالاعتقال وإغلاق المقرات وانتهت بطرد النشطاء في النقابتين المضربتين. وكان حظي أن أنجو من الاعتقال لأكون على رأس قائمة المطرودين في قطاع التعليم، كما كان الدكتوران محمد الخضوري وعبد العزيز القدوري على راس المطرودين من قطاع الصحة.
لا يسمح المقام هنا باستعراض حالة الطرد وظروفها وآثارها ومخلفاتها على أستاذ حديث التخرج، لا مورد له سوى راتبه، ويعول زوجة وأبا وأما عجوزين...ففي مذكراتي جزء خاص بهذه الحالة وملابساتها. لكن مناسبة عيد الأضحى جعلتني أقتطف من هذه المذكرات ما تسمح به المناسبة.
كان الطرد في شهر أبريل، حيث توقفت الحوالة وابتدأ مسلسل جديد من الفقر المدقع الذي لم يكن غريبا علي ولم يكن يحرجني سوى من جانب مسؤوليتي تجاه العجوزين اللذين لا مورد لهما سوى هذا الراتب، حتى زوجتي كانت لا تزال تعيش مع عائلتها، لأننا لم نهيئ بعد عش الزوجية.
كنت دائما من الرافضين لعيد الأضحى بحكم قناعاتي الفكرية، لكني لم أكن أتخل عنه بحكم الاكراهات الاجتماعية أمام أب وأم ينتميان لعقلية أخرى، وإرضاء لما كانا يبذلانه في توفير الأضحية لي وأنا طفل رغم مستوى الفقر الذي كانا يعيشانه. رأيت فيهما طفلين ينتظران مني فرحة العيد، ولا يمكنني كيفما كانت الأحوال أن أخيب انتظارهما.
لكن ما العمل وظهر الحمار قصير، والعين بصيرة واليد مقطوعة وليست قصيرة ؟؟؟
صادف شهر ذي الحجة تلك السنة (1399) شهر نونبر (1979) ومع اقتراب أيام العيد اقترحت على والدي وأمي أن يقضيا العيد مع أختي فاطمة في مكناس، ووافقا على الاقتراح كحل لهذه السنة في انتظار ما ستأتي به الأيام.
لكن في اليوم الخامس قبل حلول العيد، رجعت مساء للمنزل الذي لم يُـؤَدَّ كراؤه منذ أبريل، فسمعت وأنا افتح الباب، بعبعة...إنه الكبش في منزلي...إنها الأضحية...إنه العيد للعجوزين.
اخبرتني والدتي بعد الاستفسار عن مصدر الأضحية، أنها مبعوثة من طرف أختي فاطمة أطال الله عمرها...تنفست الصعداء مسجلا لهذه الانسانة هذا الموقف النبيل والكريم.
في اليوم الموالي، وأنا أحتسي قهوتي بمقهى ألاسكا التي كانت مكان لقاء المناضلين، جاءني الأخ نداء ادريس، وسلمني ظرفا مختوما، وجدت فيه بعد فتحه مبلغ 1000 درهم مع بطاقة الأخ محمد بنسعيد المحامي وعضو الكتابة الاقليمية للاتحاد الاشتراكي التي كنت أيضا أحد أعضائها، وكتب في ظهر البطاقة، اتمنى ان تتقبل مني هذه المساهمة البسيطة، وعيد مبارك سعيد. وكانت 1000 درهم آنذاك تشتري أحسن الأكباش في السوق.
عدت للمنزل ذاك اليوم جد متأخر، ولاحظت أن الأضواء مشتعلة، فتوجست في الأمر سوء، فوالدي في مثل هذا الوقت المتأخر يكونان في سابع نومة. لكني وجدتهما مستيقظين ينتظراني ليخبراني أن بمنزلنا كبشان آخران بالإضافة لكبش أختي...
أخبراني أنه بعد صلاة الظهر دق الباب ثلاث رجال، وسلموا على الوالد، وقالوا له المرجو ان تحتفظ بهذه الأمانة (الكبش) لسي عبد الرحمان مع رسالة. وقبيل صلاة المغرب دق شخص آخر بمفرده وسلمهم كبشا مع رسالة أخرى.
فتحت الرسالتين، فكانت الأولى من مجموعة من سكان الجنانات، وهي الدائرة الانتخابية التي كنت أمثلها باسم الاتحاد الاشتراكي في أول مجلس بلدي لفاس الذي كان يراسه المرحوم بنسالم الكوهن عن حزب الاستقلال، وكانت الرسالة تقول في مضمونها، أن السكان معي في محنتي وأنهم لن يتخلون عني...ووقع الرسلة باسمهم الأخ محمد بنسليمان.
أما الرسالة الثانية فقد كانت هي والكبش من طرف فلاح كبير متعاطف مع الاتحاد الاشتراكي، وتعود أن يساهم مع الاتحاد ومناضليه في مناسبات ومحن عديدة ولا سيما مساعدة عائلات المعتقلين في سنوات الرصاص. إنه المرحوم المودني أكرم الله مثواه.
لم أعلق على الأمر وأنا أسمع دعوات والدي ووالدتي مع هذه الشريحة من الناس ومعي أيضا...كان فكري يضع السؤال حول ما العمل بكبشين زائدين عن الحاجة ؟
فكرت طول الليل في شخصين مناضلين فقيرين معوزين بلغة " الدوارة للواد " ويخجلان أن يمدا يديهما لأحد، وحزبنا يشتمل على نخبة من كبار الأثرياء، فقررت أن يكون الخروفان من نصيبهما، الشيء الذي تحقق صباحا في رحلة مفعمة بالفرح الى دوار ريافة وصهريج كناوة حيث وصلت الأمانة إلى صاحبيها كما وصلتني.
عيد " كنت رافد لو الدبيلة " فإذا بي أصبحت أساهم في حل " دبيلة " الآخرين.
والأجمل من كل ذلك أن يفكر فيك الناس الذين منحوك أصواتهم، ويتضامنوا معك بطريقة لا أعتقد أنها قابلة للتكرار.
كان هذا هو العيد الذي كنت فيه أغنى من عيد ماديا ومعنويا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق