من ذاكرة بعض المطلوبين للتجنيد/الرفيق عبد الغاني تاتان
بعد الاستدعاء الاول الذي لم أستجب له،جاءني الاستدعاء الثاني عبر بعض رجال الدرك الملكي.. سألوا عن مكان وجودي،وألحوا على أبي في ذلك.. أحدثوا حالة استنفاربين أفرادأسرتي ،خاصة وانهم على علم بانخراطي في الجمعيات الثقافية الجادة وبنشاطي النضالي ضمن صفوف الحركة التلاميذية..
كنت يومها أقضي بداية عطلتي الصيفية مستمتعا بالظلال الباردة والسباحة في مياه العيون الصافية،وأكل ما لذ وطاب من عنب ورمان وتين وبرقوق ..جاءني الخبر توا عبر أحد الاصدقاء:
-" أنت مطلوب أ المسخوط! جاوا ليك ليجوندارم للدار وراه بغاو يديوا باك فبلاصتك..شنو درتي؟! راه عطاوه ورقة حمراء،وقالوا ليه،لابد مايجي غدا للابريكاد،والى ماجاش راه نجبدوه فينما كان..والى ماكاينش ،غانديوك فبلاصتو .."
واووو نزل علي الخبر كالصاعقة،ولم اتمالك نفسي ..!ماذا جنى أبي ؟! بل ما تهمتي أنا!؟
هرولت مسرعا الى البيت..اخبرني ابي بالامر:
-"غايديوك أوليدي للعسكر..وقرايتك؟! شوف أوليدي ماتمشي فين،أنا غانشوف كيفاش ندير فالقضية،غانشوف الشيخ هاذ العشية،ومايصبح حتى يفتح..! "
-"وا الواليد،راناباقي تنقرا،وراه ما غاديش نمشي للابرياكاد..!وراه ماخفتي والو ماغيديوكش انت،بغاوني أنا.."
-"أولدي،المخزن مامعاه مزاح،يديه طويلة على كولشي،ولكن مايمكنش يديوك للعسكر ماحدي حي.."(لترقدروحك الطاهرة في أمن وسلام،أيها الشهم العظيم).
قررت السفر ذاك المساء الى مراكش،بعد ان تسلمت من أبي ورقةالخمسين درهم،وطمأنته بأني سأدلي لادارة الدفاع بالرباط الكائنة بالعلو،بشهادة متابعة الدراسةبعد تسلمهامن ادارة المؤسسة التربوية التعليمية التي كنت أدرس بها..
كنا خمسة شبان في مقتل العمر،أمرونا بالانتظار حتى الانتهاء من تسليم الوثائق الادارية الى طالبيها الوافدين من كل مناطق المغرب.. وفي الثانية عشرة تقريبا،جاءنا عسكري مدجج بالنياشين،ورغم الفظاظة المرعبة الباديةعلى ملامحه،كما خيل الي ذلك حينها،إلا أنه كان يملك حسا إنسانيا..أمرنابالاصطفاف واحدا وراء الاخرحسب طول قاماتنا..أتذكرأني قداحتللت الرتبة الثالثة في الصف..قال الشاف:
-"مرحبا بكم ياشباب،انتم رجال الغد.. نعولوا عليكوم او لا؟ اول شيئ سنبدأ به هو غاتخلصوا من هاذيك الزوبارة المشعككة..بولازيرو.."
واوو أحسست بالدوار وبدا لي أن الوثيقة(poursuite des etudes)التي أضعها بجيبي،سوف لن تجدي مع هؤلاء!!ودراستي؟! وحلمي بنيل شهادة الباكالوريا!؟ واجتهادي !؟ اين ميزات "تشجيع"التي كانت تمنح لي من قبل اساتذتي في مداولاتهم!؟ واوو سأصبح عسكريا برتبة حلوف!؟ بلانطو!؟...تناثرت علي كثير من الاسئلة وازدحمت امام بوابة عقلي..واحسست بأني قد وقعت في فخ المخزن..! وقال الشاف:
-"زيدووو .."..
-..الى اين يارب!؟ بولازيرو..مشيت فيها..!؟ لم أدر متى وكيف خرج صوتي مدويا بعد ان قفز قلبي بين ضلوعي:
-" أستاذ..أنا باقي تنقرا.."
-"شنو؟! تتقرا؟ فاش؟
-"ناجح هذاالعام للباك"..وجذبت من جيبي بيدي المرتعشة الوثيقةالمطوية،قبل ان يبادر بالسؤال:
-"باش عرفناك تتقرا؟ عندك شي شها...؟!"
سلمتهااليه،قرأها وأردف قائلا:
-"واقولها من الاول..شكون فيكوم للي عندو شي ورقة ؟!"
لا احد يتوفر على مبرر للإفلات من التجنيد الاجباري..إلا أنا..أخلى سبيلي،قائلا:
-"سر أولدي فين تكمل قرايتك..ماعندنا ما نديرو بيك..!" خرجت ظافرا من القشلة،ولاني تركت أبي في حالة استنفار قصوى،فقد سافرت الى مراكش ليلا،لأزف له خبر نجاتي من لاپلي..
كنت يومها أقضي بداية عطلتي الصيفية مستمتعا بالظلال الباردة والسباحة في مياه العيون الصافية،وأكل ما لذ وطاب من عنب ورمان وتين وبرقوق ..جاءني الخبر توا عبر أحد الاصدقاء:
-" أنت مطلوب أ المسخوط! جاوا ليك ليجوندارم للدار وراه بغاو يديوا باك فبلاصتك..شنو درتي؟! راه عطاوه ورقة حمراء،وقالوا ليه،لابد مايجي غدا للابريكاد،والى ماجاش راه نجبدوه فينما كان..والى ماكاينش ،غانديوك فبلاصتو .."
واووو نزل علي الخبر كالصاعقة،ولم اتمالك نفسي ..!ماذا جنى أبي ؟! بل ما تهمتي أنا!؟
هرولت مسرعا الى البيت..اخبرني ابي بالامر:
-"غايديوك أوليدي للعسكر..وقرايتك؟! شوف أوليدي ماتمشي فين،أنا غانشوف كيفاش ندير فالقضية،غانشوف الشيخ هاذ العشية،ومايصبح حتى يفتح..! "
-"وا الواليد،راناباقي تنقرا،وراه ما غاديش نمشي للابرياكاد..!وراه ماخفتي والو ماغيديوكش انت،بغاوني أنا.."
-"أولدي،المخزن مامعاه مزاح،يديه طويلة على كولشي،ولكن مايمكنش يديوك للعسكر ماحدي حي.."(لترقدروحك الطاهرة في أمن وسلام،أيها الشهم العظيم).
قررت السفر ذاك المساء الى مراكش،بعد ان تسلمت من أبي ورقةالخمسين درهم،وطمأنته بأني سأدلي لادارة الدفاع بالرباط الكائنة بالعلو،بشهادة متابعة الدراسةبعد تسلمهامن ادارة المؤسسة التربوية التعليمية التي كنت أدرس بها..
كنا خمسة شبان في مقتل العمر،أمرونا بالانتظار حتى الانتهاء من تسليم الوثائق الادارية الى طالبيها الوافدين من كل مناطق المغرب.. وفي الثانية عشرة تقريبا،جاءنا عسكري مدجج بالنياشين،ورغم الفظاظة المرعبة الباديةعلى ملامحه،كما خيل الي ذلك حينها،إلا أنه كان يملك حسا إنسانيا..أمرنابالاصطفاف واحدا وراء الاخرحسب طول قاماتنا..أتذكرأني قداحتللت الرتبة الثالثة في الصف..قال الشاف:
-"مرحبا بكم ياشباب،انتم رجال الغد.. نعولوا عليكوم او لا؟ اول شيئ سنبدأ به هو غاتخلصوا من هاذيك الزوبارة المشعككة..بولازيرو.."
واوو أحسست بالدوار وبدا لي أن الوثيقة(poursuite des etudes)التي أضعها بجيبي،سوف لن تجدي مع هؤلاء!!ودراستي؟! وحلمي بنيل شهادة الباكالوريا!؟ واجتهادي !؟ اين ميزات "تشجيع"التي كانت تمنح لي من قبل اساتذتي في مداولاتهم!؟ واوو سأصبح عسكريا برتبة حلوف!؟ بلانطو!؟...تناثرت علي كثير من الاسئلة وازدحمت امام بوابة عقلي..واحسست بأني قد وقعت في فخ المخزن..! وقال الشاف:
-"زيدووو .."..
-..الى اين يارب!؟ بولازيرو..مشيت فيها..!؟ لم أدر متى وكيف خرج صوتي مدويا بعد ان قفز قلبي بين ضلوعي:
-" أستاذ..أنا باقي تنقرا.."
-"شنو؟! تتقرا؟ فاش؟
-"ناجح هذاالعام للباك"..وجذبت من جيبي بيدي المرتعشة الوثيقةالمطوية،قبل ان يبادر بالسؤال:
-"باش عرفناك تتقرا؟ عندك شي شها...؟!"
سلمتهااليه،قرأها وأردف قائلا:
-"واقولها من الاول..شكون فيكوم للي عندو شي ورقة ؟!"
لا احد يتوفر على مبرر للإفلات من التجنيد الاجباري..إلا أنا..أخلى سبيلي،قائلا:
-"سر أولدي فين تكمل قرايتك..ماعندنا ما نديرو بيك..!" خرجت ظافرا من القشلة،ولاني تركت أبي في حالة استنفار قصوى،فقد سافرت الى مراكش ليلا،لأزف له خبر نجاتي من لاپلي..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق