نبيل أحمجيق..الاستاذ محمد ازري زاهد
نبيل أحمجيق..
بسرعة وخفة كانت تنم عن ذكاء وحس إنساني، كانت خطواته تتتابع كأنه في سباق مع الزمن. كان يرسم الابتسامة بصدق في وقت الشدة، ويلقي بها في وجه أول من يصادف. لم يكن يبخل بأي شيء. مرارا تألم لحال ما آلت إليه الأوضاع، مع ذلك كان صابرا وصامدا وهادئا، وعازما على العبور مهما كلفه الثمن. لم يكن يمتلك بوصلة، لكن حكمته كانت أقوى من كل شيء. في أعماق البحر، ولما عجز قاربه عن مواجهة قوة الأمواج وتقلبات البحر الأبيض المتوسط ذات نهاية فصل ربيع لن يتكرر، وضع مقذفيه جانبا، وبدأ يتأمل في صمت شمس ذلك اليوم. بشجاعة وحكمة اهتدى إلى سبيل الخلاص. هل كانت تسكنه روح الملاك؟ هل كانت تسكنه روح القديس ال "نبيل" الناعم؟ هل كان ينحدر من سلالة الملكوت؟. في الحقيقة لم يكن سوى نفسه. ذاته. اسمه. هو نبيل من قبل، ومن بعد، وكذلك سيبقى.
ذات صباح ممطر التقيا، وقال ال "نبيل" مبتسما : أزول ثاومات، ومضى مسرعا في اتجاه الباب الخلفي لكلية العلوم. لم يشأ كعادته أن يكثر من الكلام. بإشارة من عينيه كانت رسالته واضحة. ملتزمة. متحدية. مقاومة. متفائلة. رسالة تنتمي لكل الأزمنة وتحمل كل المعاني. رسالة تنتصر لكينونته وهويته. تأبى الذوبان، لكنها بأفاق كونية. كان يتزود بحكمته في غفلة من الجميع. مرارا تقاسم طيبوبته، بل كان يأخذ أقل بكثير مما يعطي. مطلقا لم يراهن على الأخذ. كان يؤمن بالعطاء. مرة قيل له: لما تجهد نفسك في سبيل الآخر وأنت الأحق بذلك؟ بفطنة أجاب: أنا هو العنوان العريض لنكران الذات، والتي أحبها سأظل أتبعها. كانت معشوقته في الحقيقة تتكون من 4 أحرف: الحاء، والراء، والياء، والتاء المربوطة. كان قد تزوجها منذ زمان بعيد، وأخفى الأمر عن الجميع. تعاشقا للوهلة الأولى، وعشقهما كان يحمل كل دلالات ومعاني البراءة. كلاهما أحب بصدق وإيمان.
لما أراد أن يعبر بقاربه الصغير، المصبوغ باللونين الأزرق والأبيض، تردد أكثر من مرة. مؤكد أن الشيخ، صاحب القارب بلحيته الخفيفة، كان ذا عزيمة قوية وتفكير أعمق. كان ينظر إلى ما وراءه أكثر من النظر نحو الأمام. كان يحس بأثقال التزاماته. كان يفكر ألف مرة قبل أن يقرر. كان يفكر في ورود حديقته التي ستذبل. في حمامه وطيوره التي ستهاجر قسرا. في والدته التي ستتألم وستبكي. كان يخشى من العواصف التي ستهب وتأتي عن كل شيء. عن مخطوطه الذي كان يحمل بين ثناياه حكمة الحياة التي أراد أن يعلمها لمن سيأتي، لكن كابوسا مرعبا قضى فجأة عن كل أحلامه. تحطم قاربه، وغرق هو وما كان يحمله. من حسن الحظ أن الولد الذي ظل يلازمه ويرافقه، لم يكن برفقته ذلك اليوم. طيلة حياته ظل عن يحكي بألم طفولي عن حياة الشيخ المفقود. عاش حياته كلها حداد، لكن بنبل وكأنه اسم على مسمى، بل وكان كذلك. كان هو ذاته نبيل. حينما اختار الانضمام رفقة أمثاله لحركة "أنوال للحرية"، كان قد اختار الاصطفاف إلى جانب أحرار جيله، والانتصار لمبادئه. في بعض أوراق الشيخ المفقود، وجد بعض الجمل التائهة التي ظل يواسي بها نفسه: "من هنا مر الحزن مكرها. أما المجيء فقد طال انتظار مجيئه، ولم يأتي قط. طيلة نهار اليوم ظل الصياد بصنارته يقاوم بصبره حر الشمس. في صبره كان يؤجل مجيء حزنه. لم تكن لا المسافات ولا المساحات تتسع للحلم. في نقطة محددة من المتسع الضيق، كان يجثم على نفسه. في رحيله كان طعم الألم والهم الذي حمله وقوة الانتصار للحياة (كان) يختلط بألم رحلة كفاحه. انتصر دوما للحق والعدالة والشجاعة، بل وظل طريقه الذي رسمه بعصامية قل نظيرها هو طريق وخيار اختاره عن قناعة وطواعية. في اغترابه الأخير بدا كأنه كان يبدأ رحلة النزول إلى الأسفل على مهل. نادرا ما نظر إلى يمينه أو يساره. الثابت أنه كان ينظر نحو الأعلى بسمو وشموخ فقط. أما في رحيله الأخير فقد بدا كأنه اختصر كل المسافات والمساحات بين "بييا" و"أمستردام". بين الخصوصي والكوني. بين الوطن والمنفى. بين الذات والآخر. بين الرحيل والعودة. بين الجرح والأمل. عاش ملك نفسه، ومات ملك ذاته وروحه. عاش شامخا، ومات شامخا. اهتدى للفن والأدب والتمرد والابتسامة، كسلاح جميل".
بقلم الأستاذ Med Izri Zahid
بقلم الأستاذ Med Izri Zahid

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق