جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

لليسار دَوْر /الرفيق محمد بولعيش

لليسار دَوْر 
واقع اليسار هذا لا يمكنه أن ينتج مقاومة ناجعة ، لا يمكنه أن يحدث تغييرا جوهريا في بنيات النظام المخزني ، وعجز اليسار هذا - الذي "تبرره" العوامل التي تحدثت عنها سابقا - لا يمكنه إلا أن يترك "فراغا" في الساحة لمواجهة الاستبداد والفساد ، وبما أن الساحة - كالطبيعة - لا تقبل الفراغ فإن قوى أخرى تحمل مشروعا مجتمعيا مناقضا لمشروع اليسار هي التي تملؤه .
وعندما لا تجد قوى اليسار ما تفعله أو حين تعي بعجزها السياسي وعدم قدرتها على تحقيق ما تسطره من أهداف هي مبرر وجودها (إحداث التغيير أو الثورة) تبحث عن مجالات أخرى تفرغ فيها طاقاتها المعطلة : في العمل الجمعوي والحقوقي والنقابي (على أهمية هاته المجالات وضرورتها) لأن كلفته أرخص وصورته أوضح وقد يُدِرّ بعض الدخل أو بعض الجاه ، أو تدخل في صراعات تنافسية بينية على مراكز النفوذ في هاته الهيئات أو على الاستفادة من الحركات الاحتجاجية عبر الاستقطاب والانفراد في التوجيه (حركة 20 فبراير نموذجا) ، أو عبر وضع خطوط حمراء تضع فيه بعضها البعض .
وهذا الواقع يسهل مامورية النظام في صراعه مع قوى المستقبل ، قوى اليسار فيتحين بها الفرص استقطابا (لا أحتاج لإعطاء أدلة على هذا) وإغراءاً و"تنصيبا" (الأمثلة كثيرة) واختراقا (التراجعات الواضحة عن قضايا مبدئية والانحرافات الملاحظة تدل عليه) ... وإذا كانت السياسة القمعية المخزنية تتحمل قسطا من المسؤولية في إضعاف حركة اليسار لكنها لا تتحمل كل المسؤولية ، بل قد تكون أحيانا سببا في تقويتها وصلابة عودها ، ألم نردد ولا زلنا : "من قلب السجون ينبع الثوار" و"القمع لا يفنينا" ؟ (أتذكر ما قاله لنا ذات يوم الراحل والد المعتقل السياسي السابق محمد السريفي : "احنا بحال الحديد شحال ما ضربتيه كيزيد يقصح") . إذا ، لنبحث عن الآسباب الذاتية لضعفنا وعجزنا لتجاوزهما عوض أن نجعل المخزن وحده شماعة نعلق عليه أعطابنا وانحرافاتنا .
معضلة/أزمة اليسار ليست تنظيمية فقط بل سياسية وفكرية وبرنامجية ، ولا يكمن الحل في تشكيل حزب آخر ينضاف لتلك القائمة ، لأن المسألة التنظيمية تأتي في آخر المطاف بعد وضوح الرؤية ورسم خارطة طريق وتحديد الإجابات عن أسئلة : ماذا ؟ لماذا ؟ كيف ؟ ومع من ؟ وليس قبلها !

فالمطلوب حاليا - كضرورة موضوعية - هو فتح الأبواب (أبواب مكونات اليسار) على مصراعيها للترائي والتواصل بين مختلف فصائل اليسار المتعدد ... المطلوب الإنصات إلى آراء الآخرين وفهم ما يقولونه ... المطلوب دراسة وتحليل أطروحات كل الأطراف للوقوف عند غثها وسمينها وتبادل الرأي حولها دون إصدار أحكام قطعية بصددها ... المطلوب إعمال قانون النسبية في التقييم والحكم والتقويم بأن نكون شافعيين في هاته المنهجية : "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" !
المطلوب حاليا التخلص من المعيقات التي حاولتُ تحديدها سابقا ، وخلق أجواء من الثقة بيننا بقبول اختلافاتنا وعدم جعلها شروطا مسبقة أو خطوطا حمراء لا سبيل للتنازل عنها (فالبقاء للمبادئ والقيم وليس للأفكار والتقديرات والأحكام) ... المطلوب تكسير الحواجز النفسية ، حواجز التوجس والتخوف من السقوط في المحذور ... تجاوز إعاقات الماضي ورواسبه التي قد تكون خلفت جراحا وندوبا ... تجاوز إعاقاتنا الذاتية والاختلالات المزمنة التي كلّست ممارستنا وتفكيرنا ، ونمارس - بجرأة وشجاعة كبيرتين - المبدأ الذي طالما شنف أسماعنا وفقأ عيوننا وملأ أفواهنا : النقد والنقد الذاتي ، لأنه هو الكفيل بتقويم ممارستنا وحمايتها من الانزلاقات وتصحيح أفكارنا ، وأن نجعل من منهاج : "وحدة - نقد - وحدة" ديدننا لبناء العلاقات البينية .
المطلوب التركيز على ماهو سياسي في البحث عن الحدود الدنيا في ممارساتنا (بتحديد الأهداف والوسائل) والتلاقي ميدانيا للدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم ، ودعم نضالات الجماهير وحركاتها الاحتجاجية دون تبخيس لدور أحد أو غلو في تقدير الذات ، ودون محاولة ركوب على هاته النضالات ...
المطلوب وضع مصلحة البلاد والجماهير الشعبية فوق كل اعتبار ، وتغليب هاته المصلحة يوحد ولا يفرق ويكسبنا مصداقية أمام هذه الجماهير تعود إليها بها ثقتها بالعمل السياسي وضرورته ، وبها تخوض غمار معركة التغيير الديمقراطي وتقرر مصيرها ...
أعتقد ألا مكان في مثل هكذا مبادرة ل"يسار صاحب الجلالة" ، ولا للذين اتخذوا من المخزن حسيبا ، ومن ريعه نصيبا ، ومن إغراءاته مكسبا ، ومن سياسته مذهبا ... كما لا مكان لمن تحوم حولهم الشبهات تزلفا للنظام المخزني أو استفادة من إنعاماته أو تقربا من أزلامه حتى لا تبدأ عملية إعادة تأسيس اليسار - وهي ضرورة راهنة مستعجلة وملحة - بشكل أعوج أو ملتبس !
وحتى لا تضيع منا فرصة "إصلاح ما أفسده الدهر" كما ضاعت فرص سابقة فنقعد ملومين محسورين 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *