جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الشبكات العائلية للمناصب النيابية.. كيف حوّلت الأحزاب برلمان «الشعب» إلى «فيرمات» عائلية!/احمد رضا كديرة هرب ثروة المغرب الى فرنسا

الشبكات العائلية للمناصب النيابية.. كيف حوّلت الأحزاب برلمان «الشعب» إلى «فيرمات» عائلية!

النائب أحمد رضا اكديرة
عضو بمجلس النواب خلال ولاية 1963 باسم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية.
النائب عبد الكريم اكديرة: أخ أحمد رضا اكديرة عضو بمجلس النواب خلال ولاية 1970 لا منتمي
النائب أحمد بنسالم العياشي: زوج بنت أحمد رضا اكديرة عضو بمجلس النواب خلال ولاية 1984 باسم الاتحاد الدستوري
النائب فريد شبيشب: زوج بنت أحمد رضا اكديرة عضو بمجلس النواب خلال ولاية 1984باسم الاتحاد الدستوري
النائب: محمد زيان: سابقا زوج بنت أحمد رضا اكديرة عضو بمجلس النواب خلال ولاية 1984، و1993 باسم الاتحاد الدستوري.
أحمد رضا كديرة (22 يونيو 1922، الرباط - 14 ديسمبر 1995م، باريس) سياسي مغربي ومستشار الملك الحسن الثاني، تقلد عدة مناصب وزارية.


مسيرته

ولد أحمد كديرة سنة 1922، وكان والده بقالا بالرباط، ونشأ في وقت كان فيه المغرب يعيش تحت سلطة الحماية الفرنسية. أضاف 'رضا' إلى اسمه تأثرا بالمفكر محمد رشيد رضا، ونجح بعد صعوبة بالغة في امتحانات الباكالوريا، بسبب اهتمامه بكرة السلة من خلال فريق محلي، وكانت شهادة البكالوريا من جعلته يقطع علاقته بالرياضة، فدرس سنتين في معهد الدراسات العليا المغربية بالرباط، وانتقل إلى فرنسا ليحصل هناك على شهادة الإجازة، وليلتقي كذلك بزوجته الفرنسية الذي أثرّت على اهتمامه الكبير بالثقافة الفرنسية، وقد قرّر مغادرة الحي الجامعي بباريس بعد خلافات بينه وبين الطلبة الاستقلاليين أمثال محمد الدويري.
كان يؤيد فكرة خروج فرنسا سياسيا من المغرب، وبفضل علاقته مع محمد رشيد ملين، دخل اكديرة إلى المحيط الملكي، بعد تأسيسه لحزب الأحرار المستقلين سنة 1937 وضم اكديرة إليه. عان هذا الحزب من تضييق واسع من السلطات الفرنسية، كباقي الأحزاب المغربية. وبعد عودته من فرنسا فتح مكتب محاماة بزنقة 18 يونيو بالرباط، كانت أوّل قضية يُرافع فيها هي الدفاع عن صديقه رشيد ملين أمام سلطات الحماية سنة 1952م في وقت وصلت فيه العلاقة بين فرنسا والحركة الوطنية درجة بالغة من التشنج. اختلف اكديرة مع زعماء الاستقلال، بسبب صداقته القوية بولي العهد مولاي الحسن ، هذا الأخير أحب فيه إخلاصه للملكية ومعرفته الواسعة بالثقافة الفرنسية، وكذلك مطالبته بوقف المقاومة المسلحة بعد عودة محمد الخامس، فبالنسبة لاكديرة، عودة الملك إلى شعبه تساوي الاستقلال ولا حاجة للمغرب بجيش التحرير بعد ذلك حسب المؤرخ عبد الرحيم الورديغي.

بعد الاستقلال

سنة 1955 كان ضمن الوفد المغربي في مفاوضات إيكس ليبان بقيادة مولاي الحسن. في 7 ديسمبر 1955، أثناء تشكيل الحكومة المغربية الأولى، حكومة البكاي بن مبارك الأولى، عين وزيرا للدولة للتفاوض مع الحكومة الفرنسية والإسبانية على استقلال المغرب إلى جانب ثلاثة وزراء دولة آخرين وهم عبد الرحيم بوعبيد محمد الشرقاوي وإدريس المحمدي.
استطاع الضغط على الحركة الوطنية وإخضاع جيش التحرير، وهو ما أدخله في حرب ضروس مع قيادة حزب الاستقلال، الذي كان يريد إبقاء جيش التحرير مستقلا عن أي مؤسسة. حصلت وزارة اكديرة على مساعدة مالية من فرنسا لإنشاء القوات المسلحة الملكية، واستنجد بإطارات فرنسية خبيرة لإنهاء هيمنة جيش التحرير، الذين لم يجدوا حرجا في نعته ب"رجل فرنسا الأول".
وفي حكومة بلافريج، تم تعيينه وزيرا للإعلام. كصديق لولي العهد  الحسن، استطاع لعب دورا كبير في تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية الذي اشتهر باسم «الفيديك» FDIC، والذي أسسه في 20 مارس 1963 أثناء سفر الحسن الثاني للولايات المتحدة الأمريكية، حيث عقد أحمد رضا كديرة، المدير العام للديوان الملكي، ندوة صحفية موضحا فيها أن الغاية من تأسيس هذه الجبهة هي تجنيد جميع قوى البلاد وراء الملك وصيانة الدستور وإحداث ديمقراطية حقيقة وحماية القيم والمثل العليا التي أقرها الشعب من خلال الدستور. الأمر الذي سمح لأحزاب الحركة الشعبية والأحرار وحزب الشورى، ليجعل منها مكونات سياسية في صف القصر، تقف ضد الاشتراكيين. وكان الفيديك يجسد نخبة تكنوقراطية تمثل المشروع الاستعماري الموؤود، التي وصفها المفكر محمد عابد الجابري ب " القوة الثالثة".
وفي عهد حكومة عبد الله إبراهيم، كان أحمد رضا اكديرة قد تحول إلى ديوان الأمير  الحسن ما بين 1958 و1959. واستطاع اكديرة اسقاطها من خلال تأسيس جريدة ليفار. اعتبر إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم اجهازا على آخر قلاع مقاومة مشروع القوة الثالثة، فقد تم تجنيد العناصر الليبرالية، و على رأسها أحمد رضا كديرة، الذي أشار إلى ضرورة الإبقاء على الملكية التنفيذية وتمكين الحسن الثاني من جميع السلطات. وسيعترف اكيدرة لاحقا سنة 1985 أنه تم تشكيل، برئاسة ولي العهد الحسن الثاني وعضوية آخرين، حكومة موازية للحكومة القائمة آنذاك، كان هدفها الأساسي هو إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم. اعتبر اكديرة كل الأحزاب السياسية لا تتكون إلا على أساس المصلحة والطمع في الحكم، وهي دكتاتورية أكثر ما هي ديمقراطية، معتقدا أن الملكية وجبت أن تسود مغربيا متخلفا وغير قار، وحمل مشروعه الليبرالي فكرة تقوية العلاقات مع فرنسا وأمريكا ضد النخبة الوطنية آنذاك التي كانت في غالبيتها محافظة أو اشتراكية.
في 14 فبراير 1960 شنت السلطات حملة اعتقالات في صفوف قادة المقاومة وجيش التحرير بتهمة التآمر لاغتيال ولي العهد، وكان مصدر هذا الاتهام هو مقالات جريدة لي فار، التابعة لكديرة، قدم محمد بلعربي العلوي استقالته من وزارة التاج احتجاجا على هذه الاعتقالات، وتم أرشفة القضية لانعدام الأدلة والشهود.
عن موقع ويكيبيديا


*************
كيف تحولت حياة رجال من عالم السياسة ودهاليزها الخفية إلى أثرياء، يلعبون بالأموال ويملكون ضيعات ومحلات تجارية وشققا في المغرب وخارجه، وذلك في مرحلة تاريخية عصيبة تميزت بالشد والجذب بين المعارضة وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية والتي يطلق عليها اختصارا « الفديك »، حيث طرح مشروع قانون « من أين لك هذا؟ » في برلمان 1963، وكان الغرض من ذلك محاسبة عدد من المسؤولين في الحكومة عن الخروقات التي شهدتها قطاعاتهم الوزارية، وجو الثراء والبذخ الذي أخذ يظهر على بعضهم، حيث كان أحمد رضا اكديرة وهو مدير الديوان الملكي ثم وزير التعليم والفلاحة قد حامت الشبهة حوله بعد أن اشترى مقهى كبير « كفي دولابي » في باريس، ثم منزلا لزوجته بشارع « هنري مارتان » بباريس بثمن قدره مليارين ونصف المليار سنتيم، لكن توقف مشروع المحاسبة بتوقف البرلمان عن العمل لخمس سنوات على إثر الإعلان عن حالة الاستثناء، وظلت كرة الثلج تكبر إلى أن تفاجأ الملك الراحل الحسن الثاني بالثروة الكبيرة التي راكمها اكديرة، وذلك بعد موته، حيث انفجر الصراع بين ورثة اكديرة وشريك هذا الأخير مارسيانو، واتضح أن أغلب ممتلكاته مهربة خارج المغرب، وتقدر بملايير السنتيمات، فكيف تحول مستشار الملك وأحد ثقاته والوزير الذي تقلب في عدة قطاعات إلى رجل ثري؟rida gdira
تعود قصة أحمد رضا اكديرة حسب ما رواه مصدر مطلع إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت أمه فاطمة بوعلة وأبوه التهامي فقيرين معدمين، واضطرت أمه للعمل خادمة في بيت عائلة ملين، وفي كل صباح تصطحب ابنها معها وهو لم يتجاوز سن الثامنة من عمره، فطلبت منها أم رشيد ملين أن تتركه في البيت عوض اصطحابه كل مساء ليعيش رفقة ابنها رشيد، وهكذا وجد اكديرة نفسه في عالم جديد، يعيش حياة مرفهة عن السابق، وعملت عائلة ملين على تعليم أحمد رضا إلى أن اشتد عوده، وفي إحدى الأيام ألقى رشيد ملين خطابا ناريا وسط الطلبة يدعو إلى عودة الأسرة الملكية من المنفى، فعينه الملك الراحل محمد الخامس بعد عودته سنة 1953 مديرا على المطبعة الملكية بتواركة، فجاء بأحمد رضا اكديرة وهو في ريعان شبابه للعمل في المطبعة، وهناك توثقت صلته بولي العهد مولاي الحسن وجمعتهما الصداقة، وكانا يقضيان وقتهما الثالث خارج أسوار القصر الملكي، وذكر المصدر أن ولي العهد شوهد في تلك الفترة يلاعب اكديرة لعبة البلياردو، والورق في إحدى المقاهي الشعبية بحي اليوسفية القريب من أسوار القصر الملكي، ولما تربع ولي العهد على العرش في سنة 1961، أصبح اكديرة مديرا للديوان الملكي ثم وزيرا للتعليم والفلاحة وظل مستشارا للملك بعد ذلك لفترة طويلة، حيث اجتمع بين يديه النفوذ والثروة، وفي آخر أيامه بدأ بتحويل ممتلكاته إلى فرنسا على يد صديقه الموثق مارسيانو، وهو ما تفاجأ له الراحل الحسن الثاني عندما أخبروه أن اكديرة على فراش الموت، فأراد معايدته في القصر الذي أهداه له بحي الأميرات لكن أخبروه أنه باع القصر للمعطي بوعبيد، وتوجه الموكب إلى حي للطبقة المتوسطة بتمارة، فوجد الملك صديقه في حالة يرثى لها في حجرة فقيرة الأثاث، وعندما سأل عن أمواله، أخبروه أنه حول أغلب ممتلكاته إلى فرنسا، لكن الموت لم يمهل اكديرة ليلفظ أنفاسه في مصحة خاصة بفرنسا، وينقل إلى المغرب ليدفن في هدوء وبدون أن يخصص له موكب رسمي.
عن موقع الهدهد
*********

أحمد رضا اكديرة.. الحياة المثيرة لصديق الحسن الثاني....


«آخر لقاء له مع الحسن الثاني كان عندما زاره في غرفة صغيرة لا تتوفر على أثاث، وكأن الجالس فيها مريض من الدرجة الخامسة. لكن الأمر هنا يتعلق بالمستشار الملكي «السابق» أحمد رضا اكديرة. يقال إن أعداءه فرحوا لأنه مات قبل أن يستطيع كتابة مذكراته، بينما تأسف الآخرون على رحيله الباهت عن الحياة بفرنسا، حيث عاد إلى المغرب في طائرة عادية ونعش بسيط لم يكن في استقباله أحد».
اكديرة.. عدو الأحزاب المغربية
بشكل يتنافى مع الرجل الليبرالي الذي حرص أن يبدو به أمام الناس، لم يفلح أحمد رضا اكديرة في إخفاء كرهه للأحزاب المغربية في السنوات الأولى لما بعد الاستقلال. لكن صراعه مع حزب الاستقلال بدأ في حلبة الحكومة وليس خارجها. صديق مولاي الحسن، عينه محمد الخامس وزيرا للدفاع الوطني، وهكذا وجد نفسه أكثر قوة ليضغط من موقع المسؤولية الجديد على الحركة الوطنية، وهو ما أدخله في حرب ضروس مع قيادة حزب الاستقلال. وفي حكومة بلافريج، سيجد اكديرة نفسه وزيرا للإعلام وسيضغط مجددا من موقعه. أمسك هذا كله بيد، بينما اليد الأخرى حرك بها، من موقعه كصديق للملك يهابه الجميع، بركة السياسة التي كانت شديدة الغليان. حيث لعب دورا كبيرا في صناعة «الفديك» وهو ما سمح لأحزاب الحركة الشعبية والأحرار وحزب الشورى، ليجعل منها مكونات سياسية في صف القصر، تقف ضد الاشتراكيين. وفي عهد حكومة عبد الله ابراهيم، كان أحمد رضا اكديرة قد تحول إلى ديوان الأمير مولاي الحسن ما بين 1958 و1959.


اكديرة.. رجل الأسرار الذي لم يكتب مذكراته
واحد من أكثر الأسماء إثارة للجدل. ليس في عالم السياسة والعلاقة مع الملك الراحل الحسن الثاني فحسب، وإنما أيضا على مستوى قصة صعدوه وهبوطه الغريبة. فبعد أن وصل إلى المربع المحيط بالملك، وجد نفسه في آخر أيام حياته معزولا تماما، تخللت حياته إلى جانب الملك أزمات وانفراجات.
بدايته كانت عندما أنهى دراسته بفرنسا وعاد إلى المغرب ليفتح مكتبا للمحاماة بزنقة 18 يونيو بالرباط، أما أول قضية وضعت فوق مكتب المحامي الشاب الذي سرعان ما سيترقى، فتتعلق بأحد أصدقائه، واسمه رشيد ملين، حيث دافع اكديرة عن صديقه ضد سلطات الحماية.
لبداية التي خطها اكديرة لنفسه، لا تختلف كثيرا عن بداية عدد كبير من المغاربة الشباب الذين عادوا من فرنسا للعمل في بلدهم المغرب، في الفترة التي تزامنت مع عودة الملك محمد الخامس من المنفى. وأغلب الذين عادوا في ذلك الوقت، اشتغلوا في صفوف حزب الاستقلال وتأثروا بزعيمهم علال الفاسي، أو المهدي بن بركة. اكديرة كان يختلف عنهم جميعا، وكان أكثر «تقدما» وبدا ذلك من خلال فكر جريء كان يدعو له في ذلك الوقت. إذ أن اكديرة كان ضد عمل الحركة الوطنية بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى، وكان يرى أن عودة الملك من المنفى انتصار للمغرب، واستقلال له عن فرنسا ولا حاجة لأحد بحمل السلاح. راج كلام كثير في صالونات مدينة الرباط وجلسات سياسييها، مفاده أن الشاب اكديرة صديق لولي العهد الذي سيصبح ملكا بعد ذلك بسنوات قليلة فقط.
علاقة اكديرة بولي العهد، وليبراليته التي رأى الكثيرون أنه يبالغ فيها، جعلت مساره يختلف كثيرا عن مسار رجل آخر هو عبد الرحيم بوعبيد. فكلاهما بدأ محاميا في المغرب، إلا أن المهنة لم تكن كافية لتجمع بينهما، حيث اتخذ كل واحد منهما مكانا قصيا عن الآخر، وبما أن بوعبيد دخل في خانة غير المرغوب فيهم، فإن اكديرة لعب على حبال أخرى، وظل مقربا من القصر. والمثير في مقارنة بوعبيد واكديرة، أن الرجلين قاما بأمور مشتركة من قبيل التأثر بالإعلام الفرنسي، إلا أن اشتغال بوعبيد في خندق قريب من التمرد على السلطات الفرنسية، جعل اكديرة يفوز بنقاط كثيرة من النفوذ، لتوصله ليبراليته التي تخفي بين ثناياها دكتاتورية من نوع آخر، إلى سدة الحكم.
البداية، كانت عندما كانت قيادة حزب الاستقلال تتلقى مضايقات كثيرة من طرف القوات الفرنسية، لأن شكوكا كثيرة كانت تحوم حول عدد كبير من الأسماء السياسية التي كانت تربط بالفعل علاقات مع الوطنيين الذين كانوا يشنون هجمات على المصالح الفرنسية في المغرب، خصوصا في مدينة الدار البيضاء.
وعبد الرحيم بوعبيد كان محاميا، وعضوا في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، كان هذا سنة 1949. بعدها بعام فقط، وفي بداية الخمسينات دائما، كان بوعبيد على رأس جريدة أسبوعية، ناطقة بلسان حال الحزب، باللغة الفرنسية، وكانت تحمل اسم «الاستقلال» كناية مباشرة عن حزب الاستقلال. في 1952، عرف المغرب إضرابا عامّا تضامنا مع الطبقة العاملة بتونس، حيث كان الشارع التونسي يشهد غليانا غير مسبوق في تاريخه، على خلفية اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد. في المغرب، كانت الأحداث دامية جدا، وكان مصير بوعبيد أن نال عقابا على أنشطته، بينما كان أحمد رضا اكديرة يلعب على مستوى آخر، جعل فرنسا تنتبه إلى أن المحامي الشاب الذي عاد من أرضها بلباس المحاماة، يصلح أن يكون سياسيا لا يشق له غبار. لكن المواجهة بين بوعبيد وأحمد رضا اكديرة، وفق مصدر عاش تلك الأحداث وراقبها عن قرب بحكم علاقة قديمة جمعته ببوعبيد، بلغت أوجها عندما لوح الأخير باستقالته من حكومة بلافريج، وألقى خطابا أمام حشد من أنصاره بالدار البيضاء، قال فيه إن هناك جهات خفية تحاول السيطرة على البلاد، لتعم الهمهمات بين صفوف الحاضرين، في تساؤل عن هوية تلك الأطراف. لكن الكثيرين فطنوا إلى أن المقصود بذلك الكلام ليس إلا أحمد رضا اكديرة.
صديق الملك الذي يهابه القادة السياسيون
التاريخ مر كالعلقم، خصوصا في مثل هذه المراحل التي أحاط بها الضباب. لا تخطئ العين خوفا من أحمد رضا اكديرة بين سطور مذكرات المحجوبي أحرضان بمختلف أجزائها، وليس أحرضان وحده من كان يخشى اكديرة في مواجهاته مع السياسيين، بل حتى الاستقلالي علال الفاسي. فقد كان الجميع يعلم أن اكديرة صديق الأمير الذي سيصبح ملكا.
وبطبيعة الحال، فإن علاقة اكديرة بأوفقير والدليمي وغيرهما من الأسماء العسكرية، لم تكن على ما يرام، خصوصا وأن الجهاز العسكري كان يشد طرف بساط السلطة في كثير من المراحل.
وعودة إلى عالم السياسة، فإن الخوف من اكديرة لم يكن حبيس سطور أحرضان وحدها في كثير من المقاطع التي لا يتسع المجال هنا لذكرها جميعا. لكن بعض الخوف من اكديرة بدا واضحا في سطور كثيرة من أجزاء كتب أحرضان، عندما كان يتحدث مثلا عن الحزازات السياسية وظروف تأسيس حزب الحركة الشعبية وجس النبض الذي يوحي بأن اكديرة كان يقام له ويقعد، ورد فعله تجاه الأحزاب المغربية من شأنه أن يغير التاريخ.
ولتعزيز الخوف الحزبي من صديق الملك، بعد وفاة والده الراحل محمد الخامس، فإن مذكرات عبد الرحيم بوعبيد نفسها تفضح ذلك الخوف. فبوعبيد تحدث في مذكراته وكتاباته عن كواليس لقاء علال الفاسي وإجباره جريدة العلم، لسان حزب الاستقلال، على مديح اكديرة كلما قام بخطوة كيفما كانت. هذا المقطع من مذكراته يتحدث عن علاقة علال الفاسي باكديرة: «الشيء المثير، والمحزن نوعا ما هو رؤية قادة حزب الاستقلال يتخلون عن أي موقف ينم عن الحد الأدنى من الكرامة أمام سيد اللعبة الجديد ممثلا في اكديرة، الذي لم يكن يدع أي فرصة تمر دون تحسيسهم بذلك. وقد كانوا جميعهم، بدون استثناء، رهن أوامره، بل حتى علال الفاسي نفسه، بكل ماضيه ورهافة حساسيته، كان مجبرا في صحافة حزبه على مديح الذكاء السياسي لمدير ديوان الأمير، وقيل إنه كان أحيانا، ينتظر ساعتين قبل أن يحظى بلقاء أكديرة.
لقد تأثر الاستقلال تأثرا عميقا جدا بانشقاق 1959، ذلك الانشقاق الذي يتحمل فيه مسؤولية كبيرة، وقد تسبب ظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ودينامية مناضليه، المدعومين من طرف الأغلبية الكبيرة من الجماهير الشعبية المسيسة في إثارة مخاوفه، فكان تفوق العداء والحقد الأعمى على كل الاعتبارات، فأصبح التحالف مع المستقلين (الأحرار) والحركة الشعبية، حزب الدستور الديمقراطي (الحزب الذي أسسه محمد بلحسن الوزاني، بعد حل الشورى والاستقلال، وقد اختفى الحزب الثاني قبل وفاة مؤسسه)، وكل الاتجاهات التي لم يفتأ يرفضها، هو استراتيجيته المفضلة، معتقدا أنه يمكن التحكم فيها. هذه الاستراتيجية الفريدة من نوعها، التي لم تكن أكثر من مجرد وهم، كانت تقدم لمناضليه أو للعاطفين عليه بمثابة تجديد للعهد بين محمد الخامس وحزب الاستقلال، كما في سنوات 1944-1955، وكان يقول بدون اقناع طبعا، بأنه يقبل التواجد في هذا التحالف الجديد من أجل إقرار مؤسسات ديمقراطية».
صديق الحسن الثاني.. نسي المحاماة واقتحم عالم المال والأعمال
أحمد رضا اكديرة لم يعد يصلح للمحاماة على كل حال. فانشغالات ديوان الأمير الذي فوض إليه الملك الأب صلاحيات كثيرة، جعلته ينسى مكتبه بزنقة 18 يونيو، ويصبح رجلا باهتمامات أخرى، جعلته يؤسس جريدة اسمها «ليفار»، يهاجم فيها الاشتراكيين وينتقدهم انتقادات لاذعة. ووظف اكديرة جريدته في حربه ضد الأحزاب المغربية، حتى أنها في نهاية الخمسينات، نشرت خبرا مفاده أن بعض الاشتراكيين يخططون لتصفية قادة في حزب الاستقلال.
بعد ذلك بسنوات قليلة، أي في سنة 1961 سيصبح أحمد رضا اكديرة أكثر قوة عندما سيصبح مولاي الحسن ملكا، ويصبح اكديرة بذلك أكثر قربا من الملك الجديد.. الحسن الثاني.
ازدادت حظوة اكديرة، ولكن ما لا يعلمه الكثيرون عنه، أن انشغاله بالمال والأعمال بدأ بالضبط عندما أصبح أكثر قربا من الحسن الثاني سواء في ملكه أو عندما كان وليا للعهد.
بالرجوع إلى التاريخ الاقتصادي للمغرب، والمراحل الكثيرة التي قطعها منذ عودة الملك محمد الخامس من المنفى، بدا دور اكديرة واضحا في التصاميم الثلاثية والخماسية التي كانت تؤطر الاقتصاد الوطني. قبل أن يتم اعتماد نظام إعداد التراب الوطني سنة 1967. بهذا الخصوص يقول لحسن بروكسي، الحاصل على الدكتوراه في إعداد التراب والجهوية من جامعة ليون الفرنسية، والذي تقلب في مناصب عديدة، إن السياسة الاقتصادية التي اعتمدها أحمد رضا اكديرة من موقع قربه من الملك الحسن الثاني، كانت تتمثل في مراعاة تركز الأموال، أي أن تلك التصاميم (الخماسية والثلاثية) كانت تعتمد مراعاة استثمارات الدولة فقط ولا تهتم بالقطاع الخاص. حسب بروكسي دائما، فإن أحمد رضا اكديرة لعب دورا كبيرا في ذلك التقسيم قبل أن يتم تدارك ضرورة إدماج التصميم الذي كانت تنهجه الدولة، مع التوزيع الترابي للبلاد.
الأمر كان شبيها، في عهد اكديرة، بخارطة الطريق التي رسمت معالم التوزيع الترابي وتقسيم الجهات، وهي السياسة التي دخل فيها المغرب خلال السبعينات، لكن بصمته كانت أكثر حضورا خلال الستينات، حيث ساهم اكديرة بشكل كبير في رسم معالم اقتصاد وطني يقوم على تركز رؤوس الأموال في الدار البيضاء والرباط، وظهرت أسماء كثيرة وصلت إلى أعلى درجات الاغتناء والألق المالي، في مقابل مغرب فقير تعيش أغلب مدنه على ضعف البنيات التحتية، وأغلب أسره تحت خط الفقر.
في تلك الفترة كان اكديرة يحتفظ لنفسه بمكان في لائحة أكثر الأسماء نفوذا في المملكة، قبل أن تأتي سنة 1965، وتشكل منعطفا حاسما في حياته إلى جانب الملك.
حالة الاستثناء وسر العداوة مع أوفقير
الذين عرفوا أحمد رضا اكديرة، يقولون إنه رجل ليبرالي مقبل على الحياة. لكن ليبراليته كانت عجيبة، لأنها كانت ضد الأحزاب المغربية. ليبرالية لدى اكديرة، من نوع آخر هذه المرة، كلفته غاليا، وجعلته خارج دائرة المرغوب فيهم بجوار الملك الحسن الثاني.
عندما غضب الملك سنة 1965 من مؤسسات الدولة، وألقى خطابا بلهجة قوية غاضبة، وصف فيه رجال التعليم بأشباه المثقفين، نظرا للدور الذي لعبته المؤسسات التعليمية في تأجيج الشارع المغربي والنزول في المظاهرات التي نددت بتردي الأوضاع المعيشية، كما أن البرلمان المغربي كان يشهد غليانا كبيرا في ذلك الوقت.. كل هذه أمور جعلت خطاب الملك غير مسبوق، ورأى المغاربة ملكا غاضبا، قرر أن يغلق مؤسسات الدولة ويحل البرلمان المغربي، رغم أنه لم تمض إلا شهور قليلة على آخر انتخابات، وقبلها بفترة تم التصويت على دستور للبلاد. هكذا قرر الملك أن يجمع كل شيء، ويحل البرلمان، لأنه رأى ألا دور له، ويحل الحكومة أيضا ويمنع عمل الأحزاب المغربية التي بقي جلها صامتا أمام قرار الملك.
أين رضا اكديرة في هذا المشهد؟ لقد كان اكديرة وقتها بعيدا نسبيا عن المشهد، بعد أن قدم استقالته من حكومة باحنيني سنة 1965 احتجاجا على ما عرف وقتها بمحاكمة الوزراء المرتشين. وكان اكديرة، حسب مصدر عاش الحدث، قد طلب من محمد زيان، أن يترافع في قضية أولئك الوزراء، وهو ما أكده زيان في أحد الحوارات الصحفية، ليبدو كيف أن اكديرة كان مستميتا في موقفه من محاكمة أولئك الوزراء في محاكم خاصة. لكن الأمر سيزداد سوء بالنسبة لاكديرة، بوصول حالة الاستثناء أسابيع قليلة بعد أن أعلن استقالته من الحكومة المغربية. أبدى «صديق الملك» معارضته الصريحة لسياسة الملك الجديدة، وهو ما كلفه قربه من الملك، ووجد اكديرة نفسه بعيدا عن القصر أكثر من أي وقت مضى، منذ أن أصبح قريبا منه.
هنا طفت على السطح آثار للمواجهة بينه وبين الجهاز العسكري، إذ أن اكديرة، وجد في حالة الاستثناء، انتصارا كبيرا للجنرال أوفقير، حيث أصبحت البلاد بالنسبة له أشبه بدكتاتورية كبيرة يترأسها العسكر رغم وجود الملك. هذا ما أسر به لنا مصدر قريب من اكديرة قيد حياته، إذ أنه عاش أياما عصيبة منذ منتصف الستينات، وبلغت أوجها في يونيو 1965 عندما أعلنت حالة الاستثناء. إلا أن عداوة اكديرة لأوفقير لم تكن خفية على الكثيرين، وظهرت جلية في موقفه عندما اتهم أوفقير بشكل واضح بالتورط في مؤامرة 1963.
ظل اكديرة بعيدا عن الأضواء، حتى بعد الانقلابين الفاشلين على الملك بين سنتي 1971 و1972، وكان على اكديرة أن ينتظر سنة 1977 ليعود إلى أحضان القصر، ويعينه الملك الراحل مستشارا له. في تلك الفترة كان المغرب يعرف استقرارا سياسيا وعسكريا، بعد أن زال الجنرال أوفقير من خارطة المشهد السياسي للبلاد، وأصبح الحسن الثاني يتحكم في الأمور من وزارة الداخلية التي كانت على اتصال مباشر مع ديوانه، ممثلا في رجال ثقات، بينما بقي الجنرال الدليمي، منشغلا بملف الصحراء، ليصبح عمله، عسكريا خالصا.
كيف عاد اكديرة مستشارا للملك
هنا وجد اكديرة الفرصة سانحة للعودة إلى جانب الملك، وهو ما قام به الحسن الثاني عندما نادى اكديرة ليعلن تنصيبه مستشارا ملكيا في تلك السنة. ويصبح للرجل أدوار أخرى، أهمها موقفه في قضية الصحراء، والصراعات التي مر بها المغرب في تلك القضية. خصوصا وأن اكديرة، كان يذهب مع الطرح المفضي إلى المفاوضات مع جبهة بوليساريو الانفصالية، وهو ما لم يقبله الملك الراحل.
موقف اكديرة هذا، جر عليه انتقادات كثيرة، انضاف إليها ضعفه في الساحة السياسية، إذ أن الأحزاب التي رعاها اكديرة في الستينات عندما كان يشتغل في المجال السياسي من بوابة قربه من الملك، أصبحت أحزابا ضعيفة مقارنة مع شراسة المعارضة ممثلة في الاتحاد الاشتراكي. ولأن اكديرة يصر دائما على أنه ليبرالي، فقد لعب أدوارا كبيرة في السياسة الخارجية للبلاد، وأصبح يهندس ملفات ثقيلة، من موقعه كمستشار للحسن الثاني، ليصبح واحدا من المؤثرين في قضايا دولية حضر فيها المغرب بقوة.
لكن المكانة الدبلوماسية لاكديرة، واجهها ضعف سياسي كبير، تمثل في عدم قدرة مستشار الملك، على التأثير في المشهد الحزبي بالمغرب. ويقال إن اكديرة لعب دورا كبيرا في تأسيس حزب الاتحاد الدستوري، لكنه فشل فشلا ذريعا في مواجهة التحولات السياسية، ليختار في النهاية التوقف عن العمل نهائيا سنة 1994. لكن المنصب الذي كان يشغله اكديرة، والملفات التي كرت على يديه طوال سنوات اشتغاله إلى جانب الملك منذ أن كان وليا للعهد، جعلت منه موظفا غير عادي ينال تقاعدا غير عادي أيضا.
حسب مصادر مقربة من اكديرة، فإن أحد أكبر أسباب انسحابه من دائرة الحكم، يتمثل في إدريس البصري، وزير الداخلية القوي. إذ أن اكديرة وجد نفسه أمام رجل نافذ مقرب من الملك أكثر من أي رجل مر في مراكز المسؤولية في مغرب الحسن الثاني. بعد أن ظن اكديرة أن رحيل الجنرال أوفقير نهاية لوجود الرجال الأقوياء الذين من شأنهم منافسته ومنافسة رؤيته الليبرالية للأمور، قفز له إدريس البصري كوزير للداخلية وحامل لسر الحسن الثاني، يؤثر في أغلب قادة الأحزاب ويعلم عنهم كل صغيرة وكبيرة.. وهو ما كان يجعل اكديرة يبدو ضعيفا وأقل نفوذا أمام البصري.
في مذكرات المحجوبي أحرضان، يروي كيف أن اكديرة ضاق ذرعا بإدريس البصري، وأراد أن يكيد له بمحضر الملك الحسن الثاني. بينما كان إدريس البصري واقفا خلف الملك الراحل، همس اكديرة، المستشار، للملك قائلا إن البصري أصبح أكثر نفوذا وقوة من الجنرال أوفقير. وكأن اكديرة هنا يريد أن يقول للحسن الثاني إن إدريس البصري يمكن أن يكون قصة أخرى شبيهة للتراجيديا التي تسبب فيها أوفقير والتي كادت أن تعصف بحياة الملك. لكن الحسن الثاني تدخل فورا ليضع حدا فاصلا بين اكديرة والبصري، عندما أجاب اكديرة بالقول إن البصري يختلف تماما عن أوفقير.
الملعب لم يعد خاليا أمام اكديرة كما ألفه، لذلك وجد نفسه مرغما على المغادرة نهائيا بعد أن تغيرت قواعد كثيرة في معادلة اللعبة السياسية بالمغرب. وظل بعيدا عن الأضواء إلى أن توفي في فرنسا، وينقل جثمانه إلى المغرب. لكن أكثر ما يأسف عليه البعض، ويفرح له الكثيرون أن أحمد رضا كديرة لم يكتب مذكراته.
هذا سر غضبة الملك الأخيرة على اكديرة ونهايته الباهتة
يعلم الجميع أن أحمد رضا اكديرة كان صديقا للملك الحسن الثاني، لكن الأذكياء وحدهم يعلمون أن الصداقة تنتفي في عالم الملوك. إذا كان الناس يعلمون، نسبيا، كيف بدأ اكديرة حياته من محام شاب إلى أن شارك في الحكم بالمغرب، فإنهم لا يعلمون، بالتأكيد، كيف انتهى.
قبل نهاية التسعينات بقليل، كان اكديرة قد قرر التوقف نهائيا عن العمل، واعتزل كل شيء سنة 1994. وعندما كان في صراعه مع المرض، بلغ الأمر إلى الملك الحسن الثاني. أراد الملك أن يرى ما تبقى من اكديرة، وغضب كثيرا، عندما اكتشف أن مستشاره لم يعد يقطن بإقامته بالرباط، فبينما كانت سيارة الملك متوجهة إلى حيث يقطن اكديرة، اكتشف الملك أن السيارة تتجه في طريق نحو مغادرة الرباط، ليسأل مرافقيه ويشرحوا له أن اكديرة لم يعد يقطن بالرباط. ويكتشف أنه يقطن ذلك الوقت في إقامة متواضعة، خالية من الأثاث، كما أسر لنا أحد الذين زاروه في أيامه الأخيرة بالمغرب، حيث لم تكن غرفته تتوفر إلا على سرير بسيط وكرسيين للزوار.
قيل للملك بواسطة مرافقيه إن اكديرة يقطن في ذلك المكان تمهيدا لرحيله النهائي عن المغرب، ليتابع علاجه في فرنسا ويستقر بها. وأنه يمهد وقتها لنقل أملاكه وأمواله إلى فرنسا. نفس المصدر أسر لنا أن اكديرة تعرض لعملية نصب كبيرة، على يد واحد من الذين أوكلت إليهم عملية نقل ثروته إلى فرنسا، حيث شابت العملية بعض التلاعبات في بيع العقارات التي كان يتوفر عليها اكديرة، ولم ينقل منها إلا النزر القليل إلى فرنسا.
لما علم الملك الراحل الحسن الثاني بما كان ينوي اكديرة القيام به وهو على فراش مرضه بالمغرب، لم يستسغ أن ينقل مستشاره القديم أملاكه إلى خارج البلاد، خصوصا أن الملك الحسن الثاني كان أيضا يعيش أيامه الأخيرة، وأن المشهد السياسي قد شهد تحولات أخرى سمحت لـعبد الرحمن اليوسفي بأن يكون على رأس حكومة التناوب.
الفعل الذي أقدم عليه اكديرة في أيامه الأخيرة أثر سلبا على علاقته بالملك، وهو ما جعل موته بفرنسا لا يحظى بمتابعة مغربية تليق بمقام رجل اشتغل إلى جانب الملك عقودا طويلة، وينتهي منقولا في نعش خشبي مغلق، إلى المغرب، كأي مواطن عادي مات خارج أرض الوطن.
النعش الذي جاء فيه اكديرة إلى المغرب، يحمل إلى اليوم أسرارا كثيرة دفنت مع الرجل الذي كان يتحكم في أكثر دواليب الدولة حساسية، وحتى لو عصفت به ضغوط السياسة وتوازناتها التي شهدت اختلالات كثيرة عبر الزمن، إلا أنه كان يحسن رحلة العودة إلى المناصب القوية. الليبرالي الجريء وجد نفسه، في آخر عودة له إلى المغرب ميتا، أمام ذكرى رجل آخر لم تكن في المستوى الذي كان يتخيله لنفسه قيد حياته.
حتى الذين كانوا قريبين منه، لم يشغلهم موته كثيرا، وهكذا أسدل الستار على حياة واحد من أكثر الرجال قربا من الملك الحسن الثاني، كان أغلب السياسيين يلقبونه بصديق الملك.
لكن قبل ذلك، وحتى لا نبدأ من النهاية وحدها، فإن حياة اكديرة تستحق أن تكتب لأنه كان حاضرا في جوانب كثيرة من الأحداث التي صنعت الحاضر الذي نعيشه اليوم بالمغرب. وبين رجال النظام الأقوياء، وجد اكديرة لنفسه موطئ قدم إلى جانب الملك كسياسي أولا، ثم كمثير للمشاكل في أحيان كثيرة، كلفته منصبه، لكنه عاد بقوة سنة 1977 بمنصب مستشار للملك الحسن الثاني. لعبة صناعة الأحزاب بالمغرب كانت تخصصا لاكديرة، لكنه لم يلعبها بمهارة في الثمانينات والتسعينات، وفهم الجميع أن الرجل إما فقد خفته التي عرف بها، أو أن الساحة لم تعد تستوعبه، خصوصا بظهور رجل آخر هو إدريس البصري.
ابتعد اكديرة في 1994، وانتهى كما ذكرنا أعلاه.. وبين البداية والنهاية، تكمن ملامح رجل حار الكثيرون في تصنيفه صديقا للملك أو ليبراليا بمواقف جريئة، أو حتى باحثا عن مصالح وسط بلد من التقلبات.
عن موقع الشروق نيوز 24

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *