الشروط التاريخية لظهور "السترة الصفراء"الرفيق الحسين العنايات
الشروط التاريخية لظهور "السترة الصفراء"
8 مايو 1968 يؤرخ لتاريخ انتفاضة ثقافية واجتماعية قادها طلبة وتلاميذ فرنسا بتلاحم مع الطبقة العاملة في الوحدات الصناعية الكبرى.
عرف مايو 1968 إضرابات عامة لم يسبق أن شاهدتها فرنسا، ما جعل الرئيس شارل ديكول يخرج من قصر "الإليزي" ومن باريس بدون علم من حكومة "مومبيدو" والتجأ الى مكان سري، تحكي بعض المصادر التاريخية أنه اختلى ببعض قيادات الجيش للنظر في كيفية حماية حكمه من ثورة قادمة.
كان الحزب الشيوعي اقوى قوة معارضة يسارية منظمة وله انغراس كبير وسط الطبقة العاملة ما جعله يهيمن على القيادات الوطنية والجهوية لأكبر نقابة بفرنسا "س ج ت".
لكن الحزب فاجأته انتفاضة الحركة الطلابية والتحامها مع الطبقة العاملة ما جعله يحتاط منها ولم يتجرأ على التفاعل الإيجابي معها عكس ما فعله العديد من المثقفين المشهورين الذين كانوا في السابق إما منخرطين أو مقربين من الحزب الشيوعي.
انتهز رئيس الوزراء "مومبدو" هذا الموقف المتدبدب للحزب الشيوعي ودعا الى حوار مع النقابات والباطرونا حول القضايا الاجتماعية وحصلت الاتفاقيات المشهورة المسماة "اتفاقيات كرونيل ليومي 25 و 26 مايو" التي نصت على الزيادة في الحد الأدنى للأجور ب 35 بالمائة والزيادة في الأجور بمعدل 10 بالمائة. هذه الاتفاقية عزلت الحركة الطلابية والتلاميذية عن الطبقة العاملة التي التحقت بالمعامل وغادرت محاضرات جامعة السوربون حول "الحلم بعالم التآخي بين الناس الاحرار نساء ورجالا".
بعدها قام شارل ديكول بحل البرلمان المنتخب قبل سنة فقط، في مارس 1967 . وعرفت المشاركة في الانتخابات التشريعية ل30 يونيو 1968 ما يفوق 78 بالمائة وكانت النتائج كارثية بالنسبة للحزب الشيوعي حيث فقد 39 مقعدا مقارنة مع النتيجة التي حصل عليها قبل سنة في مارس 1967 . كما حصل حزب شارل ديكول على الأغلبية المطلقة وسيطر مجموع أحزاب اليمين على البرلمان بكيفية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجمهورية الفرنسية.
إضافة الى هذا الخطأ الفادح في التقدير السياسي للحزب الشيوعي سينضاف خطأ اخر سيشكل وبالا على الحزب، ابعد عنه جل المثقفين الفرنسيين المرموقين وجل الشباب الفرنسي الذي اصبح مطبوعا بالثقافة التحررية لانتفاضة مايو، ويتعلق الامر بدعمه المخزي لدخول قوات الجيش السوفياتي في "براغ" عاصمة تشيكوسلوفاكيا فيما يسمى ب "ربيع براغ" شهرين فقط بعد انتفاضة 68 (غشت 1968 ) للإطاحة برئيس الحزب الشيوعي هناك "دوبتشيك" تحت إمرة الارستوقراطي "برجنيف" الذي سيطر على الحزب البلشفي "للينين".
بعد مايو 1968 تأسست بفرنسا تنظيمات ماركسية متعددة ماوية وتروتسكية لكن لم يكن لها نفوذ ولا إضافة تذكر في المجال السياسي الا فيما يتعلق بتشويه صورة الحزب الشيوعي والابداع في التناحر فيما بين فرقها اللامتناهية .
هذا الوضع نتج عنه نفور من العمل السياسي المنظم وأصبح الاهتمام بالسياسة لا يظهر الا في مناسبة الانتخابات من هنا سطع نجم الحزب الاشتراكي الذي يتمتع بليونة تنظيمية وبحضور دائم على وسائل الاعلام لكونه لا يشك في أسس النظام الرأسمالي.
سنة 1972 وضع الحزبان الشيوعي والاشتراكي "برنامج مشترك" من 110 نقط برنامجية تقدم "متيران" على أساسها الى الانتخابات وكاد ان يفوز. في الثمانينات تغير الوضع العالمي حيث عرف هجوم الليبرالية المتوحشة (تاتشر بانجلترا و ريكان بالولايات المتحدة) واصبح للطبقات الوسطى دور حامل لهذا المشروع الجديد ومن تم أصبحت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية مطلوبة للقيام بالادوار الجديدة الموكولة لانتشار الرأسمال المالي.
اعتمادا على الشعبية التي حصل عليها "متران" من جراء تحالفه في الانتخابات الرئاسية 1974 مع الحزب الشيوعي، في سنة 1981 تخلى عن تحالفه مع الشيوعيين وتقدم باسم حزبه الحزب الاشتراكي معتمدا (وبانتهازية) ما كان يسمى ب"البرنامج" المشترك" وفاز بانتخابات 1981 . دخل متران في البرنامج الجديد للعمولة وقوض جميع المرافق (المناجم، الصلب ... بشمال فرنسا) التي خاضت نضالات تاريخية بقيادة الحزب الشيوعي الفرنسي.
مع مرور السنين أصبحت الابناك وشركات الودائع المنقولة هي التي تسير حكومات ولجنة الاتحاد الأوروبي وأصبحت برامج أحزاب اليمين والحزب الاشتراكي تتشابه (الحاج موسى، موسى الحاج) ما جعل أطياف واسعة تتخلى عن الاهتمام بالعمل السياسي ومنها فئات واسعة من العمال والطبقات الوسطى المتضررة من العمولة التي تبجحت "العالمية الاشتراكية" بالعمل الحثيث من أجل "أنسنتها".
نظرا لغياب معارضة منظمة وفاعلة في مواجهة الجشع الرأسمالي ولضعف التأطير النقابي ظهرت حركة اليمين "المنغلق" (لا أفضل استعمال تسمية "اليمين المتطرف") التي تلعب على العواطف و تبرز ظاهر الاشياء وتخفي مسبباتها الحقيقية نظرا لتشبعها بالقيم الراسمالية وكرهها للاشتراكية.
هذا الوضع معمم في دول أوروبا بكاملها. فئات واسعة من المواطنات والمواطنين تستنزفهم الرأسمالية لكنهم لا يتوفرون على أدوات سياسية تقوي عزيمتهم في مواجهتها والاطاحة بها.
ف "السترة الصفراء" بفرنسا هي نتيجة لهذا التطور التاريخي وهي حركة شعبية مطالبها تضعف الجشع الرأسمالي لكن بوصلتها السياسية غير مستقرة على اتجاه معين، فالفاعل فيها هو من يمكن ان يوجهها... ربما سيكون هو "ماكرون" كما حصل ل"ديكول" مع مايو 1968 .
8 مايو 1968 يؤرخ لتاريخ انتفاضة ثقافية واجتماعية قادها طلبة وتلاميذ فرنسا بتلاحم مع الطبقة العاملة في الوحدات الصناعية الكبرى.
عرف مايو 1968 إضرابات عامة لم يسبق أن شاهدتها فرنسا، ما جعل الرئيس شارل ديكول يخرج من قصر "الإليزي" ومن باريس بدون علم من حكومة "مومبيدو" والتجأ الى مكان سري، تحكي بعض المصادر التاريخية أنه اختلى ببعض قيادات الجيش للنظر في كيفية حماية حكمه من ثورة قادمة.
كان الحزب الشيوعي اقوى قوة معارضة يسارية منظمة وله انغراس كبير وسط الطبقة العاملة ما جعله يهيمن على القيادات الوطنية والجهوية لأكبر نقابة بفرنسا "س ج ت".
لكن الحزب فاجأته انتفاضة الحركة الطلابية والتحامها مع الطبقة العاملة ما جعله يحتاط منها ولم يتجرأ على التفاعل الإيجابي معها عكس ما فعله العديد من المثقفين المشهورين الذين كانوا في السابق إما منخرطين أو مقربين من الحزب الشيوعي.
انتهز رئيس الوزراء "مومبدو" هذا الموقف المتدبدب للحزب الشيوعي ودعا الى حوار مع النقابات والباطرونا حول القضايا الاجتماعية وحصلت الاتفاقيات المشهورة المسماة "اتفاقيات كرونيل ليومي 25 و 26 مايو" التي نصت على الزيادة في الحد الأدنى للأجور ب 35 بالمائة والزيادة في الأجور بمعدل 10 بالمائة. هذه الاتفاقية عزلت الحركة الطلابية والتلاميذية عن الطبقة العاملة التي التحقت بالمعامل وغادرت محاضرات جامعة السوربون حول "الحلم بعالم التآخي بين الناس الاحرار نساء ورجالا".
بعدها قام شارل ديكول بحل البرلمان المنتخب قبل سنة فقط، في مارس 1967 . وعرفت المشاركة في الانتخابات التشريعية ل30 يونيو 1968 ما يفوق 78 بالمائة وكانت النتائج كارثية بالنسبة للحزب الشيوعي حيث فقد 39 مقعدا مقارنة مع النتيجة التي حصل عليها قبل سنة في مارس 1967 . كما حصل حزب شارل ديكول على الأغلبية المطلقة وسيطر مجموع أحزاب اليمين على البرلمان بكيفية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجمهورية الفرنسية.
إضافة الى هذا الخطأ الفادح في التقدير السياسي للحزب الشيوعي سينضاف خطأ اخر سيشكل وبالا على الحزب، ابعد عنه جل المثقفين الفرنسيين المرموقين وجل الشباب الفرنسي الذي اصبح مطبوعا بالثقافة التحررية لانتفاضة مايو، ويتعلق الامر بدعمه المخزي لدخول قوات الجيش السوفياتي في "براغ" عاصمة تشيكوسلوفاكيا فيما يسمى ب "ربيع براغ" شهرين فقط بعد انتفاضة 68 (غشت 1968 ) للإطاحة برئيس الحزب الشيوعي هناك "دوبتشيك" تحت إمرة الارستوقراطي "برجنيف" الذي سيطر على الحزب البلشفي "للينين".
بعد مايو 1968 تأسست بفرنسا تنظيمات ماركسية متعددة ماوية وتروتسكية لكن لم يكن لها نفوذ ولا إضافة تذكر في المجال السياسي الا فيما يتعلق بتشويه صورة الحزب الشيوعي والابداع في التناحر فيما بين فرقها اللامتناهية .
هذا الوضع نتج عنه نفور من العمل السياسي المنظم وأصبح الاهتمام بالسياسة لا يظهر الا في مناسبة الانتخابات من هنا سطع نجم الحزب الاشتراكي الذي يتمتع بليونة تنظيمية وبحضور دائم على وسائل الاعلام لكونه لا يشك في أسس النظام الرأسمالي.
سنة 1972 وضع الحزبان الشيوعي والاشتراكي "برنامج مشترك" من 110 نقط برنامجية تقدم "متيران" على أساسها الى الانتخابات وكاد ان يفوز. في الثمانينات تغير الوضع العالمي حيث عرف هجوم الليبرالية المتوحشة (تاتشر بانجلترا و ريكان بالولايات المتحدة) واصبح للطبقات الوسطى دور حامل لهذا المشروع الجديد ومن تم أصبحت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية مطلوبة للقيام بالادوار الجديدة الموكولة لانتشار الرأسمال المالي.
اعتمادا على الشعبية التي حصل عليها "متران" من جراء تحالفه في الانتخابات الرئاسية 1974 مع الحزب الشيوعي، في سنة 1981 تخلى عن تحالفه مع الشيوعيين وتقدم باسم حزبه الحزب الاشتراكي معتمدا (وبانتهازية) ما كان يسمى ب"البرنامج" المشترك" وفاز بانتخابات 1981 . دخل متران في البرنامج الجديد للعمولة وقوض جميع المرافق (المناجم، الصلب ... بشمال فرنسا) التي خاضت نضالات تاريخية بقيادة الحزب الشيوعي الفرنسي.
مع مرور السنين أصبحت الابناك وشركات الودائع المنقولة هي التي تسير حكومات ولجنة الاتحاد الأوروبي وأصبحت برامج أحزاب اليمين والحزب الاشتراكي تتشابه (الحاج موسى، موسى الحاج) ما جعل أطياف واسعة تتخلى عن الاهتمام بالعمل السياسي ومنها فئات واسعة من العمال والطبقات الوسطى المتضررة من العمولة التي تبجحت "العالمية الاشتراكية" بالعمل الحثيث من أجل "أنسنتها".
نظرا لغياب معارضة منظمة وفاعلة في مواجهة الجشع الرأسمالي ولضعف التأطير النقابي ظهرت حركة اليمين "المنغلق" (لا أفضل استعمال تسمية "اليمين المتطرف") التي تلعب على العواطف و تبرز ظاهر الاشياء وتخفي مسبباتها الحقيقية نظرا لتشبعها بالقيم الراسمالية وكرهها للاشتراكية.
هذا الوضع معمم في دول أوروبا بكاملها. فئات واسعة من المواطنات والمواطنين تستنزفهم الرأسمالية لكنهم لا يتوفرون على أدوات سياسية تقوي عزيمتهم في مواجهتها والاطاحة بها.
ف "السترة الصفراء" بفرنسا هي نتيجة لهذا التطور التاريخي وهي حركة شعبية مطالبها تضعف الجشع الرأسمالي لكن بوصلتها السياسية غير مستقرة على اتجاه معين، فالفاعل فيها هو من يمكن ان يوجهها... ربما سيكون هو "ماكرون" كما حصل ل"ديكول" مع مايو 1968 .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق