غموض ولبس في العلاقة بين مالك العقار والمكتري وراء أحكام بالإفراغ
ما تزال العلاقة الكرائية في مجال السكن بين مالك العقار والمكتري يشوبها الغموض واللبس. فعندما ينشب النزاع بين الطرفين، تغيب الحقيقة، كل منهما يدعي أنه صاحب الحق، المالك يتمسك باستعادة عقاره، والمكتري يرفض لأنه لسنوات وهو يسدد واجبات الكراء. ما يساهم في توتر العلاقة بين الطرفين جهلهما بالقانون المنظم لهذا المجال، ما يجعلهما يتبادلان الاتهامات بالتلاعب في الملف.
تشهد البيضاء أخيرا، العديد من حالات الإفراغ الصادرة في حق العديد من الأسر، اكترت منازل لمدة تتجاوز ثلاثين سنة. يعتقد المكتري أنه حاز العين المكتراة بالتقادم، في حين يرى صاحب العقار أن القانون مكنه من شروط يستعيد بها ملكه، وهنا يبدأ الخلاف.
حيل قانونية
اعتاد نور الدين رياضي، فاعل حقوقي على تنظيم وقفات تضامنية مع العديد من الأسر المحكوم عليها بالإفراغ. فالتبريرات، حسب وجهة نظره، التي يقدمها مالكو العقار لإفراغ أسر كانت تكتري منزلا أزيد من ثلاثين سنة، مجرد تحايل على القانون، خصوصا الادعاء أن أبناء مالك العقار أصبحوا راشدين، أو اتهام المكتري بتغيير معالم العين المكتراة.
فهذا الأمر حسب قوله :«غير مقبول، وغير مبرر. كيف يعقل أن شخصا كان يستفيد من سومة كرائية لمدة ثلاثين سنة، وفي الأخير يطالب المكتري ببساطة بإنهاء العلاقة الكرائية والرحيل؟».
وبعد أن شدد أن هذين الشرطين من أشهر الحيل التي يستعملها مالكو العقار لضمن حكم بالإفراغ، حمل رياضي المسؤولية أيضا إلى القضاء، إذ يوضح :«أغلب قضايا الإفراغ، تكون بناء على هذين العاملين ، ويساهم في ذلك فساد القضاء، فأغلب القضايا تصدر دون معاينة الملك أصل الخلاف ودون استناد على خبرة».
إفراغ بسبب تغيير معالم عقار
بعد أربعين سنة على كرائها منزلا بحي الأمل بسيدي البرنوصي، ستجد أسرة عبد الحكيم، نفسها مطالبة بإفراغه، بحجة اعتبرتها واهية ودون سند قانوني.
يحكي عبد الحكيم، وهو شاب تجاوز العقد الثالث، أنه بعد رحيل والده، شاءت الصدف أن يباع المنزل إلى شخص سنة 2006. قامت زوجة المالك الجديد ببناء طابق رابع، ما أثر بشكل سلبي على شقتهم.
وبعد أن أخذ نفسا عميقا، استرسل موضحا :» تقدمت والدتي بشكاية في الموضوع إلى مكتب حفظ الصحة، الذي طالب زوجة المالك بإصلاح الأضرار، إلا أنها رفضت ذلك. وبعد مرور مدة محددة، فرضت عليها غرامة. لم تتقبل الأمر، لتتقدم بشكاية، تطالبنا بالإفراغ وتتهمنا فيها بتغيير معالم المسكن، رغم أن جميع الشقق تحمل التصميم نفسه».
نجحت زوجة مالك العقار في استصدار حكم لصالحها ابتدائيا واستئنافيا، وهنا يشير عبد الحكيم إلى تواطئ العون ومحامي عائلته، الذي أخفى حجج العائلة عن المحكمة، الأمر الذي دفع أم عبد الحكيم إلى الطعن بالزور في تقرير العون المحلف أمام وكيل الملك، الذي نفى أنه عاين تغييرا في معالم البناء، ما جعل الوكيل يأمر الشرطة القضائية بمعاينة العين المكتراة.
ضحايا الإفراغ
هناك العديد من الأحكام الصادرة في حق أسر تطالبها بالإفراغ، اعتبرها حقوقيون ظالمة، منها قضية شيخ يبلغ من العمر ثمانين سنة في عين السبع، وجد نفسه محكوما عليه بالإفراغ، بعد أن قطن العقار منذ حقبة الاستعمار مع زوجته وأمها التي تبلغ من العمر حاليا 120 سنة.
وهناك قصة مثيرة في منطقة الصخور السوداء، عندما اشترى مواطن من دولة عربية منزلا بالحي، تكتري أسرة إحدى شققه، بمبلغ مليار سنتيم، فاقترح على مالك العقار مبلغ 800 مليون، على أن يخصص 200 مليون لإغراء الأسرة لمغادرة المسكن، إلا أن مالك العقار طالبه بالمبلغ كاملا، بحجة أنه سيتكفل بطرد المكتري، وهو ما تحقق فعلا بحكم قضائي.
أما (محمد.بو)، فكان يكتري منزلا منذ 30 سنة. في إحدى السنوات، اقترح على المالك تزيين المنزل، وافق الأخير دون تردد، فانفق أموالا ، إلا أنه بعد وفاة المالك، وجد نفسه مطالبا من قبل أبناء الراحل بمغادرة المنزل، دون مراعاة للأموال التي أنفقها على العين المكتراة، ورفع الأمر أمام القضاء، الذي انحاز إلى أبناء مالك العقار.
الكـراء فـي أحيـاء الصفيـح
الخلافات نفسها تعيشها العديد من الأسر في الأحياء الصفيحية، رغم أنهم يكترون «براريك» تنعدم فيها ظروف العيش الكريم، وبسومة كرائية زهيدة.
من بين أهم الملاحظات بعض الفاعلين الحقوقيين، حول كراء محلات السكن بالأحياء الصفيحية، عدم وجود عقد كراء يجمع الطرفين، ولا وسيلة تثبت توصل مالك «البراكة» بسومة كرائية، ما يجعل إنهاء العلاقة الكرائية متوقفا على مزاج صاحبها.
رغم مرور خمس سنوات على كرائه «براكة» بمبلغ 550 درهما، بالإضافة إلى 50 درهما واجب الكهرباء، بدوار باهلة، بأهل الغلام، سيجد البناء محمد القرقوري، نفسه مجبرا على إفراغها، بعد أن طالبته مالكة «البراكة» بذلك منذ شهرين تقريبا، ليدخل معها في نزاع كلفه جرحا عميقا في كتفه.
يحكي محمد تفاصيل الواقعة «صاحبة البراكة من الذين استفادوا من بقعة أرضية خصصت لقاطني دوار السكويلة. في البداية قامت بإغلاق باب البراكة، إلا أن تدخل عون سلطة والجيران أجبروها على فتحها، على أن تضع شكاية في الموضوع لدى قائد المنطقة».
وبعد أن كشف جرحا عميقا في كتفه، أردف قائلا:« في اليوم الموالي رمات ليا حوايجي في الشارع، ملي جيت، هجمات عليا هي وابنتها وعضاتني في كتفي، أو قررت نمشي للمحكمة تاخد ليا حقي».
الأمر نفسه عاشه محمد الحلو، يعمل رصاصا بالدوار نفسه، إذ يكتري «براكة» بمبلغ 800 درهم شهريا، من مالكتها، التي أصبحت تطالبه بإفراغها في أسرع الأوقات.
أمام رفضه المغادرة، استغلت مناسبة دينية، وهي عيد الأضحى الماضي، واستعانت بإخوانها وشقيق لها يقال إنه مريض نفسيا، فاعتدوا على زوجته وأبنائه، ورغم أن الشرطة حررت محضرا في الموضوع، إلا أن القضاء لم يتابع المتهمة.
ويحكي محمد أنه عندما تدخلت الشرطة في الموضوع، قلت تحرشاتها، إلا أنه في إحدى الليالي سيدق باب «البراكة» شخص غريب رفقة زميل له، وسيدعي أنه صاحبها وطالبه بإفراغها في الحال، مقدما زميله أنه قاض، وهنا يردف محمد :« سأعيش مشاكل جديدة إذ في الوقت الذي تقدمت بشكاية بشأن، هذا التهديد، أخبرني عميد شرطة أن الشخص الغريب منحني أجل شهر لإفراغ «البراكة»، وأن له ما يثبت ملكيته لها، وأنه نصبها سنة 2000 قبل أن يهاجر إلى أوربا، في حين حسب علمي أن «البراكة» نصبت سنة 2002».
قانون الكراء الجديد.. إنصاف للمكتري
لم تصمد التعديلات التي أتى بها توفيق حجيرة وزير السكنى والتعمير في عهد حكومة عباس الفاسي على القانون المنظم للكراء والتي صادق عليها مجلس النواب في 2010 طويلا، سيما أنه لقي معارضة شديدة من قبل نواب العدالة والتنمية في تلك الحقبة، إذ اتهموا توفيق حجيرة، أنه حابى الملاك على حساب الطرف الضعيف هو المكتري عندما مكنهم من حق إنهاء العلاقة الكرائية وقت ما يشاؤون.
شاءت نتائج الانتخابات التشريعية لنونبر 2011، أن يتولى حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم، وكأنه لم ينس غصة القانون السابق، فقرر على عجل تعديله، لأن له حسب قولهم، انعكاسات سلبية على الاستقرار الاجتماعي، فتم إعداد مشروع قانون 67.12 جديد متعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، والذي صودق عليه من قبل البرلمان.
يهدف هذا القانون، كما بشر به الوزير الحالي للسكنى والتعمير نبيل بنعبد الله إلى تنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحالات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، وأيضا لتجاوز مساوئ القانون السابق عبر تحسين العلاقات بين المكري والمكتري، لإرجاع الثقة إلى الاستثمار في هذا القطاع.
يتكون القانون من 59 مادة تتوزع على عشرة أبواب تتعلق بـ(نطاق التطبيق)، و(عقد الكراء) و(حقوق والتزامات المكري والمكتري)، و(استيفاء الوجيبة الكرائية والتكاليف التابعة لها)، و(مراجعة
الوجيبة الكرائية) و(تولية الكراء والتخلي عنه) وإنهاء عقد الكراء) و(فسخ عقد الكراء) و(الاختصاص والمسطرة) و(مقتضيات انتقالية).
وأهم ميزة جاء بها القانون الجديد، حذف الفصل الذي يسمح لمالك المحل المعد للسكنى أن ينهي عقد الكراء متى شاء، والتأكيد على أن أي زيادة في السومة الكرائية تطبق بعد مرور ثلاث سنوات من مدة الكراء للمحل.
ومن مستجداته أيضا، تنصيصه على وجوب توفر المحل المكترى على المواصفات الضرورية للسكن اللائق وضبط الحالة التي يسمح فيها بسلوك مسطرة الإشعار بالإفراغ وتمييزها عن الحالات التي تخول اللجوء إلى مسطرة الفسخ، مع تحديد حالات استرجاع المحل من قبل المالك، وأيضا منع المكتري من إدخال تعديلات على المحل إلا بعد حصوله على موافقة كتابية من صاحب الملك، واعتبار التولية والتخلي مفسوخين بقوة القانون على غرار عقد الكراء الأصلي بمجرد صدور القرار القضائي بطرد المحتل وتخصيص التولية والتخلي للمحلات المخصصة للأعمال المهنية بمقتضيات خاصة تراعي خصوصيات هذا النوع من المحلات.
على العموم، يهدف القانون، حسب واضعيه، في مجمله إلى توضيح العلاقة بين المكري والمكتري ووضع واجبات وحقوق للجانبين وكذا تحديد المساطر والآليات التي تفعل عندما يكون هناك خلاف، ما سيمكن من وضع العديد من الشقق والمنازل المقفلة رهن إشارة سوق الكراء الوطنية، من أجل تخفيف الضغط على السومة الكرائية المرتفعة.
لكن يبقى أهم الإشكالات التي تصادف القانون الجديد، انتظار تطبيق حكومة عبد الإله بنكيران قرار تحديد قيمة السومة الكرائية، والتي حددت في 1200 درهم، على أن لا تتجاوز مدة الكراء ثماني سنوات.
مصطفى لطفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق