جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

انتفاضة الريف يناير 1984

منقول عن حائط الرفيق جمال التكانتي مناضل النهج الديمقراطي برشلونة.... مع التقدير لحيوية ذاكرته وتقاسمه لها على هذا الفضاء...(ع. حمودان)
٠٠٠٠٠
انتفاضة الريف يناير 1984، عشت تفاصيلها ببلدة تماسينت وأنا طفل أدرس في الابتدائي، لازلت أذكر كيف كان الشباب المهمش يردد شعارات مثل: " الزيث ثانو، رخذمث والو " نشنين لبدا نحزن، إنقانغ رمخزن" ... أتذكر أيضا المكان الذي تجمع فيه المنتفضون واستراحوا قبل ان يستأنفوا التظاهر، كما لازالت ذاكرتي تذكر جيدا الساحة التي كانت مسرحا لمعركة غير متكافئة، دارت بين عناصر من جيش نظام الحسن الثاني المدججة بالبنادق والرصاص الحي، وبين الشباب المظلوم، المهمش، والاعزل الذي لا يملك الا الحجارة والصدور العارية. على بعد امتار فقط من ساحة المعركة التي تقع عند مدخل تماسينت، كنت مع مجموعة من الأطفال الذين كانوا من بين الشهود على الرصاص المخترق لأجساد الشباب الذي دفعت به البطالة والحرمان وفقدان الامل، إلى الانتفاض .
بأمهات أعيننا رأينا المسمى سبع ن علال يسقط جريحا، وحافظ الأزرق محمولا على أذرع بعض الرجال وهو ينزف دما، لنسمع بعد ذلك أن الشيف موروذ قد سقط شهيدا داخل الحائط الذي كان يتمترس وراءه الجيش... في الأيام الموالية بدأت الاعتقالات، ثم المحاكمات التي قضت بعقوبات سجنية بلغت في أقصاها عشرين سنة وفي ادناها خمس سنوات. لازلت أتذكر المرحوم عيزي عمر وهو يدخل إلى دكان أبي حزينا مكلوما محاولا حبس الدموع التي تطل من عينيه، قائلا لوالدي: إن منزلي يا صديقي شبيه بمأتم جنائزي يخيم عليه الحزن، عشرة سنوات سجنا كانت من نصيبنا فقد حوكم ابني "ع" بخمس سنوات ونفس العقوبة الظالمة لابني الثاني "ر" . ألم حاد كان يعتصر عائلات المعتقلين،فكيف يا ترى كان حجم ألم عائلة الشهيد الملقب ب"الشريف موروذ"
من سينسى عشرين سنة سجنا ل "رمونشو" و "ركابا" و15 و 10 سنوات لغيرهما من الشباب،شباب صورتهم المحاكم بأنهم مجرمون ، بينما الحقيقة أنهم ضحايا والدولة مجرمة، شباب مهمش بلا حقوق، سدت في وجهه كل ابواب المستقبل في ريف مهمش وفي تماسينت المهمشة.
ما تزال ذاكرتي الطفولية البريئة مجروحة بفواجع 1984 بتماسينت، فإذا استنفرنا الذاكرة وربطناها بالسياقات والتداعيات لكتبنا كتابا عن تماسينت وحدها. فما بالك اذا تم الحديث عن الانتفاضة في الريف بأكمله وبمراكش أيضا.
لم أكن آنذاك أفقه شيئا، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الاجتماع، لم أكن اعلم ان الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية ،ناتجة عن الشروع في تطبيق سياسة التقشف المسماة ب"التقويم الهيكلي" المملاة من طرف المؤسسات المالية الإمبريالية الدائنة، وعن ضرب صندوق المقاصة، وذلك في وقت اشتدت فيه قساوة البطالة، وانعدمت التنمية، واستفحل التهميش ضد أبناء الشعب، وتفشى الفساد في قطاعات الدولة ونهب المال العام من طرف المافيا المخزنية،...لم نكن نستوعب هذه الأمور لكن بالبراءة الطفولية كنا نشعر ونؤمن بأن هناك اضطهاد وظلم وغياب تام للعدالة.
اما خطاب الحسن الثاني بمناسبة الانتفاضة، فقد اتسم بالتهديد والوعيد، وبالسب أيضا حيث تم وصف أبناء الحسيمة والناضور وتطوان والقصر الكبير ب " الاوباش". الخطاب سمعناه في الراديو مترجما إلى الريفية كي يصل الى كل من لا يفهم دارجة الملك،ولتصل الرسالة الى صغار الريف ونسائه. وأذكر أننا كأطفال كنا نقف عند أبواب المقاهي أو نوافذها لنسترق النظر الى التلفاز بالابيض والاسود في القناة الاسبانية الاولى لمشاهدة افلام السبت، وهكذا فعلنا لمشاهدة خطبة الحسن الثاني في نشرة الأخبار الاسبانية،حيث لم يكن بالإمكان مشاهدة القناة المغربية ببلدتنا بسبب غياب التغطية، حيث كانت قناة الدولة المغربية منفصلة تماما عن تماسينت... كانت خطبة الملك مناسبة لتعكير ذاكرة كبار السن الذين بدأوا يعيدون الحديث عن عهد"إقبان" ويرفعون من وتيرة التذكر، فسمعنا ونحن أطفالا، ما يبعث عن السخط والاستنكار منذ الصغر، سمعنا عن فضائع وجرائم 58/59 ويا لها من فضائع...
كبرنا وكبر الجرح فشهدنا استشهاد فريد وسعيد في يناير 1987 بثانوية امزورن، إعتقالات وتعذيب في حق تلاميذ في عمر الزهور، استشهاد عادل وزبيدة بجامعة فاس، واعتقالات في صفوف الحركة الطلابية، محاصرة العمل النقابي العمالي بالطرد والاعتقال،انتفاضة 21 دجنبر 1990 بفاس...
بعد كل هذا وذاك ستأتي حكومة اليوسفي واكذوبة التناوب، لتليها خرافة الإنصاف والمصالحة، وقناع الاستثناء المغربي والديموقراطية...وهاهو حراك الريف وحراكات كل المغرب تسقط جل الاقنعة، ورحم الله "عدنبي ن السوق" الذي قال عند إعلان الاستقلال الشكلي :"المنجل هو نفسه، وما تغير هو مقبضه فقط"
لا يسع المجال لمزيد من الحديث .آخر الكلام هو
ان الانتفاضة:
مجيدة كل المجد
بريئة كل البراءة
مشروعة حتى النخاع
وخالدة
وأن النظام:
مستبد
وجبان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *