جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

عن الإضراب عن الطعام/الرفيق فريد الحمديوي

كنت أسمع كثيرا عن الإضراب عن الطعام، وكان ذلك منذ صغري، بحكم أن نفس التجارب التي نعيشها الآن هي نفسها التي عاشها من سبقونا، ممن ذاقوا الويلات في السجون والمعتقلات، لكنني وبصدق لم أكن أتصور أن يزلزلني من الداخل، أن يزعزع كياني بهذا الشكل، بعد أن عشته عن قرب، عن قرب جدا: سابدأ بنفسي حين رأيت المعتقلين بعكاشة في أولى خطواتهم النضالية من معركة الأمعاء الفارغة، كانت جلودا على عظام، كانت جثثا بعد مرور أكثر من 37 يوما من الإضراب، إحساس رهيب وفظيع، يشتتك إلى أشلاء، يفجر أنهارا من الدموع في عينيك بل بحارا وبحارا.. تخاف أن تعانق المضرب خوفا عليه من أن تسحقه بين ذراعيك، تتوقف عن التنفس والكلام، تتأمل الهياكل العظمية التي أمامك، تنخرط في موجة الحزن ورائحة الموت، والجلادون ينتظرون سقوط الأجساد كأنها نسور تنتظر ضحية لتنهشها..
لكن الغريب في الأمر أنك تبدو ضعيفا أمام قوتهم وصمودهم، فتصبح أنت الذي تستحق العزاء والمواساة..
ومن افظع المناظر التي لن تنسى هي حين كانت زوجة يوسف الحمديوي تبحث عنه وسط المعتقلين بعد أن عجزت عن تمييزه بين الأجساد المنهكة التي أصبحت تتشابه في كل شيء.. زوجة تبحث عن زوج وأم تبحث عن أبن وتتردد قبل أن تعانق حتى لا تخطئ في وجهتها.. أما منظر الأمهات وهن يترجين أبناءهن لوضع لقمة واحدة من أيديهن في أفواههم الجافة والمتشققة، ويرد المعتقل بقوة وعزم بالرفض، فتتعجب الأم من عناد طفلها الصغير، فكان مشهدا مأساويا يجعل كل الرقاب تنحني بحزن واستسلام، أمام حق المضرب عن الطعام في الحرية وأمام حقنا في سلامتهم، فنعود إلى ديارنا مهزومين مذلولين ويعودون إلى زنازنهم منتصرين صامدين مكرمين ومعززين..

**********
الإضراب عن الطعام لا يحس بمرارته وقساوته إلا المضرب وأمه وذويه بشكل أكبر، وكذا الضمائر الحية التي ترى ما تقاسيه الأمهات في انتظار الفرج، وغالبا ما تشوى فيه عائلات المعتقلين على نار حارقة، فيعيش الجميع عذابا حقيقيا، فلا نوم ولا راحة بال.. وعند الإعلان عن وقف الإضراب، لا يمكن الحديث عن فرحة وعن انتصار، بل استراحة المختطف في زنزانته بناء على وعود تقدم له لتلبية مطالبه أو جزء منها..في انتظار تحقيقها.. وغالبا ما يتم الإخلاف بها، كما حدث مؤخرا عندما وعد كل من ناصر والحاكي بعد خياطة فمهما.. والتي قدمت لهما وعود بعدم ترحيلهم وتشتيتهم.. ثم كان التشتيت والترحيل في نفس الليلة من تقديم الوعود..
تكون الأم أول من ترتجف لسماع الخبر، خبر إيقاف معركة الأمعاء الفارغة، لكنها لا تفرح، بل تتنهد، وتسند رأسها على كفيها، بعد ان كان ابنها وفلذة كبدها على مشارف الموت والرحيل عنها إلى الأبد.. لتعود إلى مأساتها من جديد في معركة الحرية، من أجل إطلاق سراح المعتقلين، وتبكي الزوجة بحسرة بأنها ستعيش على أمل ملاقاة زوجها بعد أن كانت تتلقى منه رسائل وداع.. ثم لتعود بعد برهة لتدرك أن "عشرة العمر"، لا زال خلف القضبان وسيبقى بعيدا عنها حتى وإن كان السجن في الغرفة المجاورة لغرفة نومها. وتدرك معها الطفلة الصغيرة أنها ستكبر يتيمة الأب وفي قلبها غمة اليتم رغم أن أباها على قيد الحياة..
ما أقدم عليه أبرياؤنا وأبطالنا هي رسائل لكي لا ننشغل عما اعتقلوا من أجله، فهم أدرى بما يقاسيه ويعانيه المضرب عن الطعام والمعتقل، وعلينا أن نكون أدرى بما كنا نقاسيه معا حين كنا جميعا أحرارا.. وأن نجعل حريتهم فوق كل اعتبار، رغم ان الطريق شاقة وطويلة، ولن تبلغ الأماني بالتمني.
رأفة بأمهات وزوجات المعتقلين..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *