فصول من معاناة عائلة معتقل سياسي ليلة بيضاء ( الحلقة الأولى) بقلم: فريد الحمدوي
فصول من معاناة عائلة معتقل سياسي
ليلة بيضاء ( الحلقة الأولى)
بقلم: فريد الحمدوي
سأكتب، أجل سأكتب ليعلم العالم كله حجم المعاناة التي نقاسيها، سأكتب لأروي عطشي في البوح والقول، لكي لا أنهار يوما من شدة العذاب الذي نتجرع آلامه كل يوم بنهاره وليله، نتجرعه بحجم أكبر مما قد نتصوره.
في ليلة الخميس 23/05/2019، بعد صلاة التراويح بساعة تقريبا، تلقيت اتصالا هاتفيا من ابنة أخي، كانت تتلعثم في كلامها خوفا، كل ما سمعته منها، كلمات زادت من تخوفاتي وبدأ جسدي يرتجف: عزيزي، بابا... بابا..... ثم لا شيء، كنت أحاول أن أستوعب ما يحدث حولها، التقطت زوجة المعتقل يوسف الحمديوي الهاتف، قائلة: فريد لا تخف، ولا تتوتر، فخالي محمد في حاجة إليك لكي تقله إلى قسم المستعجلات حالا وبسرعة.. سألتها عن حالته، فأجابت بأنه علي أن أسرع..
اعتذرت لصديقي رضوان الذي كنا قد بدأنا جلسة نقاش حول أمور كثيرة ممتعة، قلت له: علي أن أغادر حالا، فوالد يوسف في خطر، وعلي أن أسرع...
ركبت سيارتي على عجل، وضباب خفيف يلتف حولي، تسارعت دقات قلبي، وفي لحظة أدركت أن قيادتي للسيارة ليست عادية وأنني لن أصل بسلام إلى من ينتظر مني أن أنقذه وأوصله إلى المستشفى، توقفت بعد برهة وبدأت أحدث نفسي جهارا: بوفريد قد سيارتك على مهل وكن أكثر حذرا حتى لا تعقد الأمور أكثر وتضيف فاجعة أخرى للفواجع التي نعيشها تباعا..
ثم انطلقت من جديد، وبقدر كبير من الحذر والانتباه، بدت لي الطريق طويلة جدا، والسيارات أمامي لا تتحرك، كأنها تريد تأخيري، ولا يرغب السائقون في أن أصل، ماذا سأفعل، أي سبيل سأسلك، فحركة السير في المدينة تكون مكتظة في مثل هذا الوقت، بدأت أسلك أزقة تخف فيها حركة السير، حتى وصلت إلى البيت..
اتصلت قبل وصولي بزوجة يوسف لأخبرها بأني على بعد أمتار من وصولي. كان الباب مفتوحا، رأيت أخي يسند على زوجته وابنته وزوجة يوسف، لم تكن حالتهن بأفضل حال من حالة أخي الذي بدا لي مرهقا لا يقوى على الحركة، كانت أعينهن منتفخات من كثرة الدموع التي ذرفناها وهن يعاين انهيار رجل قاوم كثيرا لكي لا يسقط، رأيت أمامي رجلا في حاجة إلى فرصة أخرى للحياة.. أسرعت خطايا نحوه واحتضنته لكي أساعدهن على إسناده.. نزلنا الدرج من الطابق الأول، فتحت باب السيارة وركب معي في الأمام متظاهرا بأنه يتحكم في كل شيء، ثم ركبت زوجة يوسف في الخلف.. حاولت أن أضع له حزام السلامة فرفض، حاولت أن أكلمه، كان مثل الأبكم لا يحرك شفتاه ولا يستطيع الكلام.. حينذاك تأكدت مخاوفي، كان لا يستطيع أن يحرك شفتيه، لا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة، بل بحرف واحد..
توجهت بسرعة إلى قسم المستعجلات.. قسم المستعجلات مرة أخرى!!! يا رب كن رحيما بنا في هذه الليلة واجعل الأمور تمر بسلام، واحفظ أخي، بل أبي الذي رباني وسهر على حمايتي طيلة حياتي..
أوقفت سيارتي عند باب قسم المستعجلات، أسرعت لكي أحضر كرسيا متحركا لأساعد أخي على الحركة، بعد أن تعذر عليه المشي بشكل سليم... توجهت به مباشرة صوب غرفة الإسعافات الأولية، طلب منا أحد الممرضين بأن نسجله بشباك تسجيل الوافدين، التفتت إلى زوجة يوسف قائلا: عليك بالإجراءات الإدارية، وواجبي أن أبقى برفقته إن كان في حاجة إلي..
في باب الغرفة صادفت الطبيب المداوم، ألقينا التحية على بعضنا وتصافحنا، سألني: ما بك يا أستاذ؟ أشرت نحو أخي قائلا: لقد أصيب بأزمة مفاجئة فقد الكلام على إثرها، وحركته قلت بشكل كبير..
أجابني: سأكون معك بعد لحظات، بعد أن أعطى تعليماته للممرض المرافق، قام بفحص ضغطه ثم انتزع منه القليل من الدم لإجراء التحاليل الضرورية لتشخيص حالته بشكل أفضل.. عاد الطبيب ليفحصه من جديد.. طلب منا بأن نحجز له سريرا بإحدى الغرف الخاصة بنزلاء قسم المستعجلات حتى يبقى تحت العناية المركزة في انتظار نتائج التحاليل..
كان بغرفة الاسعافات الأولية رجل مسن رفقة أبنائه، يئن ويتألم وهو يصرخ بأعلى صوته، فزاد من أجواء الحزن في المكان، كان يقدم له الاسعافات ممرض واحد في حين كان الثاني رفقة نزيل آخر..
توجهت بأخي صوب غرفة مجاورة، استلقى على أحد الأسرة الأربعة المتواجدة بالغرفة، وكان السرير الشاغر الوحيد، بعد لحظات التحق أصدقاء أخي الذين كانوا معه في المقهى حين بدأت بوادر الازمة الصحية في الظهور، حكيت لهم ما جرى له، ثم حكوا لي بدورهم، بعد أن تفاجأوا بما حصل..
كان أخي ممددا على السرير وهو يحاول أن يحرك يده اليمنى التي بدأ يفقد السيطرة عليها، في كل مرة يرفعها بيده اليسرى ويضعها على صدره ثم تسقط اليد من جديد، يحاول الوقوف جاهدا، لكنه لا يستطيع إلا بمساعدتي..
لم يحتمل ما حدث له، كان لا يستوعب ما يجري حوله، بعد مدة وجيزة، التحق ممرض شاب يجر جهاز قياس دقات القلب، طلب من الجميع الخروج وبقيت برفقته لكي أساعده على عملية القياس التي تتطلب تجريده من ملابسه.. كان لا يقوى على الحركة، كنت أواسيه وأطمئنه بأن الأمور ستكون بخير، رغم أنني كنت خائفا ومتيقنا بأن حالته ستتعقد أكثر، وأنا أراقب نقص حركة جهته اليمنى من جسده..
بعد إجراء فحص القلب، التحقت بنا زوجة يوسف وهي تحمل نتائج التحاليل الطبية، انضم إلينا الطبيب المداوم بعد لحظات، واطلع على التحاليل وقياس دقات القلب، بعد أن طرح بعض الأسئلة التي تهم حالته الصحية قبل الأزمة.. طلب من الممرض بأن نجري له فحصا آخر للقلب في غرفة أخرى بها آلة خاصة لذلك، ثم التحق طبيب آخر ليعاين حالته، كان الطبيبان يناقشان عن كثب نتائج التحاليل.. قررا بعد ذلك بضرورة إجراء فحص بجهاز السكانير للوقوف على السبب الرئيسي للصدمة.. كنت أراقب حوارهما عساني ألتقط إشارة ترشدني للوقوف على وضعه الصحي..
توجهت رفقة ممرض إلى غرفة الفحص بالسكانير، كنت أتأمله، وهو لا يدرك ما يجري حوله، يزفر بقوة، يحاول النهوض في كل مرة، أحسست به كأنه على بعد لحظات من الانفجار..
جلست القرفصاء في بهو مجاور لغرفة الفحص، أسندت رأسي بين كفي، حاولت أن أتمالك نفسي، ثم انخرطت في موجة بكاء وأنا أستحضر أمامي أخي الذي قاوم كثيرا لمدة سنتين، كل الضغوطات النفسية، كل معاناته مع السفر إلى عكاشة، من الظلم الذي طاله وطال ابنه البريء الذي جهر بالحق كما جهر به كل أبناء الريف.. والذي واظب على زيارة ابنه كل اسبوع بعكاشة وحضر كل جلسات المحاكمة، سنتان من المعاناة والعذاب النفسي والجسدي، ثم أخيرا استسلم وخانه جسده من هول ما سببه له مهندسو العذاب في هذا الوطن.
التحق الطبيب المداوم بغرفة الفحص بالسكانير ليطلع عن كثب على نتائج الفحص، بعد مدة سمعت ممرضة تطلب مني الدخول لكي نعيده إلى قسم المستعجلات.. كانت الساعة حوالي الواحدة والنصف صباحا، حين نزلنا، التقيت زوجة يوسف تخبرني بأن أخي قد يكون مصابا بجلطة دماغية، وعليه أن يبقى هنا ليظل تحت العناية المركزة في انتظار الفحص الذي يجب أن يجرى له احتياطيا كل ساعتين على الأقل..
غادرت قسم المستعجلات حوالي الرابعة صباحا، بعد أن بقيت زوجة يوسف وابنته وزوج ابنته برفقته حتى أستريح قليلا، وقررنا أن نتناوب على مرافقته في هذه المحنة التي أصابته وأصابتنا جميعا...
قبل أن أغادر المستشفى قمت بتغيير ملابسه التي بللها العرق والماء الذي صبه على نفسه، حين وقعت عليه عندما كان يحاول أن يشرب الماء من قنينة كانت بحوزته، وحتى لا يصاب بأزمة برد.
في البداية رفض أن يساعدني في ذلك، لم يستصغ الأمر ولم يقبله، حاول تحريك يده، لم يستطع، كان أبكما، حضنته بقوة، وهو مستلق على سرير، عانقته، كنت الوحيد الذي بقي معه في غرفة بقسم المستعجلات، أغلقت بابها بإحكام، انحنيت صوبه وهمست في أذنه اليسرى: أخي عليك أن تتقبل ما يجري لك الآن، وما أصابك، فلتعلم أنك الطبيب الرئيسي والوحيد الذي يمكن له أن يساعدك على تجاوز هذه الأزمة، فإن أردت أن تشفى إن شاء الله، تقبل الأمر وساعد نفسك فنحن معك، ولن نفرط فيك أبدا مهما جرى، تقبل ما أصابك وتذكر ما تعانيه الآن لكي لا تعيشه لمدة أطول....
سقطت مني دمعة ساخنة على وجهه، رفع رأسه نحوي، قبلت جبينه مترجيا متسولا، ضغط بيده اليسرى بكل قوة على ساعدي الأيمن، ثم أفلت يدي ورفع قميصه كإشارة منه بأن رسالتي قد وصلت.. ثم غيرت له ملابسه، وكان الأمر شاقا بالنسبة لي بأن أرى أخي الذي كان قبل قليل بكامل صحته، ليسقط مشلولا لا يقوى على تحريك نصف جسده الأيمن.. قلت في قرارة نفسي: ربي لا تطل عذابنا هذا فلم نعد نحتمل اكثر...عانقته وأنا أقبله على خديه وجبهته.. أغمض عينيه ثم تنهد وغفا.
حين عدت إلى البيت، لم أتمكن من النوم، لم تفارق صورته خيالي، أحاول أن أستوعب الأمر، أتقلب على سريري كمن وضع على صفيح ساخن، مرت كل لحظات طفولتي معه، تذكرته وهو يلقن لي أولى دروس السباحة في شاطئ كيمادو، وكيف كان يمسك يدي وهو يعلمني كيف أقطع الطريق، وكيف أجهز فخي لأصطاد العصافير قرب البيت الذي نسكنه في باريو.. تذكرت فرحته الأولى حين أخبرته معلمتي بأنني حصلت على الرتبة الأولى في الفصل...وكيف كان يحملني على كتفيه ويجوب بي شوارع المدينة دون أن يتعب... هل سيكون مصير هذا الرجل على هذه الحال؟؟؟!!
بقلم: فريد الحمدوي
سأكتب، أجل سأكتب ليعلم العالم كله حجم المعاناة التي نقاسيها، سأكتب لأروي عطشي في البوح والقول، لكي لا أنهار يوما من شدة العذاب الذي نتجرع آلامه كل يوم بنهاره وليله، نتجرعه بحجم أكبر مما قد نتصوره.
في ليلة الخميس 23/05/2019، بعد صلاة التراويح بساعة تقريبا، تلقيت اتصالا هاتفيا من ابنة أخي، كانت تتلعثم في كلامها خوفا، كل ما سمعته منها، كلمات زادت من تخوفاتي وبدأ جسدي يرتجف: عزيزي، بابا... بابا..... ثم لا شيء، كنت أحاول أن أستوعب ما يحدث حولها، التقطت زوجة المعتقل يوسف الحمديوي الهاتف، قائلة: فريد لا تخف، ولا تتوتر، فخالي محمد في حاجة إليك لكي تقله إلى قسم المستعجلات حالا وبسرعة.. سألتها عن حالته، فأجابت بأنه علي أن أسرع..
اعتذرت لصديقي رضوان الذي كنا قد بدأنا جلسة نقاش حول أمور كثيرة ممتعة، قلت له: علي أن أغادر حالا، فوالد يوسف في خطر، وعلي أن أسرع...
ركبت سيارتي على عجل، وضباب خفيف يلتف حولي، تسارعت دقات قلبي، وفي لحظة أدركت أن قيادتي للسيارة ليست عادية وأنني لن أصل بسلام إلى من ينتظر مني أن أنقذه وأوصله إلى المستشفى، توقفت بعد برهة وبدأت أحدث نفسي جهارا: بوفريد قد سيارتك على مهل وكن أكثر حذرا حتى لا تعقد الأمور أكثر وتضيف فاجعة أخرى للفواجع التي نعيشها تباعا..
ثم انطلقت من جديد، وبقدر كبير من الحذر والانتباه، بدت لي الطريق طويلة جدا، والسيارات أمامي لا تتحرك، كأنها تريد تأخيري، ولا يرغب السائقون في أن أصل، ماذا سأفعل، أي سبيل سأسلك، فحركة السير في المدينة تكون مكتظة في مثل هذا الوقت، بدأت أسلك أزقة تخف فيها حركة السير، حتى وصلت إلى البيت..
اتصلت قبل وصولي بزوجة يوسف لأخبرها بأني على بعد أمتار من وصولي. كان الباب مفتوحا، رأيت أخي يسند على زوجته وابنته وزوجة يوسف، لم تكن حالتهن بأفضل حال من حالة أخي الذي بدا لي مرهقا لا يقوى على الحركة، كانت أعينهن منتفخات من كثرة الدموع التي ذرفناها وهن يعاين انهيار رجل قاوم كثيرا لكي لا يسقط، رأيت أمامي رجلا في حاجة إلى فرصة أخرى للحياة.. أسرعت خطايا نحوه واحتضنته لكي أساعدهن على إسناده.. نزلنا الدرج من الطابق الأول، فتحت باب السيارة وركب معي في الأمام متظاهرا بأنه يتحكم في كل شيء، ثم ركبت زوجة يوسف في الخلف.. حاولت أن أضع له حزام السلامة فرفض، حاولت أن أكلمه، كان مثل الأبكم لا يحرك شفتاه ولا يستطيع الكلام.. حينذاك تأكدت مخاوفي، كان لا يستطيع أن يحرك شفتيه، لا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة، بل بحرف واحد..
توجهت بسرعة إلى قسم المستعجلات.. قسم المستعجلات مرة أخرى!!! يا رب كن رحيما بنا في هذه الليلة واجعل الأمور تمر بسلام، واحفظ أخي، بل أبي الذي رباني وسهر على حمايتي طيلة حياتي..
أوقفت سيارتي عند باب قسم المستعجلات، أسرعت لكي أحضر كرسيا متحركا لأساعد أخي على الحركة، بعد أن تعذر عليه المشي بشكل سليم... توجهت به مباشرة صوب غرفة الإسعافات الأولية، طلب منا أحد الممرضين بأن نسجله بشباك تسجيل الوافدين، التفتت إلى زوجة يوسف قائلا: عليك بالإجراءات الإدارية، وواجبي أن أبقى برفقته إن كان في حاجة إلي..
في باب الغرفة صادفت الطبيب المداوم، ألقينا التحية على بعضنا وتصافحنا، سألني: ما بك يا أستاذ؟ أشرت نحو أخي قائلا: لقد أصيب بأزمة مفاجئة فقد الكلام على إثرها، وحركته قلت بشكل كبير..
أجابني: سأكون معك بعد لحظات، بعد أن أعطى تعليماته للممرض المرافق، قام بفحص ضغطه ثم انتزع منه القليل من الدم لإجراء التحاليل الضرورية لتشخيص حالته بشكل أفضل.. عاد الطبيب ليفحصه من جديد.. طلب منا بأن نحجز له سريرا بإحدى الغرف الخاصة بنزلاء قسم المستعجلات حتى يبقى تحت العناية المركزة في انتظار نتائج التحاليل..
كان بغرفة الاسعافات الأولية رجل مسن رفقة أبنائه، يئن ويتألم وهو يصرخ بأعلى صوته، فزاد من أجواء الحزن في المكان، كان يقدم له الاسعافات ممرض واحد في حين كان الثاني رفقة نزيل آخر..
توجهت بأخي صوب غرفة مجاورة، استلقى على أحد الأسرة الأربعة المتواجدة بالغرفة، وكان السرير الشاغر الوحيد، بعد لحظات التحق أصدقاء أخي الذين كانوا معه في المقهى حين بدأت بوادر الازمة الصحية في الظهور، حكيت لهم ما جرى له، ثم حكوا لي بدورهم، بعد أن تفاجأوا بما حصل..
كان أخي ممددا على السرير وهو يحاول أن يحرك يده اليمنى التي بدأ يفقد السيطرة عليها، في كل مرة يرفعها بيده اليسرى ويضعها على صدره ثم تسقط اليد من جديد، يحاول الوقوف جاهدا، لكنه لا يستطيع إلا بمساعدتي..
لم يحتمل ما حدث له، كان لا يستوعب ما يجري حوله، بعد مدة وجيزة، التحق ممرض شاب يجر جهاز قياس دقات القلب، طلب من الجميع الخروج وبقيت برفقته لكي أساعده على عملية القياس التي تتطلب تجريده من ملابسه.. كان لا يقوى على الحركة، كنت أواسيه وأطمئنه بأن الأمور ستكون بخير، رغم أنني كنت خائفا ومتيقنا بأن حالته ستتعقد أكثر، وأنا أراقب نقص حركة جهته اليمنى من جسده..
بعد إجراء فحص القلب، التحقت بنا زوجة يوسف وهي تحمل نتائج التحاليل الطبية، انضم إلينا الطبيب المداوم بعد لحظات، واطلع على التحاليل وقياس دقات القلب، بعد أن طرح بعض الأسئلة التي تهم حالته الصحية قبل الأزمة.. طلب من الممرض بأن نجري له فحصا آخر للقلب في غرفة أخرى بها آلة خاصة لذلك، ثم التحق طبيب آخر ليعاين حالته، كان الطبيبان يناقشان عن كثب نتائج التحاليل.. قررا بعد ذلك بضرورة إجراء فحص بجهاز السكانير للوقوف على السبب الرئيسي للصدمة.. كنت أراقب حوارهما عساني ألتقط إشارة ترشدني للوقوف على وضعه الصحي..
توجهت رفقة ممرض إلى غرفة الفحص بالسكانير، كنت أتأمله، وهو لا يدرك ما يجري حوله، يزفر بقوة، يحاول النهوض في كل مرة، أحسست به كأنه على بعد لحظات من الانفجار..
جلست القرفصاء في بهو مجاور لغرفة الفحص، أسندت رأسي بين كفي، حاولت أن أتمالك نفسي، ثم انخرطت في موجة بكاء وأنا أستحضر أمامي أخي الذي قاوم كثيرا لمدة سنتين، كل الضغوطات النفسية، كل معاناته مع السفر إلى عكاشة، من الظلم الذي طاله وطال ابنه البريء الذي جهر بالحق كما جهر به كل أبناء الريف.. والذي واظب على زيارة ابنه كل اسبوع بعكاشة وحضر كل جلسات المحاكمة، سنتان من المعاناة والعذاب النفسي والجسدي، ثم أخيرا استسلم وخانه جسده من هول ما سببه له مهندسو العذاب في هذا الوطن.
التحق الطبيب المداوم بغرفة الفحص بالسكانير ليطلع عن كثب على نتائج الفحص، بعد مدة سمعت ممرضة تطلب مني الدخول لكي نعيده إلى قسم المستعجلات.. كانت الساعة حوالي الواحدة والنصف صباحا، حين نزلنا، التقيت زوجة يوسف تخبرني بأن أخي قد يكون مصابا بجلطة دماغية، وعليه أن يبقى هنا ليظل تحت العناية المركزة في انتظار الفحص الذي يجب أن يجرى له احتياطيا كل ساعتين على الأقل..
غادرت قسم المستعجلات حوالي الرابعة صباحا، بعد أن بقيت زوجة يوسف وابنته وزوج ابنته برفقته حتى أستريح قليلا، وقررنا أن نتناوب على مرافقته في هذه المحنة التي أصابته وأصابتنا جميعا...
قبل أن أغادر المستشفى قمت بتغيير ملابسه التي بللها العرق والماء الذي صبه على نفسه، حين وقعت عليه عندما كان يحاول أن يشرب الماء من قنينة كانت بحوزته، وحتى لا يصاب بأزمة برد.
في البداية رفض أن يساعدني في ذلك، لم يستصغ الأمر ولم يقبله، حاول تحريك يده، لم يستطع، كان أبكما، حضنته بقوة، وهو مستلق على سرير، عانقته، كنت الوحيد الذي بقي معه في غرفة بقسم المستعجلات، أغلقت بابها بإحكام، انحنيت صوبه وهمست في أذنه اليسرى: أخي عليك أن تتقبل ما يجري لك الآن، وما أصابك، فلتعلم أنك الطبيب الرئيسي والوحيد الذي يمكن له أن يساعدك على تجاوز هذه الأزمة، فإن أردت أن تشفى إن شاء الله، تقبل الأمر وساعد نفسك فنحن معك، ولن نفرط فيك أبدا مهما جرى، تقبل ما أصابك وتذكر ما تعانيه الآن لكي لا تعيشه لمدة أطول....
سقطت مني دمعة ساخنة على وجهه، رفع رأسه نحوي، قبلت جبينه مترجيا متسولا، ضغط بيده اليسرى بكل قوة على ساعدي الأيمن، ثم أفلت يدي ورفع قميصه كإشارة منه بأن رسالتي قد وصلت.. ثم غيرت له ملابسه، وكان الأمر شاقا بالنسبة لي بأن أرى أخي الذي كان قبل قليل بكامل صحته، ليسقط مشلولا لا يقوى على تحريك نصف جسده الأيمن.. قلت في قرارة نفسي: ربي لا تطل عذابنا هذا فلم نعد نحتمل اكثر...عانقته وأنا أقبله على خديه وجبهته.. أغمض عينيه ثم تنهد وغفا.
حين عدت إلى البيت، لم أتمكن من النوم، لم تفارق صورته خيالي، أحاول أن أستوعب الأمر، أتقلب على سريري كمن وضع على صفيح ساخن، مرت كل لحظات طفولتي معه، تذكرته وهو يلقن لي أولى دروس السباحة في شاطئ كيمادو، وكيف كان يمسك يدي وهو يعلمني كيف أقطع الطريق، وكيف أجهز فخي لأصطاد العصافير قرب البيت الذي نسكنه في باريو.. تذكرت فرحته الأولى حين أخبرته معلمتي بأنني حصلت على الرتبة الأولى في الفصل...وكيف كان يحملني على كتفيه ويجوب بي شوارع المدينة دون أن يتعب... هل سيكون مصير هذا الرجل على هذه الحال؟؟؟!!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق