بدايات الفكر الفلسفي في بابل ومصر القديمة:الرفيق غازي الصوراني
بدايات الفكر الفلسفي في بابل ومصر القديمة:
كان نظام الرق النظام السائد في بابل ومصر القديمة، حيث سخر العبيد لبناء منشآت الري، ولتشييد الاهرامات والمنابر والقصور، وفي اواخر الالف الرابعة وبداية الالف الثالثة قبل الميلاد بلغت العلاقات العبودية في هذين البلدين أوج تطورها.
وقد ارتبط ظهور الفكر الفلسفي هنا بالخطوات الأولى لعلوم الطبيعة – الفلك والرياضيات، من جهة، والاسطورة، من جهة ثانية، ولم تكن الفلسفة قد ظهرت بعد كشكل متميز من أشكال الوعي الاجتماعي.
وقد تطلب تطور الزراعة والري والبناء ضرورة توسيع المعارفق العلمية، وتطبيقها في الحياة العملية .
كما اخترع العلماء البابليون "النظام الستيني" في الحسابات، الذي ما يزال مستعملاً في جميع أنحاء العالم (1 ساعة = 60 دقيقة، 1 دقيقة = 60 ثانية).
لقد لعبت الاسطورة، التي جسدت محاولات الناس الأولى لفهم ظواهر الطبيعة، لعبت دوراً كبيراً في نشوء الفكر الفلسفي لدى سكان ما بين النهرين، كغيرهم من شعوب العالم القديم وبالتدريج تحولت الاساطير، التي تحكي أصل الآلهة Theogony، إلى معتقدات فكرية وفلسفية عن أصلا لعالم وارتقائه.
ولم تكن النجوم، عند الابليين، وسائط تساعد الناس على حساب الزمن، وفي التنبوءات الفلكية، فحسب، بل وقوى خالقة، اوجدت العالم، وتؤثر فيه باستمرار.
القمر، عندهم، "أبو الآلهة"، والنجوم – آلهة، تنير ليلا فقط، تأتي الشمس ، فتطفىء النجوم السماوية، ولذا فانها مصدر الظلمة، والقوة التي تحكم عالم جوف الأرض (العالم الاسفل)، ومصدر الموت والهلاك.
لكن القمر، بعد أن يموت، يعود فيبعث من جديد، ولذا كان – عند البابليين – رمز الحياة، الخالدة، التي لا تنطفئ شعلتها أبداً.
وبمرور الزمن يتحول بين الخير (النور) والشر (الظلمة) في اسطورة نشوء العالم إلى التغني بانتصار إله النور على اله الظلمة، ويغدو اله النور قوة سامية، تسير العالم وتحفظه.
هذه النظرة إلى دور النجوم كانت وراء ظهور التنجيم Astrology، الذي يعكس ايماناً خرافياً بقدرة النجوم على التأثير في مصائر الافراد والمجتمعات .
أما ظهور الحضارة في مصر القديمة فيعود إلى أواخر الالف الرابعة قبل الميلاد، عصر تشكل النظام العبودي.
كانت الحياة الاقتصادية في وادي النيل تعتمد أساساً على الزراعة وتربية الماشية، فتطور فن السقاية والري، وازدهرت الصناعة الخزفية والفخارية، وما يتصل بالحياة الاقتصادية من علوم، كالفلك والحساب والهندسة.
كما كان لوضع التقويم الشمسي أثره الكبير في حياة الناس العملية، وقد ذكر المؤرخ اليوناني، هيرودوت أن المصريين توصلوا، قبل غيرهم من شعوب العالم ، إلى تحديد طول السنة بـ 365 يوماً وربع اليوم.
كما أحرزت الرياضيات المصرية نجاحات هامة ، منها –حساب حجم الهرم الناقص ذي القاعدة المربعة، ودساتير حساب مساحة المثلث والمستطيل وشبه المنحرف والدائرة.
وتشير طرق الحساب، التي كانت تعلم في المدارس المصرية، إلى المستوى العالي – بمقياس تلك الايام- الذي بلغته المعرفة النظرية في بلاد وادي النيل.
هنا أيضاً يمكن ، بوضوح، تتبع الطريق، الذي سلكه الفكر في انتقاله من احضان التصورات الدينية إلى التأويل الفلسفي للاسطورة.
فقد تغير مضمون الاسطورة ليصبح فلسفياً، اكثر منهع دينياً ، وقد ارتبط هذا بتطور العلوم والمعرفة، من جهة، وبالصراع، الذي دارت رحاه بين العبيد ومالكيهم، بين طبقات الاحرار الميسورين، الذين أصبحوا في الالف الثاني قبل الميلاد قوة متميزة لا يستهان بها، وبين الزعامة التقليدية في نظام الرق، من جهة ثانية.
وهكذا ظهرت المؤلفات ، التي تثير الشكوك حول صحة التصورات الدينية، ولا سيما الاعتقاد بالحياة الخالدة في العالم الآخر ، كما تدعو هذه المؤلفات إلى تشييد دعائم حياة سعيدة هنا، في عالمنا الارضي، لا أن نقبع بانتظار نعيم الدار الآخرة .
فتحكي لنا "أغنية حامل القيثارة" أنه لا يعد أحد من عالم اموتى ليخبرنا عن العالم الآخر ونعيمه! كما أن حواسنا، وعقلنا، لا تستطيع أن تنبئنا بشيء عنه، ولذا كان من الوهم الاعتقاد بوجود أي عالم آخر، سوى عالمنا الارضي، وأي نعيم آخر، سوى نعيم الحياة الدنيا.
ان القيمة العظيمة لهذا الآثر الادبي في تاريخ الفكر الانساني تكمن، بالضبط، في انه تضمن، للمرة الأولى ، دعوة صريحة ، ومنطقية: بدلاً من انتظار الحياة الآخرة "لنلتفت إلى تنظيم شئوننا على الارض".
وفي أحد الاعمال الادبية المتأخرة - "حديث الزاهد في روحه" ، نلمس اتجاهاً واضحاً لرفض التعاليم الدينية عن خلود الروح، فبعد الموت "يتلاشى الانسان، ويتحول جسده إلى تراب".
ان أعمال الانسان هي، وحدها، التي تخلد اسمه كما يشكك "الحدث" في عدالة النظام، القائم على "العنف" و"النهب" ، حيث "القلوب قاسية، وكل يسرق ممتلكات أخيه".
وكان لازديدا حدة الصراع الطبقي، أثره في ظهور التعاليم السياسية الأولى، التي تعبر عن آراء الطبقات المسيطرة، فينادي أحدها علناً: "أخضع العامة، واسحق اندفاعها وحرارتها".
كما تطفح هذه التعالم بالحقد العارم على الجماهير وتطلعاتها، وتصور النظام العبودي نظاماً الهياً خالداً، لن يتغير أبداً .
ان الآثار الأدبية الفرعونية تطرح، وان يكن بسذاجة، مسألة الاساس (الاصل) المادي لظواهر الطبيعة، فتتحدث عن الماء البارد، الذي منه تتولد الكائنات الحية، وتتحدر عنه جميع الاشياء، أو الهواء، الذي يملأ الفراغ، و "يحضر في الاشياء كلها".
لكن الفكر الفلسفي هنا لم يصل إلى المستوى، الذي بلغه في بلدان نظام الرق الأكثر تقدماً، ومع ذلك كان للافكار الالحادية والمادية الساذجة لدى المصريين والبابليين أثرها في التطور اللاحق للعلم والفكر المادي في العالم القديم.
بهذا الصدد يذكر المؤرخ بلوتارك أن الفيلسوف اليوناني طاليس تعلم من المصريين بالذات أن يفترض الماء أصلاً للاشياء وعلتها الأولى .( غازي الصوراني - عرض مختصر لتاريخ الفلسفة منذ الاغريق حتى القرن 21 - مخطوطة لم تنشر بعد ).
كان نظام الرق النظام السائد في بابل ومصر القديمة، حيث سخر العبيد لبناء منشآت الري، ولتشييد الاهرامات والمنابر والقصور، وفي اواخر الالف الرابعة وبداية الالف الثالثة قبل الميلاد بلغت العلاقات العبودية في هذين البلدين أوج تطورها.
وقد ارتبط ظهور الفكر الفلسفي هنا بالخطوات الأولى لعلوم الطبيعة – الفلك والرياضيات، من جهة، والاسطورة، من جهة ثانية، ولم تكن الفلسفة قد ظهرت بعد كشكل متميز من أشكال الوعي الاجتماعي.
وقد تطلب تطور الزراعة والري والبناء ضرورة توسيع المعارفق العلمية، وتطبيقها في الحياة العملية .
كما اخترع العلماء البابليون "النظام الستيني" في الحسابات، الذي ما يزال مستعملاً في جميع أنحاء العالم (1 ساعة = 60 دقيقة، 1 دقيقة = 60 ثانية).
لقد لعبت الاسطورة، التي جسدت محاولات الناس الأولى لفهم ظواهر الطبيعة، لعبت دوراً كبيراً في نشوء الفكر الفلسفي لدى سكان ما بين النهرين، كغيرهم من شعوب العالم القديم وبالتدريج تحولت الاساطير، التي تحكي أصل الآلهة Theogony، إلى معتقدات فكرية وفلسفية عن أصلا لعالم وارتقائه.
ولم تكن النجوم، عند الابليين، وسائط تساعد الناس على حساب الزمن، وفي التنبوءات الفلكية، فحسب، بل وقوى خالقة، اوجدت العالم، وتؤثر فيه باستمرار.
القمر، عندهم، "أبو الآلهة"، والنجوم – آلهة، تنير ليلا فقط، تأتي الشمس ، فتطفىء النجوم السماوية، ولذا فانها مصدر الظلمة، والقوة التي تحكم عالم جوف الأرض (العالم الاسفل)، ومصدر الموت والهلاك.
لكن القمر، بعد أن يموت، يعود فيبعث من جديد، ولذا كان – عند البابليين – رمز الحياة، الخالدة، التي لا تنطفئ شعلتها أبداً.
وبمرور الزمن يتحول بين الخير (النور) والشر (الظلمة) في اسطورة نشوء العالم إلى التغني بانتصار إله النور على اله الظلمة، ويغدو اله النور قوة سامية، تسير العالم وتحفظه.
هذه النظرة إلى دور النجوم كانت وراء ظهور التنجيم Astrology، الذي يعكس ايماناً خرافياً بقدرة النجوم على التأثير في مصائر الافراد والمجتمعات .
أما ظهور الحضارة في مصر القديمة فيعود إلى أواخر الالف الرابعة قبل الميلاد، عصر تشكل النظام العبودي.
كانت الحياة الاقتصادية في وادي النيل تعتمد أساساً على الزراعة وتربية الماشية، فتطور فن السقاية والري، وازدهرت الصناعة الخزفية والفخارية، وما يتصل بالحياة الاقتصادية من علوم، كالفلك والحساب والهندسة.
كما كان لوضع التقويم الشمسي أثره الكبير في حياة الناس العملية، وقد ذكر المؤرخ اليوناني، هيرودوت أن المصريين توصلوا، قبل غيرهم من شعوب العالم ، إلى تحديد طول السنة بـ 365 يوماً وربع اليوم.
كما أحرزت الرياضيات المصرية نجاحات هامة ، منها –حساب حجم الهرم الناقص ذي القاعدة المربعة، ودساتير حساب مساحة المثلث والمستطيل وشبه المنحرف والدائرة.
وتشير طرق الحساب، التي كانت تعلم في المدارس المصرية، إلى المستوى العالي – بمقياس تلك الايام- الذي بلغته المعرفة النظرية في بلاد وادي النيل.
هنا أيضاً يمكن ، بوضوح، تتبع الطريق، الذي سلكه الفكر في انتقاله من احضان التصورات الدينية إلى التأويل الفلسفي للاسطورة.
فقد تغير مضمون الاسطورة ليصبح فلسفياً، اكثر منهع دينياً ، وقد ارتبط هذا بتطور العلوم والمعرفة، من جهة، وبالصراع، الذي دارت رحاه بين العبيد ومالكيهم، بين طبقات الاحرار الميسورين، الذين أصبحوا في الالف الثاني قبل الميلاد قوة متميزة لا يستهان بها، وبين الزعامة التقليدية في نظام الرق، من جهة ثانية.
وهكذا ظهرت المؤلفات ، التي تثير الشكوك حول صحة التصورات الدينية، ولا سيما الاعتقاد بالحياة الخالدة في العالم الآخر ، كما تدعو هذه المؤلفات إلى تشييد دعائم حياة سعيدة هنا، في عالمنا الارضي، لا أن نقبع بانتظار نعيم الدار الآخرة .
فتحكي لنا "أغنية حامل القيثارة" أنه لا يعد أحد من عالم اموتى ليخبرنا عن العالم الآخر ونعيمه! كما أن حواسنا، وعقلنا، لا تستطيع أن تنبئنا بشيء عنه، ولذا كان من الوهم الاعتقاد بوجود أي عالم آخر، سوى عالمنا الارضي، وأي نعيم آخر، سوى نعيم الحياة الدنيا.
ان القيمة العظيمة لهذا الآثر الادبي في تاريخ الفكر الانساني تكمن، بالضبط، في انه تضمن، للمرة الأولى ، دعوة صريحة ، ومنطقية: بدلاً من انتظار الحياة الآخرة "لنلتفت إلى تنظيم شئوننا على الارض".
وفي أحد الاعمال الادبية المتأخرة - "حديث الزاهد في روحه" ، نلمس اتجاهاً واضحاً لرفض التعاليم الدينية عن خلود الروح، فبعد الموت "يتلاشى الانسان، ويتحول جسده إلى تراب".
ان أعمال الانسان هي، وحدها، التي تخلد اسمه كما يشكك "الحدث" في عدالة النظام، القائم على "العنف" و"النهب" ، حيث "القلوب قاسية، وكل يسرق ممتلكات أخيه".
وكان لازديدا حدة الصراع الطبقي، أثره في ظهور التعاليم السياسية الأولى، التي تعبر عن آراء الطبقات المسيطرة، فينادي أحدها علناً: "أخضع العامة، واسحق اندفاعها وحرارتها".
كما تطفح هذه التعالم بالحقد العارم على الجماهير وتطلعاتها، وتصور النظام العبودي نظاماً الهياً خالداً، لن يتغير أبداً .
ان الآثار الأدبية الفرعونية تطرح، وان يكن بسذاجة، مسألة الاساس (الاصل) المادي لظواهر الطبيعة، فتتحدث عن الماء البارد، الذي منه تتولد الكائنات الحية، وتتحدر عنه جميع الاشياء، أو الهواء، الذي يملأ الفراغ، و "يحضر في الاشياء كلها".
لكن الفكر الفلسفي هنا لم يصل إلى المستوى، الذي بلغه في بلدان نظام الرق الأكثر تقدماً، ومع ذلك كان للافكار الالحادية والمادية الساذجة لدى المصريين والبابليين أثرها في التطور اللاحق للعلم والفكر المادي في العالم القديم.
بهذا الصدد يذكر المؤرخ بلوتارك أن الفيلسوف اليوناني طاليس تعلم من المصريين بالذات أن يفترض الماء أصلاً للاشياء وعلتها الأولى .( غازي الصوراني - عرض مختصر لتاريخ الفلسفة منذ الاغريق حتى القرن 21 - مخطوطة لم تنشر بعد ).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق