جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

من تجارب الاعتقال السياسي /الرفيق عبد المجيد ريفقي -2-

                                              


هكذا اتفقنا على الاستمرار في الاضراب اللامحدود عن الطعام، وبطبيعة الحال ناقشنا ما فيه الكفاية ،ووصلنا الى أن موازين القوى كلها لصالحنا ، خصوصا وأن عيد العرش لم يتبقى له سوى شهر تقريبا ،وليس في صالح المخزن أن تمر مناسبته في جو مكهرب .
حل يوم الاثنين أظن انه أواخر شهر فبراير 1983 ،الجو بارد جدا بسجن مراكش ، وهذا اليوم هو خامس يوم من الاضراب اللامحدود عن الطعام . رفاقي الذين لا زلت أكن لهم عشقا خاصا ،وأعتبرهم نموذجا في الصمود والتضحية ،تظهر على وجوههم علامة الصمود والتحدي.
ولم يكد يصل المساء حتى جاء الحراس وأخذونى الى نفس الزنزانة (الكاشو الاسود :cachot noir) التي أدخلوني اليها سابقا مجردا من ملابسي ، وقد فعلوا بي مافعلوه سابقا أي انهم قطعوا عني الماء . وكل مساء يأتي الحارس ويقول هل غيرت رأيك .لا أرد عليه . كان جوابي دائما فقط مقاطع من أغاني مارسيل خليفة :
بين رثة وعيوني بندقية
والذي يعرف رثة ينحني ويصلي لاله في العيون العسلية
أو أغني للشيخ امام
شيد قصورك على المزارع ..من كدنا وعرق ايدينا
بهذه الطريقة كنت أتحداهم ولا أهابهم ،لأني كنت لا أحب ادلالي . كنت مؤمنا بأن النضال لا هوادة فيه . أموت شهيد أحسن من أن اذل.
حاولت الشرب من المرحاض الذي هو عبارة عن حفرة (ثقبة) ولكنها لا تتسع لكف يدي لالتقاط الماء . لكن هذه المرة كان الحظ معي ،حيث كل مساء حين يحل الليل وتبدأ الصراصير بالظهور كأنها تحاول مؤانستي ومداعبتي ،يأتي حارس يتعاطف معي ، يأتيني بالماء ،فأشرب حتى أروي عطشي . بقيت على هذا الحال أو صمدت لمدة 13 يوم ،حيث أتى الحراس ورحلوني الى زنزانة أخرى بحي العزلة كما يلقبوه . أقفلوا الباب الحديدي وبطبيعة الحال أستعملوا نفس الاسلوب الخسيس حيث قطعوا الماء . ولم يكد يغادر الحارس حتى سمعت صوتا يناديني
ريفقي......ريفقي .....تانقبيت ،أعرف هذا الصوت جيدا انه رفيقي وحبيبي لغدير أحمد ، انه يطلب مني شرب الماء من المرحاض ، انه بزنزانة قريبة من زنزانتي ،لا أراه ولا يراني . كم غمرتني الفرحة حين سمعت صوته . سلمت عليه ، سألته عن صحته (انه يعاني من ارتفاع في الضغط الدموي) ولمعرفتنا بحالته الصحية طالبنا منه عدم الدخول في هذه المعركة ، ولأنه عنيد وصنديد ،أبى الا أن يشاركنا الاضراب اللامحدود عن الطعام . سألته عن البقية :بوساين ، بلاوي ابراهيم ، بوتباغة عبد الرحمان ، أخبرني أنهم كلهم أغمي عليهم وأخذوهم الى المستشفى ، ولم نبقى الا نحن . لقد كانت معنوياتنا عالية .كل صباح أناديه ويناديني .يغني لي أغاني بالامازيغية خصوصا وأن لكنته كانت جميلة ، وبدوري أغني له أغاني ملتزمة :سعيد المغربي ،أو مارسيل خليفة ، أو الشيخ امام ...بقينا على هذا الحال ،كل يوم يغني بعضنا للاخر حتى وصلنا الى 17 يوم من الاضراب عن الطعام كعادتي ناديت على حبيبي لغدير أجابني بصوت فيه نبرة ألم .أحس به أتألم لالامه ،حاولت مساعدته ولو أني بعيد ،بيننا أبواب من حديد .غنيت له كل ما أعرف . أناديه ، فيجيبني .انها الطريقة الوحيدة لمعرفة أن رفيقي لغدير ما زال على قيد الحياة . وفي المساء وبالضبط عند حلول الليل ناديته ، لغدير ..لغدير فلم يجب . بدات اصيح وأصيح ، وأضرب الباب برجلي بكل ما أملك من قوة ، حينها سمعت بعض الخطوات ،انهم الحراس .رأيتهم من فتحة الباب التي لا تتعدى 30 سنتم يحملون لغدير الذي أغمي عليه في نقالة في اتجاه المستشفى .
علمت أنه لم يبقى الا انا ،وعلي مواجهة مصيري . كالعادة يأتي الحارس ويفتح باب الزنزانة ، ويقوم السجين بافراغ الماء النظيف في المرحاض ،وحين يغادروا أقوم أنا با ادخال كف يدي في المرحاض وألتقط الماء وأقوم بشربه وأكرر العملية حتى أروي عطشي. فتغمرني السعادة ، واحس بالانتصار ،أغني كتحد للسجانين ،كأنني أقول لهم :أنا ريفقي المناضل الصامد ،أتحداكم وأتحدى دولتكم .
أغني كل ما أعرف وبصوت جهوري ،غنيت كالعادة لمارسيل وللشيخ أمام ، غنيت كذالك لعبد الكريم الخطابي انها من شعر عبد الله زريق :
من جرحي أسقي بلادي
علمني التاريخ حب بلادي
من عبد الكريم الثائر الاول
كان أبي رابضا في الوهاد
حاملا دمه بيديه
حين أعلن عن ميلادي
كنت أحب هذه الاغنية الجميلة حفظتها عن المعتقل السياسي بريش محمد علي، ينحدر من جنوب الصحراء المغربية ، ألتقيته بالسجن المدني بأنزكان ،تهمته :خرق الاقامة الجبرية بخريبكة . هو في الحقيقة لم يقم بخرقها . البوليس هو الذي قولبوا عند خروجه من السجن ،حيث خيره بأي مدينة يريد أجراء أقامته الجبرية . وبطبيعة الحال صديقي بريش أختار مسقط رأسه مدينة كلميم
وبعد 20 يوم من الاضراب اللامحدود عن الطعام ،أحسست بالعياء ، وأن قواي قد خارت ،حاولت أن اتظاهر بأني ما زلت أستطيع الصمود ، لكن الحقيقة غير ذالك ،حيث كل ما حاولت الوقوف الا وأسقط . جاء الحارس يناديني من فتحة الباب ،فأجيبه ، فيعلم أني مازلت صامدا ، حتى أنني سمعت الحارس يقول كل رفاقه سقطوا الا هو (ولد القح........)
حل الليل وجاء الحارس ، وناداني لكني لم استطع الرد . وبعض لحظات جاء الحراس وحملوني في ناموس (أشعر بذالك)،لكنني لا أستطيع الحراك .
في صباح 21 يوم من الاضراب عن الطعام ، أفقت ووجدت نفسي بالمستشفى ،وجدت نفسي وسط رفاقي الذين أحبهم،كلهم صمود واصرار على مواصلة الاضراب اللامحدود عن الطعام مهما كان الثمن ،الاستشهاد مثلا . قبلوني ، عانقوني ،أحبهم ،أعشقهم :بوساين ،بوتباغة عبد الرحمان ، بلاوي ابراهيم ،لغدير أحمد .فرحوا بوجودي سليما بينهم.
نحن الان بمستشفى المامونية (ابن زهر )........يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *