"وداعا با شعول ... لن ننساك أبدا"
في 15 يناير 2020
السجن المحلي عين عائشة تاونات
المعتقلان السياسيان عبد النبي ومصطفى شعول
"وداعا با شعول ... لن ننساك أبدا"
فقدت عائلة شعول يوم السبت 11 يناير 2020، أحد رجالها، وهو الأب السيد أحمد بن عبد الله شعول، من مواليد 1944، بعد صراع طويل مع المرض والفقر وتعاسة القدر، حيث قاوم إلى آخر ليلة من أيامه بكل ما أوتي من صبر الفلاحين وتحديهم لظروف الجغرافية القاسية وشغفهم بالأرض والحياة الخضراء.
الأب الراحل واحد من ملايين الناس البسطاء والمهمشين، يعيشون شظف الحياة، عندما يموتون لا يعلم أحد بخبر رحيلهم الصامت، ولا يعلم احد كيف عاشوا ولا كيف ومتى رحلوا... محكوم عليهم طبقيا أن يأتوا إلى الدنيا في صمت، ويقضون حياتهم كسكان كهف أفلاطون، ويذهبون إلى مثواهم الأخير دون جرس يقرع في الإعلام الممول من عرق جبينهم، ولا نعي يذاع، لا أولى ولا ثانية... ولا عاشرة تنقل مراسيم عزاء ودفن الفقراء، وتوصل مظاهر وصور العزلة والهشاشة التي يرزح تحتها سكان المنطقة التي ينحدر منها الراحل وأمثاله، هناك حيث تتساقط الأقنعة وتتبخر كل شعارات "التنمية البشرية وتقريب الخدمات الصحية والتعليمية" من البشر، وغيرها من المخدرات اللغوية والمؤثرات الصوتية التي تنكشف وتنسف من الأساس، وطبعا لو تناقلت الكاميرا صور الحدث الأليم، ستظهر وجوه المشيعين الذين تقاطروا إلى مسقط رأس الفقيد ليقدموا واجب العزاء ولمواساة العائلة المكلومة، كان الرأي العام سيعلم بغياب وجهين من الوجوه الحاضرة، وهما مصطفى وعبد النبي ابنا الفقيد المعتقلين السياسيين المتواجدين بسجن عين عايشة بتاونات، وسيطرح السؤال، ألم يكن من الواجب الإنساني والأخلاقي السماح لهما بحضور جنازة أبيهم والنظر في وجهه نظرة الوداع الأخير، لماذا حرموا من معاينة جسد أبيهم وهو يدفن تحت الأرض ويرحل إلى الأبد، ومن إهالة التراب فوق جثمانه الطاهر، لماذا حرمونا من معايشة هذه اللحظة التاريخية في حياتنا، أحتى في الجنائز تقف السياسة عبء ثقيل وتنتصر على الأخلاق والإنسانية والدين؟؟
أبينا لم يكن من المشاهير لا في الإقتصاد ولا السياسة ولا الفن كي ينال فسحة من الإنارة الإعلامية ويذاع خبر نعيه بين القبائل والأمم، لم يكن أميرا ولا وزيرا، لا قابوسا ولا كابوسا كي تنكس من أجله الأعلام وتقرع الأجراس وأيام حداد وعطل وتعطيل، لم يكن لصا لأموال الشعب ولا سارقا لأرزاقه ولا قاطعا لأعناق أبنائه ولا قامعا لأحلامهم وطموحاتهم في العيش الكريم، أبينا كان رجلا ضعيف الحال، فلاحا فقيرا، نظيف اليد والقلب، يمشي جنب الحيط، كما يقال، لم يتذوق حلاوة السلطة ولا شرف المعارضة، كان همه الوحيد أن يضمن لقمة الخبز لأبنائه في أرض مصرة أن تبقى في عصر الحجر، كان همه أيضا كما نتذكر أن يضمن لأبنائه مقاعد في حجرات المدرسة البعيدة عن منزلنا، حيث نتذكر بحرقة وحنين كيف قادنا الراحل إلى المدرسة لأول مرة في حياتنا في زمن كانت الأمية هي القاعدة في تلك المنطقة الجبلية المنسية، كان الفقيد يعمل ليل نهار كي يضمن عيشا محترما لأبنائه، كان مثل جبل تتكسر فوق قمته هموم الحياة وقساوة الجغرافيا وظلم التاريخ.
ازدادت حالته سوءا عند اعتقالنا سنة 2014، وتداعيات المحاكمات والأحكام الجائرة في حقنا، ورغم الفاجعة وطبيعة الاتهامات والقيل والقال ومظاهر الإرهاب التي مورست عليه وعلى العائلة حينذاك، رفض الإنصياع لتعليمات وأوامر بقايا الإقطاع وضغوطاتهم وتهديداتهم، متشبتا ببراءتنا، مؤمنا إيمانا راسخا بأننا تعرضنا للتآمر والظلم المشهود، ومع مرور الأيام والسنوات القليلة، تعرض بدوره للإعتقال (26 ماي 2017) جراء شكاية كيدية وانتقامية كان بطلها مرة أخرى أزلام "السلطة المحلية" السيئين الذكر، وبدون تحقيق ولا دليل، قررت "النيابة العامة" بتاونات في شخص احد نوابها لا داعي لتخليد اسمه مع الشرفاء، الأمر بالإيداع في السجن المحلي بتاونات، رفقة أبنائه، كانت أياما عصيبة قضيناها معا، فكان ردنا بإضراب مفتوح عن الطعام إلى غاية تبرئة أبينا المعتقل، وهو المطلب الذي ناله بعد 15 يوما من الإعتقال الإنتقامي الذي سيظل يقض مضاجع العصابة التي خططت لهذه المأساة، والذي راح ضحيتها ظلما وعدوانا شخص بريء وصل من الكبر عتيا، لا يستطيع الحركة ولا الإبصار. وهنا نتذكر أن هذا الرجل الذي رحل عنا استطاع أن ينال تعاطفا كبيرا في صفوف السجناء وحتى حراس السجن، الذين عاملوه بلطف واحترام، وطيلة مدة اعتقاله كان يفتقد لنظاراته التي تكسرت بمقر "الدرك بقرية با محمد"، حيث كان يتحرك متكئا على كتف سجين أو حارس سجن... سوء ظروفه الصحية وانعدام أدلة إدانته لم تشفع له في الحيلولة دون تذوق السجن في آخر عمره، كان قرارا سياسيا وأثبتته براءة الراحل.
لا نخفيكم حجم الآلام التي نكابدها ونسكتها بكبرياء المحاربين، فلو كان بإمكاننا ركوب أشرعة النور لهربنا على صهوتها إليكم يا أحبائنا، يا رفاقنا وأصدقاءنا، لنقبل الراحل قبلة الوداع الأخير لفعلنا، فاعذرونا، نحن قصت أجنحتنا، وسدت في وجوهنا أبواب الزنازن، وكل شيء هنا بتخطيط، حتى الأشياء التي يعتبرونا "إنسانية" و"يسمحون" بها يترقبون منها الضعف الإنساني.
لا نخفيكم حجم الحنين والشوق الذي يجتاحنا حين يحضرنا في هذه اللحظات الخاصة وجه أبينا الراحل بعمامته البيضاء ولحيته البيضاء أيضا والإبتسامة لا تخطئ عيونه، وكأنه قنديلا يضيء ظلمتنا، ويدفئ برودة الزنازن، نتذكر قبلاته لنا في الزيارة التي يسمح بها لدقائق تجتمع فيها قلوبنا تحت المراقبة المشددة، نحس فيها بحرارة الحب الأبدي الذي لا يفنى في أعماقه، نعم، يا أحباءنا، نعرف ما معنى أن نفاتحكم في أحاسيسنا، لو نستطيع أن نخترق هذه الأسوار ونرسو على موانئ حزنكم لفعلنا ولاستوطنا حلمكم كالشمس في الربيع.
الموت، في ثقافة شعبنا وعاداته، دوما على وجه السلب، من حيث هي نهاية وجود قاسية ومأساوية في حياة الإنسان : كل حي إلى الموت ذهابه، من هذا المنطلق، سنقول لعائلة الراحل وأبنائه وخاصة أحفاده الرائعين، اغرسوا اسم الفقيد وحبه وحنانه في ذاكرتكم كرمز حي لعزة النفس وكرامتها، ومثالا للأب الشعلة المتقدة التي تبعث الأمل في أغصان شجرته، ستكبرون يوما وستفتخرون بجدكم صاحب العكاز الخشبي المصنوع من شجرة الزيتون، وستجعلون من قبره الطاهر محجا لكم كلما حلت ذكرى رحيله وكل واحد منكم آنذاك سيرثيه بطريقته الخاصة.
ارقد في سلام با شعول، الحرية لأبنائك، والنصر لذريتك ولذرية الفقراء، وسلام عليك في مرقدك الطاهر وإلى الأبد.
السجن المحلي عين عائشة تاونات
المعتقلان السياسيان عبد النبي ومصطفى شعول
"وداعا با شعول ... لن ننساك أبدا"
فقدت عائلة شعول يوم السبت 11 يناير 2020، أحد رجالها، وهو الأب السيد أحمد بن عبد الله شعول، من مواليد 1944، بعد صراع طويل مع المرض والفقر وتعاسة القدر، حيث قاوم إلى آخر ليلة من أيامه بكل ما أوتي من صبر الفلاحين وتحديهم لظروف الجغرافية القاسية وشغفهم بالأرض والحياة الخضراء.
الأب الراحل واحد من ملايين الناس البسطاء والمهمشين، يعيشون شظف الحياة، عندما يموتون لا يعلم أحد بخبر رحيلهم الصامت، ولا يعلم احد كيف عاشوا ولا كيف ومتى رحلوا... محكوم عليهم طبقيا أن يأتوا إلى الدنيا في صمت، ويقضون حياتهم كسكان كهف أفلاطون، ويذهبون إلى مثواهم الأخير دون جرس يقرع في الإعلام الممول من عرق جبينهم، ولا نعي يذاع، لا أولى ولا ثانية... ولا عاشرة تنقل مراسيم عزاء ودفن الفقراء، وتوصل مظاهر وصور العزلة والهشاشة التي يرزح تحتها سكان المنطقة التي ينحدر منها الراحل وأمثاله، هناك حيث تتساقط الأقنعة وتتبخر كل شعارات "التنمية البشرية وتقريب الخدمات الصحية والتعليمية" من البشر، وغيرها من المخدرات اللغوية والمؤثرات الصوتية التي تنكشف وتنسف من الأساس، وطبعا لو تناقلت الكاميرا صور الحدث الأليم، ستظهر وجوه المشيعين الذين تقاطروا إلى مسقط رأس الفقيد ليقدموا واجب العزاء ولمواساة العائلة المكلومة، كان الرأي العام سيعلم بغياب وجهين من الوجوه الحاضرة، وهما مصطفى وعبد النبي ابنا الفقيد المعتقلين السياسيين المتواجدين بسجن عين عايشة بتاونات، وسيطرح السؤال، ألم يكن من الواجب الإنساني والأخلاقي السماح لهما بحضور جنازة أبيهم والنظر في وجهه نظرة الوداع الأخير، لماذا حرموا من معاينة جسد أبيهم وهو يدفن تحت الأرض ويرحل إلى الأبد، ومن إهالة التراب فوق جثمانه الطاهر، لماذا حرمونا من معايشة هذه اللحظة التاريخية في حياتنا، أحتى في الجنائز تقف السياسة عبء ثقيل وتنتصر على الأخلاق والإنسانية والدين؟؟
أبينا لم يكن من المشاهير لا في الإقتصاد ولا السياسة ولا الفن كي ينال فسحة من الإنارة الإعلامية ويذاع خبر نعيه بين القبائل والأمم، لم يكن أميرا ولا وزيرا، لا قابوسا ولا كابوسا كي تنكس من أجله الأعلام وتقرع الأجراس وأيام حداد وعطل وتعطيل، لم يكن لصا لأموال الشعب ولا سارقا لأرزاقه ولا قاطعا لأعناق أبنائه ولا قامعا لأحلامهم وطموحاتهم في العيش الكريم، أبينا كان رجلا ضعيف الحال، فلاحا فقيرا، نظيف اليد والقلب، يمشي جنب الحيط، كما يقال، لم يتذوق حلاوة السلطة ولا شرف المعارضة، كان همه الوحيد أن يضمن لقمة الخبز لأبنائه في أرض مصرة أن تبقى في عصر الحجر، كان همه أيضا كما نتذكر أن يضمن لأبنائه مقاعد في حجرات المدرسة البعيدة عن منزلنا، حيث نتذكر بحرقة وحنين كيف قادنا الراحل إلى المدرسة لأول مرة في حياتنا في زمن كانت الأمية هي القاعدة في تلك المنطقة الجبلية المنسية، كان الفقيد يعمل ليل نهار كي يضمن عيشا محترما لأبنائه، كان مثل جبل تتكسر فوق قمته هموم الحياة وقساوة الجغرافيا وظلم التاريخ.
ازدادت حالته سوءا عند اعتقالنا سنة 2014، وتداعيات المحاكمات والأحكام الجائرة في حقنا، ورغم الفاجعة وطبيعة الاتهامات والقيل والقال ومظاهر الإرهاب التي مورست عليه وعلى العائلة حينذاك، رفض الإنصياع لتعليمات وأوامر بقايا الإقطاع وضغوطاتهم وتهديداتهم، متشبتا ببراءتنا، مؤمنا إيمانا راسخا بأننا تعرضنا للتآمر والظلم المشهود، ومع مرور الأيام والسنوات القليلة، تعرض بدوره للإعتقال (26 ماي 2017) جراء شكاية كيدية وانتقامية كان بطلها مرة أخرى أزلام "السلطة المحلية" السيئين الذكر، وبدون تحقيق ولا دليل، قررت "النيابة العامة" بتاونات في شخص احد نوابها لا داعي لتخليد اسمه مع الشرفاء، الأمر بالإيداع في السجن المحلي بتاونات، رفقة أبنائه، كانت أياما عصيبة قضيناها معا، فكان ردنا بإضراب مفتوح عن الطعام إلى غاية تبرئة أبينا المعتقل، وهو المطلب الذي ناله بعد 15 يوما من الإعتقال الإنتقامي الذي سيظل يقض مضاجع العصابة التي خططت لهذه المأساة، والذي راح ضحيتها ظلما وعدوانا شخص بريء وصل من الكبر عتيا، لا يستطيع الحركة ولا الإبصار. وهنا نتذكر أن هذا الرجل الذي رحل عنا استطاع أن ينال تعاطفا كبيرا في صفوف السجناء وحتى حراس السجن، الذين عاملوه بلطف واحترام، وطيلة مدة اعتقاله كان يفتقد لنظاراته التي تكسرت بمقر "الدرك بقرية با محمد"، حيث كان يتحرك متكئا على كتف سجين أو حارس سجن... سوء ظروفه الصحية وانعدام أدلة إدانته لم تشفع له في الحيلولة دون تذوق السجن في آخر عمره، كان قرارا سياسيا وأثبتته براءة الراحل.
لا نخفيكم حجم الآلام التي نكابدها ونسكتها بكبرياء المحاربين، فلو كان بإمكاننا ركوب أشرعة النور لهربنا على صهوتها إليكم يا أحبائنا، يا رفاقنا وأصدقاءنا، لنقبل الراحل قبلة الوداع الأخير لفعلنا، فاعذرونا، نحن قصت أجنحتنا، وسدت في وجوهنا أبواب الزنازن، وكل شيء هنا بتخطيط، حتى الأشياء التي يعتبرونا "إنسانية" و"يسمحون" بها يترقبون منها الضعف الإنساني.
لا نخفيكم حجم الحنين والشوق الذي يجتاحنا حين يحضرنا في هذه اللحظات الخاصة وجه أبينا الراحل بعمامته البيضاء ولحيته البيضاء أيضا والإبتسامة لا تخطئ عيونه، وكأنه قنديلا يضيء ظلمتنا، ويدفئ برودة الزنازن، نتذكر قبلاته لنا في الزيارة التي يسمح بها لدقائق تجتمع فيها قلوبنا تحت المراقبة المشددة، نحس فيها بحرارة الحب الأبدي الذي لا يفنى في أعماقه، نعم، يا أحباءنا، نعرف ما معنى أن نفاتحكم في أحاسيسنا، لو نستطيع أن نخترق هذه الأسوار ونرسو على موانئ حزنكم لفعلنا ولاستوطنا حلمكم كالشمس في الربيع.
الموت، في ثقافة شعبنا وعاداته، دوما على وجه السلب، من حيث هي نهاية وجود قاسية ومأساوية في حياة الإنسان : كل حي إلى الموت ذهابه، من هذا المنطلق، سنقول لعائلة الراحل وأبنائه وخاصة أحفاده الرائعين، اغرسوا اسم الفقيد وحبه وحنانه في ذاكرتكم كرمز حي لعزة النفس وكرامتها، ومثالا للأب الشعلة المتقدة التي تبعث الأمل في أغصان شجرته، ستكبرون يوما وستفتخرون بجدكم صاحب العكاز الخشبي المصنوع من شجرة الزيتون، وستجعلون من قبره الطاهر محجا لكم كلما حلت ذكرى رحيله وكل واحد منكم آنذاك سيرثيه بطريقته الخاصة.
ارقد في سلام با شعول، الحرية لأبنائك، والنصر لذريتك ولذرية الفقراء، وسلام عليك في مرقدك الطاهر وإلى الأبد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق