جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أطفال الأنابيب في درب مولاي الشريف/الرفيق عبد السلام باهي

أطفال الأنابيب في درب مولاي الشريف
اشتهر درب مولاي الشريف بأنه معتقل سري يوجد بمدينة الدار البيضاء بالمغرب . كما اشتهر بما تم فيه من احتجاز وتعذيب لأجيال من المناضلين والمعارضين على مدى سنوات من الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان .
لكن في درب مولاي الشريف لا يوجد الإحتجاز خارج القانون والتعذيب فقط . بل توجد أشكال أخرى من التعسف والإهانات . حيث كل شيء يستغل من أجل الحط من الكرامة الإنسانية .
كثيرة هي الأحداث والحالات التي أخذت طابعا مأساويا . كحالة المعتقل بلعيد الذي ظل في درب مولاي الشريف سنوات دون أن يقدم لأية محاكمة . ولطول المدة أسندت له مهمة توزيع الأكل على المعتقلين .
وقائع مبكية ، وأخرى مضحكة ولكنها محزنة . وكل ما يحجز مع المعتقل يبقى محط شبهة .
في ليلة باردة من ليالي شتاء سنة 1974 ، جاء الحاج ، وهو حارس أمن ، إلى الزنزانة التي كنت أرقد فيها . وصل إلى منتصفها في صمت ووقف . ثم مد رجله ولمس رجلي بحذائه . وقال لي بصوت منخفض انهض ( نض ) .
تسارعت نبضات قلبي وشرد خيالي . ونهضت في عياء وعلى مضض . وأنا معصوب العينين مقيد اليدين .
في الزنازن يتحول المعتقل إلى رقم . تكبل يداه وتعصب عيناه . ويفرض عليه التمدد ليل نهار . بدون حركة ولا نظر .
حين وقفت شرع الحاج في مراقبة وضعية العصابة على عيني والقيد في يدي . وتأكد من كوني لا أستطيع فكاكا ولا أقدر على نظر أو بصر .
جرني من قيدي كما تجر الأنعام . واتجه بي حثيثا نحو جناح البحث . حيث مكاتب اليوسفي قدور ومن معه من الجلادين . وحيث لغة الإستنطاق والجلد والتعذيب .
تشاءمت وأنا أجر قدمي . وأصابني دوار من سرعة وحرقة التساؤلات .
هل هي اعتقالات جديدة ؟ هل عثروا على وثائق أو معلومات لم تكن معروفة ؟
لم استقر على قرار .
أدخلني الحاج إلى مكتب لم أستطع تمييز أي شيء فيه . وأجلسني على الأرض .
سمعت وشوشات . ومن وسطها بادرني صوت بسؤال حول ما أعرفه عن أطفال الأنابيب .
تراجع انزعاجي وهدأ روعي . وبدأت أردد بصوت خافت ومرتبك ، أطفال الأنابيب يعني هي عملية تساعد المرأة على الحمل .
هاجمني نفس الصوت بكلمات نابية . مؤكدا أنه لا مجال للمراوغة . وأن بين يديه أوراقا مكتوبة بخط يدي . وفيها ما يكفي من الأدلة على أنني اشتغلت بأشياء تتعارض مع الدين الإسلامي ومع القرآن .
قلت مع نفسي لعلها تهمة جديدة ؟
واستمر يقرأ علي جملا مكتوبة .
رجعت بي الذاكرة إلى سنة 1973 . يوم اطلعت على خبر يفيد بأنه تم التوصل إلى حمل اصطناعي بواسطة تخصيب بويضة بشرية في المختبر . وتذكرت أنني كنت مهتما بالموضوع . كنت أتتبع التساؤلات والمواقف المطروحة بشأن احتمال إنجاب أطفال بواسطة أنابيب اصطناعية . خاصة مواقف الكنيسة ورجال الدين . مما دفعني إلى أن أعكف على جمع وتدوين عدة أخبار ومعلومات .
أكدت للجلاد بأن الأمر يتعلق بتتبع أخبار حول موضوع علمي .
أظهر عدم الإهتمام بما قلته . واستمر في تلاوة ما هو مدون . محاولا البحث في ما بين السطور . واستخراج ما يحلو له من تأويلات مغرضة . ولأنه لم يجد مبتغاه أو ما يريد . طفق يعلق بأشياء مستفزة بشأن العقيدة والتعارض مع القرآن .
سألني هل أنت مقتنع بما كتبت . أحسست بالضيق والإنكسار . دماغي وقناعتي أصبحا عرضة للنبش والتفتيش .
في دواخلي حزن عميق . ولكنني لذت بالصمت .
وفي النهاية أصدر فتواه . وصرح بأن ما كتبته يتعارض مع الإسلام .
فنادى على الحاج . وقال له خذه .
أحسست كأنه أصدر حكما سريا . لكنه لا يريد ضياع وقته في تنفيذ العقوبة . مادام الأمر يتعلق بكتابات تبين أنها لا علاقة لها لا بالأسماء ولا بأماكن التنظيم . عهد بالمهمة لرئيس الحجاج . ومن أجل ضمان الفعالية ، قام بتحريضه وإخباره بفحوى حكمه ، مؤكدا أنني " ولد الحرام " وأن ما وجد في أوراقي وكتاباتي يشكل كفرا . وأنه ضد الإسلام .
أرجعني الحاج إلى جناح الزنزان . وذهب ليستطلع الأمر عند رئيسه المسمى " الجبلي " .
" الجبلي " هو اسم أطلقه المعتقلون على رئيس فريق الحجاج بدرب مولاي الشريف آنذاك . لأن لهجته شمالية ولكنته جبلية . وهو يتميز بإظهار القساوة في معاملة السجناء . ولكن من حين لآخر تنفلت من فمه بعض عبارات الطيبوبة والسذاجة . في حين يتميز نائبه الذي سماه المعتقلون ب " الذئب " بالقساوة الصامتة اللئيمة .
ما هي إلا لحظات ، حتى كان الحاج " الجبلي " قد هيأ فريق الجلد والتعذيب . وجاء محاطا به . أوقفوني وأداروا وجهي نحو الحائط ، ومددوا يدي فوق رأسي . وهم في جلبة تحس معها كأنهم يتخيلون أنفسهم في ساحة الوغى , أو في معركة جهاد ضد عدو . تعاقبوا على ظهري بالضرب والجلد لساعات . وشرعوا يرددون " تكلم آ ولد الحرام " . " تكلم آ الكافر" . وكلما أشرف جسدي المتهالك على السقوط ، إلا وأجبروني على الوقوف مرة أخرى . ويداي ممددتان نحو الأعلى .
انتشى الجبلي وزبانيته بنجاح المهمة . وتبادلوا عبارات النصيحة والتقوى والصلاح .
هدأ الجو مؤقتا . ازداد ألم الرضوض والكدمات في جسدي .
جاءني حنين غريب إلى مكاني في الزنزانة . تخيلت الرفاق مشدوهين . إنهم مثلي صامتون ممنوعون من الحركة والكلام والنظر والشمس وزرقة السماء . ولكنهم ممددون . وانا واقف على رجل واحدة . وهم لا يعلمون سبب ما أتعرض له . ولا حقيقة ما جرى . سيجنح بهم الخيال في كل الإتجاهات . وفي ذلك تعذيب آخر . وإرهاب لكل من في المكان .
19/04/2020
عبد السلام الباهي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *