يوسف الريسوني يتحدث عن “الردة” الحقوقية في زمن الوباء وعودة التدبير الأمني.. - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أحدث المشاركات

السبت، 16 مايو 2020

يوسف الريسوني يتحدث عن “الردة” الحقوقية في زمن الوباء وعودة التدبير الأمني..

يوسف الريسوني يتحدث عن “الردة” الحقوقية في زمن الوباء وعودة التدبير الأمني..

اجرى الحوار
                                                

يتحدث يوسف الريسوني الناشط الحقوقي والكاتب العام للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عن الخروقات والانتهاكات الحقوقية التي واكبت عملية تدبير حالة الطوارئ المرتبطة بجائحة كورونا، وكذلك يدلي الريسوني برأيه في مجموعة من القضايا التي أثيرت في ارتباط مع حالة الطوارئ، من مشروع قانون 22.20 الذي سمي بمشروع “تكميم الأفواه”، تطبيق “وقايتنا” لتتبع حالات الإصابة بكوفيد- 19 والتوجس من خرق الحياة والمعطيات الخاصة…
  • تتبعون في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، طريقة تدبير السلطات العمومية لجائحة كورونا، هل تحترم هذه التدابير البعد الحقوقي؟ لماذا؟  
أولا وجب التأكيد على أهمية الإجراءات الاحترازية التي اتخذت من أجل الحد من تفشي وباء كورونا المستجد، والتي تستوجب من الجميع مواصلة الانخراط في احترامها، لكن في المقابل كان على السلطات المعنية بتنفيذ حالة الطوارئ الصحية أن تحرص على احترام التزاماتها في مجال حقوق الإنسان. إلا أن الواقع عرى عن عدد من السلوكات التي تبين ان السلطات العمومية لم تتخل عن ممارساتها السلطوية في إنفاذ القانون. فقد أظهرت الوقائع على استمرار ممارسة القوات العمومية للعنف وامتهان الكرامة على المواطنين والمواطنات الذين وجدوا في وضعية خرق قانون حظر التجول في انتهاك سافر لما ينص عليه القانون من عقوبات للمخالفين، وتصويرهم أثناء الاعتداء عليهم بالصفع والرفس أو أثناء اعتقالهم في خرق لحقهم في الخصوصية وحقهم في الأمن والسلامة الجسدية، علاوة على فتح باب التشهير بهم ومحاكمتهم إعلاميا. كما فتحت الأجهزة الأمنية المجال لأشخاص غير مشمولين بصلاحيات تنفيذ قانون الطوارئ الصحية، بالتلاعب وأحيانا مصادرة المواد دون انجاز أي محضر للمخالفة، هذا في ظل تشجيع وزير الداخلية لهذه الممارسات المخلة بالقانون وتبريرها عوض المعاقبة عليها. هذا فيما يخص الأذى النفسي والجسدي والتعنيف. أما فيما يخص الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، فقد تعاملت هاته الأجهزة بتمييز بين أصحاب الدخل المحدود والمرتفع، بين البوادي والمدن، وبين الأحياء الشعبية والراقية. على سبيل المثال فقد قامت السلطات العمومية في العديد من المناطق بإغلاق الأسواق الفلاحية التقليدية لصالح شركات التوزيع الكبرى، بينما كان بالإمكان إبقاؤها مفتوحة لضمان دخل فئة عريضة من المواطنين خاصة في العالم القروي، وضمان الأمن الغذائي للمواطنين، مع إلزامية تطبيق إجراءات الوقاية الصحية كما في أسواق العلامات التجارية الكبرى التي لم تتعرض للإغلاق التام. 
  • ما هي الخروقات والانتهاكات الحقوقية التي قمتم بتسجيلها؟
لا يمكن أن ننكر الظروف المستجدة فرضت علينا أشكال عمل تراعي الإكراهات، بحيث لم نتمكن في الجمعية، بسبب الحجر الصحي، من متابعة وملاحظة كل خروقات وانتهاكات حقوق الإنسان، خاصة المحاكمات التي تعرض لها الآلاف من المعتقلين الذين تم توقيفهم بسب خرق قانون الطوارئ؛ وبالرغم من ذلك تمكنت الجمعية، مركزيا أو عبر فروعها المحلية والجهوية من توثيق العديد انتهاكات حقوق الإنسان، ويمكن أن نشير أساسا إلى:
  1. حملة الاعتقالات والمحاكمات التي تستهدف المواطنين إما بسبب خرقهم للحجر الصحي وقوانين الطوارئ الصحية، حيث يتعرض خلالها العديد من المعتقلين لانتهاك سافر لسلامتهم البدنية ولضرب لكرامتهم، أو بتهمة نشر أخبار زائفة، مما يشكل اعتداء على حرية التعبير في كثير من الحالات، ووثقت الجمعية أزيد من 30 حالة اعتقال ومتابعة بسبب التعبير عن الرأي في وسائط التواصل الاجتماعي مست العديد من مناضليها؛
  2. استمرار مجموعة من رجال السلطة وأفراد القوات العمومية في ممارستهم للشطط في استعمال السلطة والعنف غير المبرر أثناء سهرهم على تطبيق حالة الطوارئ الصحية بعدد من المناطق؛
  3. تواتر حالات الوفيات في مخافر الشرطة وفي السجون، او إثر تدخل القوات العمومية كما هو الشأن بالنسبة لسيدة في مدينة تاونات لقت حتفها على إثر تدخل القوات العمومية لهدم بناء عشوائي قرب منزلها؛
  4. الوضعية المقلقة التي تعرفها مجموعة من السجون في ظل الحالة الوبائية التي تعرفها بلادنا، وتسجيل أعداد كبيرة من الإصابات في صفوف الموظفين والنزلاء، حيث أصبحت عدد من السجون بؤرا للوباء؛
  5. استمرار اعتقال عشرات المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي واستثنائهم من العفو الأخير، مما يعد تكريسا لسياسة الانتقام التي تستهدفهم منذ اعتقالهم، 
  6. تزايد العنف ضد النساء في زمن الحجر الصحي، ومعاناة ضحاياه في غياب الدعم والمساندة الضروريين للحماية منه؛
  7. ضعف حماية الفئات الهشة من مخاطر انتشار العدوى ومن انتهاك حقها في العيش الكريم وفي مقدمتها الأطفال بدون مأوى المحرومين من الحد الأدنى من ضروريات الحياة، والمهاجرين القادمين من جنوب الصحراء الذين يفتقرون لوسائل الحماية ولم يدمجوا في مساطر دعم المتضررين، بل عمدت السلطات إلى ترحيل عدد منهم.
  8. الوضعية التي يوجد فيها العديد من المرضى الآخرين الذين يعانون من أمراض مزمنة أو خطيرة والتي قد تتطلب تنقلهم من مدنهم إلى المراكز الاستشفائية الجامعية أو ضحايا حوادث الذين قد تمس الأولويات المطروحة الآن حقهم في العلاج والرعاية الضرورية بالنظر إلى الإمكانيات الهزيلة التي تتوفر عليها المستشفيات حاليا.
  9. مأساة المغاربة العالقين في العديد من البلدان الأجنبية وكذا في مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، في ظروف لا إنسانية تهدد حياتهم بسبب الوضع الوبائي السائد، والتي تنضاف إلى معاناة المغاربة المقيمين بالخارج وذوي الجنسية المزدوجة العالقين في المغرب، وعدم السماح لهم بالرحيل إلى بلدان  الإقامة؛      
  10. معاناة آلاف العمال والمستخدمين في مختلف القطاعات بسبب الأوضاع التي خلقتها الوضعية الوبائية المستجدة، سواء بسبب غياب شروط السلامة المطلوبة سواء في وسائل النقل المهينة، أو في أماكن العمل المغلقة المفتقرة للإجراءات، والوسائل الوقائية الأساسية، خصوصا بعدما تبين أن العديد منها شكلت بؤرة انتشار الوباء. واستغلال بعض المشغلين للأزمة للإجهاز على الحقوق الأساسية للأجراء ، مع حرمان العديد منهم من الأجور بعد توقيفهم عن العمل دون التصريح بهم في الضمان الاجتماعي؛ والذي سينضاف إلى مشاكل العديد من العاملات والعمال غير المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. 
  11. إشكالية التعليم عن بعد، وما تطرحه من مشاكل كبيرة للتلاميذ والطلبة المعوزين، وخاصة المنحدرين منهم، من الوسط القروي، والذين لا يتوفرون على أية إمكانية للتواصل عن بعد، وهو ما يضرب، في العمق، الحق في تكافؤ الفرص لعشرات الآلاف من التلاميذ والطلبة. 
  • ما هو رأيكم كجمعية حقوقية في تطبيق «وقايتنا» لتتبع حالات الإصابة بكورونا، هل تعتقدون أن هذا التطبيق يمكنه تهديد حرية المعطيات الشخصية؟
عبرنا عن تخوفنا وتوجسنا بشأن التطبيقات التي تعدها الدولة لتتبع تنقل الأشخاص وتطبيق «وقايتنا» لتتبع حالات الإصابة بكورونا ومعرفة مخالطي حاملي الفيروس. نظرا لكونها قد تستعمل في التجسس على الأشخاص وتهديد حرية المعطيات الشخصية وانتهاك للحق في الخصوصية المنصوص عليه في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أثناء أنشطة الرقابة. خاصة وأن هناك سوابق في التجسس على المعطيات الشخصية واستعمال برامج التجسس، حيث سبق لأمنستي أن كشفت عن استخدام برنامج التجسس  Pegasus التابع لشركة NSO الصهيونية لمراقبة ناشطين حقوقيين في المغرب.
  • كذلك ما هو موقفكم من مشروع قانون 22.20 الذي وصف بمشروع تكميم الأفواه؟
لقد عبرنا غير ما مرة عن رفضنا لأي قانون يهدف إلى تكميم الأفواه والتضييق على حرية الرأي والتعبير، فمشروع القانون 22.20 الذي حاولت الحكومة استغلال الظرفية الاستثنائية التي تمر منها البلاد لتمريره بغية الرفع من حالة تقييد الحقوق والحريات، عوض أن تجعل منها فرصة لتصفية الأجواء وتحقيق انفراج سياسي بالبلاد؛ سبق وأن طرحته الحكومة في سياق حملة المقاطعة السابقة لبعض المواد خلقت فزعا وتوجسا من قدرة الفضاء الرقمي على التعبئة. وهو ما يوكده التراجع عن طرح مشروع القانون بعد الحملة الإلكترونية السريعة والقوية والمعبرة عن الرفض التام لهذا المشروع التكبيلي، الذي يهدف أولا إلى سحق بؤرة الضوء المتبقية التي يُتيحها الفضاء الرقمي بعد أن أغلقت الدولة كل فضاءات النقاش العمومي، وأساسا إلى إضفاء الطابع القانوني والشرعي لحملة التضييق على حرية الرأي والتعبير في الفضاء الرقمي التي شنتها السلطات منذ أشهر.
  • في ظل حالة الطوارئ الصحية ظهرت عودة تدبير وزارة الداخلية لجميع القطاعات تقريبا، التي تشتغل في زمن الوباء، هل تظنون أن عودة التدبير الأمني والإداري مكان السياسي سيؤدي إلى تراجعات في الحقوق والحريات؟
هذا ليس جديدا وغير مرتبط بالجائحة، فقد قلناها سابقا، المغرب منذ مدة يعيش تحت سيطرة اليد الأمنية والإدارية، حيث تعمل الدولة أساسا على فرض هيبتها وقوتها وهو ما رسخته خلال هذه الفترة، عبر تكريس البنية السلطوية، وتجميلها وتمرير خطاب إيديولوجي لصالحها، حيث المخزن عبر أجهزته خاصة الداخلية والأمن هو الحاكم والآمر الناهي. وقد استغلت السلطة جائحة كورونا، لإعادة تقوية قبضتها الأمنية في المجال العمومي، وارتكزت على منطق المقاربات الأمنية والسجنية، حيث لعبت الأجهزة الأمنية الدور الرئيس في تنظيم حالة الطوارئ في الفضاءات العامة، التي سمحت بتوقيف واعتقال عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات ومتابعة عدد كبير منهم بتهم ثقيلة، بما فيها تهمة إهانة موظف، والتي تسمح بالتأويل الاعتباطي لكلمة أو إشارة أو كتابة واستخراج النوايا وإبعادها عن مقاصد أصحابها.
ولا زالت هذه الأجهزة لا تخضع لأي شكل من أشكال المراقبة والمحاسبة الحقيقية خاصة مع اختيار الدولة مواصلة الاعتماد على المقاربة الأمنية في التعاطي مع الملفات الاجتماعية، وقد بدا ذلك جليا في التعاطي الأمني الصرف مع الاحتجاجات والهبات الاجتماعية التي عرفتها بلادنا خلال السنوات الأخيرة حيث لجات الدولة للمقاربة الأمنية باستعمال مفرط للعنف وعودة قوية للاعتقالات وترويع للمواطنات والمواطنين. 
نحن الآن أمام واقع ثلاثي الأركان: الأمن (الداخلية، الشرطة والاستخبارات)، القضاء، خاصة مع الأدوار التي أصبحت تلعبها النيابة العامة، والارتكاز شبه الدائم على محاضر الضابطة القضائية، وهو ما يضرب عرض الحائط المكتسبات القليلة التي حققتها الحركة الحقوقية والديمقراطية وشعارات الإصلاح التي رفعتها الدولة، فقد رأينا سيادة الرأي الوحيد في تدبير الأزمة وتجريم أو تسفيه كل رأي مختلف. 
عن موقع
mupresse

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق