رؤية الشباب للتعليم في ظل زمن كورونا /أمال بوخريص - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أحدث المشاركات

الجمعة، 29 مايو 2020

رؤية الشباب للتعليم في ظل زمن كورونا /أمال بوخريص

رؤية الشباب للتعليم في ظل زمن كورونا

أمال بوخريص


المحاور الأساسية:

1ـ الحق في التعليم العمومي والمجاني

2ـ جائحة كرونا والأزمة المهولة التي عرفها قطاع التعليم في العالم

  • كيفية تفاعل العالم مع التعليم في ظل هذه الازمة

  • كيفية تفاعل الشباب المغربي

3ـ نوعية التعليم الذي نطمح له كشباب

المحور الأول: الحق في التعليم العمومي والمجاني:

لا يعتبر التعليم امتيازا أو منحة ومنة تتفضل بها الدولة لفائدة مواطنيها، بل هو حق من حقوق الإنسان الأساسية التي كفلتها العهود والمواثيق الدولية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من مصادر القانون الدولي الإنساني.

وهذا التعليم ينبني على مجموعة من المبادئ الأساسية من بينها:

  • تعليم مجاني

  • تعليم متاح للجميع بكافة الوسائل المناسبة

  • تكافؤ الفرص

  • المساواة

  • تعليم ذي جودة

  • تعليم يعمل على تنمية الشخصية الانسانية

  • تعليم يقوم على الحريات الاساسية

لقد شغل الحق في التعليم إجماعا كبيرا بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بحيث إن غالبية النصوص والمواد التي تتعلق بهذا الحق لم تلق أية معارضة أو تحفظ يذكر من قبل الدول المصادقة عليها، بل غالبا ما كانت تحصد الإجماع الدولي على خلاف باقي الحقوق الأخرى، إيمانا بأن الاستثمار في هذا المجال مربح  للغاية ويعود بالنفع على الوطن ويحقق له النماء والتقدم والازدهار.

وبالنسبة للمغرب نجد أن الدستور المغربي عمل على دسترة هذا الحق من خلال مقتضيات الفصول 31 و32 و33 و168 من دستور 2011، لكن المثير في الأمر أننا نجد مجلس الوزراء يصادق، بتاريخ 21 غشت 2018، على مشروع القانون-الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، الذي يندرج في إطار الرؤية الإستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030، بكل تلك السلبيات والتراجعات المخالفة لما التزم به المغرب دوليا. حيث ينص هذا القانون بشكل واضح وجلي على ضرب مجانية التعليم التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية وكذا دستور2011 .

ما أريد قوله هنا، هو أنه في الوقت الذي كنا نطمح فيه إلى الانتقال إلى تغيير جذري في قطاع التعليم، بعد فشل مسلسل الاصلاحات الذي عرفته المنظومة التعليمية مما يفسر لماذا يقع المغرب سنويا في آخر الترتيب العالمي لمؤشرات النهوض بقطاع التعليم حيث احتل سنة 2017 الرتبة 118 عالميا. تعرض التعليم لضربة قوية من خلال المصادقة على قانون الإطار وبذلك أطاحت الدولة المغربية بآخر ما تبقى من مكتسبات الشعب المغربي في هذا الاطار.

المحور الثاني: جائحة كرونا والأزمة المهولة التي عرفها قطاع التعليم في العالم:

 أحصت اليونيسكو 138 دولة اتخذت قراراً بإغلاق تام أو جزئي للمدارس والمجموعات، ما يعني أن 1.37 مليار تلميذ وطالب عبر العالم تأثروا سلباً، أي أنه بين كل أربعة أطفال، ثلاثة تأثروا بهذه الإجراءات. أمام هذا الرقم المهول من تضرر فئة عريضة من التلاميذ في كل بقاع العالم كان التعليم عن بعد هو الخيار الانسب في ظل هذه الجائحة. إلا أنه يجب أن نعلم بأن استخدام الإنترنت في العملية التعليمية ليس وليد اليوم بل يعود إلى ما قبل عام 2000. ومعظم الجامعات تستخدم اليوم ما يسمى “أنظمة إدارة التعلم”. وفي ظل “أزمة كورونا” التي يعيشها العالم؛ توجهت غالبية المؤسسات التعليمية نحو التعليم الإلكتروني كبديل أنسب لضمان استمرار العملية التعليمية. إلا أن هذه الالية الحديثة لابد أن تراعي مجموعة من الجوانب قبل استخدام التعلم الالكتروني

  • يجب على الأستاذ أن يقوم بتصميم تعليمي ونقصد بذلك أن يقوم ب:

 ـ دراسة الاحتياجات التعليمية للطلاب.

 ـ تحديد الأهداف والوسائل المناسبة لتحقيقها.

 ـ وتحديد أدوات لقياس مدى التعلم والتغذية الراجعة.

  • اختيار الوسائل التعليمية المناسبة لإشراك جميع الطلبة والمحافظة على انتباههم عبر الأجهزة.

  • التفكير في وسائل التقييم المناسبة خاصة أن التقييم الإلكتروني يبدو متعسرا، لتعذر عملية المراقبة تفاديا للغش باستخدام نفس الأجهزة.

  • مراعاة تنوع أنماط التعلم لتحقيق عملية تعليمية عادلة وناجعة (السمعي ـ البصري الحركي ونمط التعلم بالقراءة والكتابة)

  • الجاهزية لاستخدام التكنولوجيا الحديثة في عملية التعلم، وهذا ليس انتقاصا منهم ولكنه واقع فرضه الاكتشاف المتأخر لكثير من أجهزة التكنولوجيا والتطبيقات .

  • توفر التكنولوجيا باعتبارها عاملاً مهماً لنجاح فكرة التعلم الإلكتروني، فبدونه سيغدو الأمر مجرد حلم. لهذا لابد من توفر الأجهزة وشبكة الإنترنت وسرعة الإنترنت وحُزَم الإنترنت.

1ـ كيفية تفاعل العالم مع التعليم في ظل جائحة كورونا.

على الرغم من الحاجة الماسة إلى التعليم عن بعد في زمن كورونا، إلّا أن هناك انتقادات مطوّلة من خبراء في التربية لهذه التقنيات، بل إن دراسة لمركز السياسات الوطنية التعليمية في الولايات المتحدة أوصت عام 2019 بوقف أو تقليل المدارس الرقمية في البلد حتى غاية التأكد من أسباب ضعف مردودها الذي ظهر جلياً في خلاصات الدراسة، مقارنة بالمدارس التقليدية.تقول لينو غوزيلا، رئيسة جامعة ETH في زيوريخ، في إحدى تصريحاتها أن التفاعل بين الطلبة والمشرفين عليهم في فضاء جامعي حقيقي صغير، هو مفتاح التعلّم العميق.

 فيما تقول يانغ هاي وين، من جامعة الطب في غوانزو الصينية، في نفس السياق إن التعليم الرقمي يؤدي إلى تخريج طلبة أقل كفاءة ويخلق الإحباط في التواصل بين الأشخاص. إلا أن معظم خبراء التربية استخلصوا في نهاية المطاف أنه على الرغم من مساوئ هذا التعليم الرقمي، فإنه يظل بديلا مؤقتا فقط وسيتم التغلب على مجمل هذه المساوئ مستقبلاً، هكذا يبقى التعليم عن بعد بديلاً للتعليم التقليدي في الحالات الحرجة.

2ـ كيفية تفاعل الشباب المغربي مع أزمة كرونا في ظل قطاع التعليم:

في الحقيقة إن الذاكرة التعليمية ستذكر عام كورونا بأنه العام الذي خلد موسما دراسيا استثنائيا عاشت فيه المدرسة المغربية واحدا من أسوء مواسمها الدراسية ليس بسبب الجائحة التي اجتاحت العالم فحسب، ولكن أيضا بسبب تدبير وزارة التربية الوطنية للشأن التعليمي في هذه الأزمة والذي كان كارثيا.

فمع بداية ظهور الوباء في بلادنا لم تكن تملك الوزارة تصورا واضحا لمواجهته فاضطرت لمحاكاة تجارب خارجية، تحديدا التجربة الفرنسية، حتى بلغت حالة من التماهي معها جرت عليها وابلا من السخرية، حيث لم يكن يصعب توقع قراراتها التالية، فأي إجراء تربوي فرنسي يُتَّخَذُ يصل صداه بعد يومين أو ثلاثة إلينا لدرجة تحولت معها وزارة التعليم المغربية إلى ملحقة من ملحقات وزارة التربية الوطنية الفرنسية وإلى نسخة رديئة لها.وعلى هذا المنوال اقرت الوزارة الوصية على غرار بلدان العالم ومن ضمنها المغرب على انتقال مفاجئ نحو التعليم عن بعد. وحاولت تسهيل العملية بخلق منصات للتعليم الالكتروني وبث الدروس على بعض القنوات الوطنية …فكيف كان رد الشباب في قطاع التعليم على هذه القرارات؟

طبعا فإنه لن يخفى على أحد الطريقة التي استقبل بها معظم الشباب هذه القرارات، إذ كان أغلبنا يتابع المستجدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي فإذا بنا لاحظنا موجة عالية من السخرية إبان هذا الموقف الهش التي أبانت عليه الوزارة، في الواقع إن الضحك يكسر الممنوعات، ويسخف المعايير الاجتماعية، ويهدد كل الأوضاع الثابتة ويخلخلها لذلك يشكل الضحك حالة ثورية ضد كل ما هو هش وغير لائق ومرفوض. وهذا ما عبر عنه جورج أورويل حينا أكد أن” كل نكتة تمثل ثورة صغيرة”.

بعد  ذلك بدأنا نلاحظ تجاوب مجموعة من الأساتذة والأستاذات للتعليم عن بعد  وذلك لانقاذ ما يمكن إنقاذه وحتى لا يتم حرمان أبناء الشعب المغربي من حقهم في استكمال التعلم، هكذا انخرط البعض في تصوير الدروس وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي لاستكمال عملية التعلم أو عن طريق بث مباشر للدروس وخلق مجموعات عبر الواتساب أو استخدام تطبيق زوم … كل هذه المبادرات التي قام بها رجال ونساء التعليم ومن بينهم فئة عريضة من الشباب للأسف الشديد لم تأتي أكلها… وهذا أمر طبيعي نظرا لأن التعليم عن بعد آلية ترتكز على مجموعة من الشروط الأساسية والتي يمكننا أن نؤكد وبشكل قطعي أن المنظومة التعليمية المغربية لا تتوفر على نسبة قليلة منها، الشيء الذي جعل الشباب المغاربة في قطاع التعليم أمام مجموعة من العقبات والتعثرات الناتجة عن استخدام هذا البديل التعليمي.

إن العمل عبر آلية التعليم عن بعد الفصح عن الكثير من المشاكل، وأهمها:

  • أن شرط التفاعلية في التعليم الأساسي غائب تقريباً، فأغلب التلاميذ والتلميذات لم يتفاعلوا مع ما قدمه الاساتذة والأستاذات من مجهودات نظرا لأن عدم الذهاب إلى الفصل بالنسبة للعديد من الطلاب يعتبر بمثابة عطلة.

  • واجه التلاميذ العديد من المشاكل التقنية في مشاهدة هذه الدروس، خاصة مع ضعف سرعة الانترنت في الكثير من المناطق.

  • الاصطدام مع ثغرات في الأدوات الرقمية المستخدمة كما جرى مع تطبيق زووم الذي تعرّض لانتقادات كبيرة لمزاعم تخصّ عدم احترام الخصوصية.

  • هناك إشكالية أخرى طرحها التعليم عن بعد تتعلّق بالأطفال الذين يعانون مشاكل في النظر أو السمع، إذ لم يتم بعد توفير حل تقني يتيح لهم كذلك الاستفادة من التعليم عن بعد.

·        توجد مشكلة التجهيزات وولوج الانترنت مطروحاً في المدن والتي تزداد حدة في الأرياف، خاصة أنها لا تتوفر على شبكة اتصال قوية بالإنترنت. عدم تكافؤ فرص في الوصول إلى بوابات التعلم الرقمية خاصة للطلاب من العائلات المحرومة.

  • عدم إعداد المدرّسين للتعليم عن بعد، إذ ينحصر جلّ  التدريب على التعامل داخل الفصل الدراسي الحضوري، وجلّ المبادرات الرقمية التي كانت تتم بين المدرسين والتلاميذ كانت تطوّعية.

  • وهناك تحدٍ آخر يخصّ الثقافة الرقمية للتلاميذ، فغالباً ما تركز المناهج التقليدية على برامج بسيطة مثل اوفسOffice مقارنة مع مناهج دول متقدمة تتيح للتلاميذ دروساً جد متقدمة في المجال الرقمي.

  • عندما تُغلق المدارس، يُطلب من أولياء الأمور غالبًا تيسير عملية تعلم الأطفال في المنزل، وقد يواجهون صعوبة في أداء هذه المهمة. هذا ينطبق بشكل خاص على الآباء ذوي التعليم والموارد المحدودة.

  • في غياب الخيارات البديلة، غالبًا ما يُترك أولياء الأمور من العاملين الأطفال وحدهم عند إغلاق المدارس، وقد يؤدي ذلك إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، بما في ذلك زيادة تأثير ضغط الأقران وتعاطي المخدرات.

  • من المرجح أن يفوّت أولياء الأمور من العاملين العملَ عندما تُغلق المدارس من أجل رعاية أطفالهم، ما سيؤدي إلى فقدان الأجور في كثير من الحالات والتأثير سلبًا في الإنتاجية.

  • غالبًا ما تمثل النساء نسبة كبيرة من العاملين في مجال الرعاية الصحية، ولن يمكنهنّ غالبًا الانتظام في العمل بسبب التزامات رعاية الأطفال الناتجة عن إغلاق المدارس. هذا يعني أن العديد من مُزاوِلات المهن الطبية لن يتواجدن في المرافق التي هي بأمس الحاجة إليهن خلال الأزمة.

  • من خلال التحليل القيم الذي قدمتموه لابد أن أزيد بعض الإضافات هي أن جل المؤسسات الخاصة تضغط على أطرها ويحاولون جهد الإمكان من التواصل مع التلاميذ رغم أن هؤلاء الأساتذة أرهقوا أنفسهم من تعبئة الهواتف لأنه مفروض عليهم وبما أنهم في وضعية غير مهيكلة يخافون على مناصبهم بعد الجائحة

  • يعتمد العديد من الأطفال والشباب على وجبات مجانية أو مخفضة تقدم في المدارس من أجل الغذاء وضمان التغذية الصحية. عندما تُغلق المدارس، يشكل هذا خطرًا على تغذيتهم.

 إننا نعلم جيدا أن تأثير الوباء سيستمر ربما لفترة أطول، ولكن عندما تتم إعادة فتح المدارس والأقسام العام الدراسي المقبل، نطمح أن يعمل  العالم الأكاديمي والتربوي في التفكير ووضع خطة استراتيجية في تكييف التعليم مع حالات الطوارئ وإنشاء آليات بحيث يكون للتعليم عن بعد نفس جودة التعليم في الفصل الدراسي.

المحور الثالث: نوعية التعليم الذي نطمح له كشباب:

في كل مرة نسمع فيها عن مشروع لإصلاح التعليم في بلادنا، نبحث بحرص زائد عن المضامين الفلسفية التي تنبثق منها تلك المشاريع، أكثر من بحثنا عن التفاصيل التقنية مثل تطوير قدرات المعلمين، وتطوير المناهج الدراسية، وتحسين الفضاءات التعليمية..

صحيح أن هذه أمور مهمة وأساسية لبلورة مشروع إصلاح التعليم لكن يجب التركيز على القاعدة الأهم والتي التي يجب أن ينطلق منها أي إصلاح أو تطوير للمنظومة التعليمية كما نرى من تلك المسائل التقنية وهي مسألة فلسفة التعليم والتي يتم إغفالها بشكل مقصود.

لماذا فلسفة التعليم؟

فلسفة التعليم قضية فكرية كبرى تُعنى بالأسئلة الأساسية من قبيل: ما الغاية من التعليم؟ وما الغرض من تأسيس المدارس؟ وكيف ينبغي للتلميذ أن يتعلم، وما هو دوره؟ وما طبيعة التلميذ الذي نطمح له؟وما هو دور المعلم في عملية التعليم؟ وما هو دور المنهج في هذه العملية؟ وما هو دور السلطة السياسية في العملية؟ 

إن من يظن أن الجواب على هذه الاسئلة أمر سهل ويمكن تجاوزه أو تلخيصه في إنشاء نظري ممكن غض النظر عليه، فهو بكل تأكيد واهم، فجل الاصلاحات التي تم اعتمادها سابقا أنتجت نظاما تعليميا هشا يعتني بالمظاهر الخارجية، ويحتفل بالإنجازات الهشة، على هذا الأساس نؤكد على ضرورة الاهتمام بفلسفة التعليم كركيزة أساسية لتغيير جذري لمنظومة التعليم.

وفي ظل هذا الندوة قررت ألا أسلط الضوء على الأفكار الفلسفية والتربوية من العالم الغربي باعتباره المنتج الأوحد للثقافة العليا، ولكننا على خلاف ذلك سنقدم  مثالًا فكريًّا وفلسفيًّا اكتسب شهرة عالمية واسعة محتلًّا بذلك مكانة مرموقة في عالم الفكر التربوي، ونعني هنا المفكر البرازيلي التربوي “باولو فريري” الذي استطاع أن يخرج بفكر نقدي جاء نتيجة  تفاعل مع ظروف قاسية عانى منها المجتمع البرازيلي كواحدٍ من المجتمعات التي وقعت كثيرًا تحت مختلف اشكال الاستغلال والفقر والتبعية، فأفرز عن فكر أصيل يسعى إلى تغيير الواقع الاجتماعي لا ليكون مجرد نسخة مقلدة للنموذج الغربي، وإنما لتحريره وبنائه وفق احتياجات الجماعة التي ينتمي إليها.

ولقد بيّن فريري من خلال كتاباته المتعددة أنّ القهر أو السيطرة هو السمة الرئيسة للعصر الذي نعيشه في العالم الثالث، ويعمل هذا القهر على اقناع الناس بأن يعتقدوا أنّ الفقر والظلم الاجتماعي حقيقتان طبيعيتان يجب التكيف معها بصيغة أو بأخرى. الشيئ الذي يجعلهم غير قادرين على تغيير واقعهم وسعيهم الجاد نحو المستقبل. وبالتالي في مجمل الاحيان نهرع لاستعارة حلول لمشاكلنا من المجتمعات الاخرى دونما فحص أو تحليل نقدي لسياقاتها التاريخية التي ظهرت وتبلورت فيها، فنصبح أمام مشاريع هجينة من الاصلاح.

 ما يراه باولو فريري حقا في هذا المنظور هو الوعي بالتعليم كشرط أساسي لتحرر الناس من مخاوفهم وقهرهم وتبعا لهذا يرى أن هناك طابع قهري يطبع المؤسسات التعليمية في العالم الثالث، وذلك فيما اصطلح عليه بـ”التعليم البنكي”. وهو إيداع المعرفة في أذهانهم من قِبل الأساتذة.

هناك شريحة كبيرة من الأساتذة المتنورين ببلادنا الذين يرفضون التعليم البنكي بمختلف الياته ويطمحون الى تغيير جذري في مجال التعليم يستجيب للفئة التي نقوم بتدريسها في المدارس العمومية وهي الفئة الهشة التي تستحق تعليما ذا جودة يرتقي بإنسانية الانسان.

وهذا الرفض راجع لكون التعليم الذي نعلمه لأبناء الشعب يختزل في العلاقات التالية:

1- الأستاذ يُعلّم والطلبة يتلقون.
2- الأستاذ يعرف كل شيء والطلاب لا يعرفون أي شيء.
3- الأستاذ يفكر والطالب لا يفكر.
4- الأستاذ يتكلم والطالب يستمع.
5- الأستاذ ينظم والطالب لا ينظم.
6- الأستاذ يختار ويفرض اختياره والطالب يذعن .
7- الأستاذ يتصرف والطالب يعيش في وهم التصرف من خلال عمل الأستاذ .
8- الأستاذ يختار البرنامج والمحتوى والطالب يتأقلم مع الاختيار.
9- الأستاذ يرتب المعرفة ويتدخل فيها ويحول دون الطلاب ودون ممارستهم لحريتهم.
10- الأستاذ قوام العملية التعليمية والطالب نتيجتها.

 
والحال أننا نطمح كشباب إلى تحويل هذه الممارسات القهرية في نظام التعليم البنكي إلى تعليم تحرري يقوم على الوعي النقدي، والذي يمر عبر الإيمان بالإنسان، وخلق الوعي الثقافي، والسعي نحو الحرية. إن الإيمان العميق بالإنسان كشرط للتعليم التحرري هو المبتغى الذي نريد أن نصل إليه. لا نريد أن يكون التعليم أداة للقهر وإنما طاقة للتحرر.

وليكون كذلك يجب أن تلتصق المسؤولية الأخلاقية بالمهنة التعليمية، ويجب ألّا يكون المعلم فقط هو مصدر المعرفة الوحيد وكأن الطلاب ليس لديهم أي معرفة أو خبرة، ومن ثم فإن موقف التدريس في الفصل الدراسي وفي غيره مما يسود جو المدرسة من أوامر وعلاقات تسلطية أحادية تتحرك من أعلى إلى أدنى، تعكس نمط العلاقات السياسية غير الديمقراطية في المجتمع، وهذا يؤدى إلى ترسيخ هذه العلاقات وإعادة إنتاجها.

كما يجب الاخذ بأهمية احترام ما لدى المتعلم من معرفة، وهذا يقتضي أن تقوم عملية التعليم على أساس المنهج الحواري الذي يشجع فضول المتعلم ورغبته في المعرفة، والتساؤل الرحب، والتفاعل الحقيقي  بين المعلم والمتعلم، وعلى ممارسة التفكير النقدي في فهم الواقع المعيش، والاستقلالية في اتخاذ القرار، والتساؤل الفضولي، وهي قدرات لا تنمو وحدها ولكنها تتبلور نتيجة عوامل متعددة تؤدي إلى النضج السليم.

يجب على الناس الاعتراف بنقصهم المعرفي لان وعينا بأننا ناقصون هو ما جعلنا قابلين للتعلم. والتأكيد من جهة أخرى على احترام استقلالية المتعلم.

في الختام، نود أن نقول أنه من الجلي أن هناك غياب تام لإرادة سياسية للنهوض بقطاع التعليم، وأن الحل الوحيد للارتقاء بقطاع التعليم أو غيره من القطاعات هو انخراط جميع الاحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني  التقدمية والديمقراطية، وجميع المغاربة الغيورين على مستقبل أبناء هذا البلد  في بناء مشروع نضالي وحدوي قوي من شأنه التصدي لهذه السياسة التعليمية غير الشعبية وغير الديموقراطية والتي تمارس مزيدا من القهر على أبناء الشعب المغربي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق