المعطي بوملي.. طالب يساري قُطعت أوصاله بـ “لقاط” وجُمع دمه في قنينات - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أحدث المشاركات

الاثنين، 18 مايو 2020

المعطي بوملي.. طالب يساري قُطعت أوصاله بـ “لقاط” وجُمع دمه في قنينات

المعطي بوملي.. طالب يساري قُطعت أوصاله بـ “لقاط” وجُمع دمه في قنينات

ذاكرة الألم والأمل.. يساريون قضوا بالسجن أو الاختطاف والنفي

بصم اليساريون المغاربة باختلاف تنظيماتهم، على تجربة سياسية يستحيل أن يتخطى كاتب التاريخ أو قارؤه فصولها المطبوعة بلغة التضحيات الجسيمة والاعتقالات والاغتيالات والنفي والتهجير.. هي تجربة تنبعث منها رائحة الأقبية النتنة، وأصوات مفاتيح الزنازين الغليظة، وآلام البطون الفارغة، كما تنبعث منها إرادة الحياة، التي كانت تشد أغلب من عاشوها إلى كتابة “المستقبل” بقلم الأمل في الأفضل، وإلى رسم لوحة القادم بألوان تنصف قضية الإنسان المغربي.
وباختلاف هوامش نشاطهم، سواء تلك التي تستحضر الخطوط الحمراء أو تلك التي ترى بالأخضر كل الخطوط، من أقصى الراديكالية السياسية إلى أقصى الإصلاحية، ومن العمل الثوري السري والتخطيط لقلب موازين الحكم إلى النشاط العلني الهادف إلى الإصلاح، سجّل التاريخ أسماء كثيرة لمناضلين قضوا نتيجة إيمانهم بالمواقف، في زمن “الجمر والرصاص” الذي لم يؤمن إلا بلغة البقاء للأقوى..
في هذه الحلقات، وطيلة أيام شهر رمضان، ستُرجع جريدة “أمَزان24” معكم أسماء “استشهدت” في السجون، أو قضت بها سنوات طويلة لتخرج بأعطاب في الجسد والذاكرة، وأسماء أُجبرت على توديع الوطن لتراقبه من المنفى.

الحلقة العشرون: المعطي بوملي.. طالب يساري قُطعت أوصاله بـ “لقاط” وجُمع دمه في قنينات

بالنظر إلى الطريقة البشعة التي قتل بها الطالب اليساري المعطي بوملي، الذي كان يدرس قيد حياته بكلية العلوم وجدة، تعطي الانطباع كأن الأمر يتعلق بشخصية سياسية بارزة، كان لها أعداء يريدون نهايتها. لكن المعطي لم يكن سوى طالبا في سنته الثانية ومناضلا يساريا يتلمس أولى خطواته مع الطلبة القاعديين، مؤمنا بأن هذا العالم يجب أن يكون بلا ظلم ولا اضطهاد “طبقي”.
يختزل السياق الذي جاء فيه مقتل الطالب اليساري المعطي بوملي جزءا كبيرا من الأحداث، التي مازالت متحكمة في واقع الجامعات المغربية إلى الآن، وحتى في علاقة التنظيمات الحزبية بين الإسلاميين واليساريين خارج الجامعة، إذ شكلت واقعة الاغتيال نقطة تحول، وما جاء بعدها لم يكن مثل الذي مضى.
وتعتبر الجماعات الإسلامية، المتهم الرئيس في ملف الطالب اليساري المعطي بوملي، الذي اختطف واغتيل بطريقة وصفت بالبشعة، ومازال قبره مجهولا إلى اللحظة، إذ يُحمِل رفاقه مسؤولية الوفاة للجنة مشتركة بين “جماعة العدل والإحسان” والرعيل الأول الذي سيشكل فيما بعد حزب “العدالة والتنمية” بتنفيد عملية الاغتيال من ألفها إلى ياءها. وتمتد التهم في رأي اليساريين لتشمل حتى أجهزة في الدولة حينها، والتي يُنظر إليها باعتبارها هي التي وفرت الغطاء لهذه الجماعات، والتي تسترت على “الجريمة”.
بدأت قصة “اغتيال” المعطي في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، إذ كانت التنظيمات الإسلامية قد انتبهت فجأة إلى أهمية العمل بالجامعات، لتحول كافة إمكاناتها لفرض تواجدها هناك. لكنها ستواجَه برفض من المكونات اليسارية، التي كانت متغلغلة في الساحات الجامعية آنذاك، رغم حملات الاعتقال التي امتدت طيلة سنوات الرصاص تجاههم.
رفضت التنظيمات اليسارية أن تتقبل وجود قادم جديد إلى الساحة الجامعية لعدة اعتبارات، إذ كانت هذه التنظيمات تمثل لليساريين توجها “رجعيا” يُعادي مبادئ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ولن تكون له أي اضافات معقولة لنضالات الطلبة، وهو توجه يبني منطلقاته على أساس لا يمت بأبجديات النضال الجامعي بصلة. في حين كان “الإسلاميون” يوجهون تهمة “الإلحاد” تجاه اليساريين، وهي التهمة التي شملت حتى نقابة الطلبة، التي تحول اسمها من الاتحاد الوطني لطلبة المغرب إلى “الاتحاد الوثني لملاحدة المغرب”.
وبهذا، تشكلت معالم القطيعة التي مازالت ممتدة إلى حدود اللحظة واكتملت، لتنشأ بذلك مرحلة من العنف والدماء، سقط ضحيتها أكثر من طالب يساري، ومازالت تداعياتها مستمرة إلى اللحظة. ويعتبر المعطي بوملي أول من سقط في هذه المواجهة بالجامعة، بعدما سبقه الاتحادي عمر بنجلون منتصف السبعينات. ورغم محاكمة الجناة في ملف المعطي، إلا أن قضيته مازالت مثار أسئلة، وعلى رأسها سؤال أين يوجد القبر؟
يحكي رفاق المعطي، أنه كان طالبا ملتزما على قدر كبير من المسؤولية والأخلاق. إنسان جمع الالتزام النضالي والتفوق الدراسي، على الرغم من أنه عاش بعيدا عن حضن والديه، إذ توفي أبوه وهو في سن مبكرة، وتزوجت أمه مرة أخرى، فعاش حياته في كنف خالته، التي سهرت على تربيته والتكفل بمصاريف دراسته، لكن حلمه في أن يكمل دراسته سرعان ما تبدد، بعد ما شملته “فتوى” بالقتل من طرف “الإسلاميين” وكانت هذه التهمة جاهزة، وتطارد الكثير من الأعناق، التي استُبيح دمها بتهم “الزندقة والإلحاد والكفر”.
مات المعطي بوملي، وانفطر قلب عائلته بسبب فقدانه عن سن سن يناهز 20 سنة. وتحول بذلك إلى “رمز” تتبناه الفصائل اليسارية، وقضية تُشهر في كل مرة في وجه “الإسلاميين”. فذكرى المعطي مازالت تستحضر كل سنة، ويرفع اسمه في الأهازيج والشعارات الطلابية اليسارية، وهو الذي بصم على مسار سياسي قصير، كان كفيلا أن يجعل اسمه على رأس لائحة المطلوبين، فكان أن وُقِّعت نهايته بطريقة مأساوية تقشعر لها الأبدان كلما رُويت على المسامع.
علاوة على ما سلف، كان السياق محكوما بوضعية متسمة بتراجع المد اليساري عالميا، فها هو الاتحاد السوفياتي ينهار فاسحا المجال أمام نظام أحادي القطبية، وها هي معارك “الجهاديين” تحط أوزارها بأفغانستان ضد مد قادم من الشرق، لكن أسماء المدن الأفغانية ستُطلق مطلع التسعينات على الجامعات المغربية، فتحولت جامعة فاس إلى “كابول” وجب “فتحها”، وكذلك كان بالنسبة لأسماء كليات أخرى. وكانت الجماعات تبحث عن موطئ قدم بتوظيف أتباعها، حتى من الذين لم تكن تربطهم بالجامعات أي صلة.

القادم من تازة نحو وجدة..

بمدينة تازة وذات يوم من سنة 1971 سيرى المعطي بوملي النور أول مرة بدوار أيت بوملي (الواد البارد)، وهو النور الذي سينطفئ بسبب تخييم “الظلام” يوم فاتح نونبر من سنة 1991، بعدما بلغ عقدين من الزمن.
عاش المعطي يتيما محروما من حنان الأب، بعدما توفي هذا الأخير و هو مازال صغيرا، وسيمتد الحرمان ليشمل الأم أيضا التي حرم من حنانها بعد أن تزوجت وأسست حياة جديدة، فكانت خالته هي الصدر الرحب الذي احتواه، والتي ناضلت من أجل تربيته، وحرصت كل الحرص على تعليمه والتكفل بمصاريف دراسته.
أبى المعطي إلا أن يكون عند حسن ظن خالته، فتابع دراسته إلى أن ولج الثانوية بمدينة جرسيف، وحصل على شهادة الباكلوريا موسم 89/90 شعبة الرياضيات بميزة جيدة، فقرر بعدها الالتحاق بكلية العلوم جامعة محمد الأول بوجدة موسم 90/91 شعبة الفيزياء والكيمياء، ليجتاز السنة الأولى بميزة مستحسن، ولينتقل بعدها إلى السنة الثانية.

المعطي مناضل يساري

عندما ولج المعطي بوملي الجامعة، كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في أوجه، وهو الإطار النقابي الذي كانت تحت لوائه تجتمع الأصوات المنددة والرافضة للسياسات، فما كان من المعطي إلا أن التحق بالإطار، ليضم صوته إلى أصوات باقي الطلبة، وعلى الرغم من حداثة سنه، كان المعطي بقناعاته الراسخة، وبتمسكه النضالي من داخل “أوطم” وفصيل “النهج الديمقراطي القاعدي” ذي الإيديولوجية الماركسية اللينينية.
ويحكي الذين جايلوه أنه كان طالبا متميزا بصرامته المبدئية في الدفاع عن المطالب الطلابية، إذ كان متسما بحركيته ونضاله، ما جعل منه اسما على اللائحة السوداء عند الدولة، وعند الجماعات الإسلامية كالمتطرفة”، وعلى رأسها “جماعة العدل والإحسان”، وهي الجماعات التي كانت قد لجأت إلى لغة العنف لتفرض “شرعيتها” من داخل الساحة الجامعية، فكانت الهجمات التي توجت باغتيال الطالب اليساري المعطي بوملي.

وقائع الاغتيال

في يوم الخميس 31 أكتوبر من سنة 1991، وبينما كان المعطي بوملي داخل قاعة الأشغال التطبيقية (TP) في الكلية إلى جانب زملائه، ستدخل عناصر مدججة بالأسلحة، وهي على حد وصف القاعديين (لجنة مشتركة ما بين جماعة بنكيران وجماعة عبد السلام ياسين)، دخلت تلك العناصر إلى القاعة لتختطف المعطي من وسط زملائه، وأمام أنظار أستاذه، اقتيد وهو يصرخ إلى أحد منازل حي القدس.
وبحسب ما يروج، أن “الفتوى” كان قد أصدرت في حقه من طرف ما يعرف بهيئة الفتاوى، وكان الحكم هو “الإعدام”، لكن تنفيد الحكم سيتم بطريقة وصفت بالسادية، إذ مورس في حقه تعذيب يعبر عن الحقد الذي كان يكنه منفذو الجريمة، إذ عملت تلك العناصر على تقطيع شرايينه وأعصاب رجليه ويديه بواسطة “اللقاط” و جمع دمه في قنينات زجاجية، واستمر التعذيب إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة في ساعة متأخرة من الليل يوم اختطافه.
وفي الصباح المبكر، وفي حدود الساعة الخامسة من يوم فاتح نونبر 1991، رميت جثة المعطي، بعدما تم تشويهها من جراء التعذيب بالحي نفسه.

القاتل معروف والقبر مجهول

بعد رمي جثته بشارع في نفس الحي الذي عذب فيه، سيتم إخبار الشرطة من طرف حارس ليلي، فتوافدت عناصر الأمن إلى هناك، ونقلت جثة المعطي تحت حراسة مشددة إلى مستشفى الفارابي بوجدة، ورفضت السلطات تسليم جثته إلى عائلته ورفاقه، حتى لا تكتشف الطريقة البشعة التي مات بها، ليدفن فيما بعد بقبر مجهول وبدون سمه، فكان أن قتل المعطي مرة أخرى عندما حرم من قبر معلوم يواري جثمانه.
في اليوم الموالي استطاعت الشرطة إلقاء القبض على 12 عنصرا من جماعة “العدل والإحسان”، حكم عليهم بالسجن النافذ، إلى أن تم إطلاق 11 عنصرا منهم يوم فاتح نونبر 2009 بعد عفو ملكي، ليقضوا خلال فترة الحكم 18 سنة من الاعتقال، وتم استقبالهم من طرف زعيم الجماعة “عبد السلام ياسين” وكبار قادة الجماعة.
خرج الجناة بعد قضاء محكوميتهم، لكن بشاعة الجريمة مازالت تستحضر كلما بلغ الفاتح من نونبر من كل سنة، ورغم مطالب الحقوقيين والمراسلات من أجل الكشف عن قبر المعطي، إلا أن جواب الوكيل العام، كان هو أن قبر المعطي بوملي مجهول لحدود اللحظة، ليستمر بذلك لغز الدفن قائما إلى جانب جريمة “الاغتيال” البشعة، لتشكل نهاية مأسوية في قصة طالب يساري اسمه المعطي بوملي.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق