رسالتي إلى ولدي الغالي ليومك الستين من الاعتقال التعسفي. - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أحدث المشاركات

السبت، 26 سبتمبر 2020

رسالتي إلى ولدي الغالي ليومك الستين من الاعتقال التعسفي.


رسالتي إلى ولدي الغالي ليومك
الستين من الاعتقال التعسفي.
سلامي إليك ياحبيب القلب.
ها أنت تُقفل الشهرين في زنزانة الظلم والانتقام بدون تهمة .
إن الأحداث المؤلمة لا تُحدِث رجاتِها إلا بعد حين.
حين كنتُ أرافقك حبيبي إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية صحبة أعز رفاقك وأودعك على بابها ، فأشعر أني أسلمك إلى المجهول.
ثم أرابط على بابها طيلة اليوم . وأنت تلج ذلك المكان ، كان قلبي ينفلت من صدري.
وعندما يلوح خيالك وأنت خارج ، بعد يوم كامل من الغياب ، تنفرج أساريري وكأني أعيش لحظة ولادتك الجديدة .
تكررت هذه المعاناة شهرا كاملا ، وكل مرة كنت أفقدك وتعود منتصباً.
لقد فرحنا بقدومك للدنيا ووضعنا قلبينا رهن قلبك وكانت تهزنا وترعبنا لحظات أن نرَ في عينيك حزناً أو ضعفاً أو قهراً فنُقهر.
كنا نتألم لحرارتك عندما ترتفع أو تشكو من ألم فيشتد ألمنا.
وأنت تكبر أمام أعيننا وتغوص في هذه الحياة وتشعر بظلم أو تتعرض لعنف مادي أو نفسي ، كنا نحضنك ونقبلك ونحميك ونشعرك بأننا معك وأنك فلدة كبدنا.
جعلنا حياتنا فداءً لك ومنحناك كل الحب ومنعنا عنك كل أذى.
كما وضعنا أمامك كل إلإمكانيات التي استطعناها لتصير كما أنت الآن .
وتأتي سلطة الاستبداد لتخطفك منا وتخفيك عن عيوننا .
نريدك حراً طليقاً كما أنجبناك .
وأنت يشتد عودك وتبدأ في أخذ مكانك إلى جانب المقهورين، رحت تكشف عن أوجاع الوطن وتضعها أمام المواطنين بكل شجاعة وتجرد ، وواجهت محناً لا يتحملها إلا مقاوم شرس ومخلص لما حمله قلبه واقتناعه.
قلبك يتسع للكون كله لكنه رقيق للمعاني الرقيقة.
أذكر كلما شدَّت عليك الحياة بكلكلها أو عشت تجربة حب فاشلة أو خيانة صديق كنت تأتي إلي وترتمي في صدري وتبكي فتُبكيني .
ما أكبرك ياولد.
كيف تجتمع الشجاعة والإقدام والإحساس الرهيف في قلب واحد ؟
كنتَ، عندما تخرج من مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تحكي أشياءً وتخفي بعضها خوفاً علينا.
وأنا الآن ،عندما أعود إلى تلك الأيام ، تنتصب أمامي حقيقة تلك التحقيقات وما واكبها من تحقير واستنزاف لصبرك .
كان ضابط هذه الشرطة يحتجزك اليوم بكامله ولم تكن مدة الأسئلة تتجاوز الساعتين على أكثر تقدير. وكان عليك أن تتحمل اليوم بكامله وهو يغادر المكتب لساعات.
وكنت تحمل معك كتاباً لتُشغل به هذا الوقت الميت بالقراءة.
وبعدها منع عنك القراءة ومنع عنك حتى طريقة جلوسك أمامه وفرض عليك تعديلها، لا أعرف كيف ذلك .
تعود إلينا تلك اللحظات الآن ككوابيس فنكتشف حجم القهر الذي تعرضت له خلال تلك الاستنطاقات القاهرة والمرهقة طيلة إثنى عشرة تحقيقا كل واحدة بيوم كامل، وحجم الصبر والجلد الذين تحملتهما .
ولم يجدوا شيئاً يبررون به هذا التحرش.
حبيبي الرائع ، أعرف أنك تعاني في هذا السجن الرهيب ، وكل السجون رهيبة لأنها تمنع الحرية والحياة ، لكن قناعاتك تحميك بقدر الثمن الذي تؤديه .
أما نحن فنشعر أننا في سجن مادمت مسجوناً.
ولن نرتاح إلا وانت طليق وحر كما عهدناك.
نم قرير العين ياولدي وسلامي لسليمان والحرية لجميع المعتقلين.


  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق