حبشي: أصدر المعتقلون مجلتين وأقاموا عرسا داخل السجن (الحلقة 11) الأهم24
حبشي: أصدر المعتقلون مجلتين وأقاموا عرسا داخل السجن (الحلقة 11)
“حكاية معتقل سري”، يحكيها أحمد حبشي، المعتقل السياسي السابق الذي قضى سنوات خلف الأبواب الموصدة للزنازن الباردة في زمن الجمر والرصاص، ضريبة عن مواقفه ومواقف رفاقه في العمل السري، منظمة 23 مارس”، التي سعت للثورة المسلحة، قبل العودة للعمل السياسي العلني.
حبشي الذي يروي قصته في زمن الجمر والرصاص، مثله مثل رفاقه قاوم العزلة وبرودة السجن، وحارب خوف سوط الجلاد وكأبة ظلمة السجن، وصبر على مختلف وسائل التعذيب، “الطيارة” و الشيفون”..، إليكم الحلقة 11 من “حكاية معتقل سري”.
بعد انصرام خمس سنوات على اعتقالنا أصبح الجميع واثقا بأن الإقامة قد تطول أكثر مما كان متوقعا، وأن الأحكام الثقيلة التي أصدرتها المحكمة ستأخذ من عمرنا زمنا لا يعوض. الأجواء في السجن أصبحت جد ملائمة لترتيب الحياة وفق رغبات كل واحد منا ، سمحت الزيارات المباشرة مع العائلات بتوفير كل وسائل الترفيه وربط العلاقات العاطفية واستقبال كل الصديقات والأصدقاء دون قيد أو شرط ، وأظهرت الإدارة الكثير من التساهل في تلبية حاجيات المعتقلين .
انتقلت العلاقات بين الرفاق من الحلقية الضيقة بين رفاق الإطار السياسي الواحد إلى العيش الجماعي المفتوح ، فكان الإقبال على الرياضة بشكل يومي بالنسبة للبعض ومن حين لآخر بالنسبة للبعض الآخر بإجراء مباريات في كرة القدم وتنظيم الدوريات ومقابلات في كرة المضرب والطاولة إلى جانب تربية الدواجن من حمام ودجاج وكان للثقافة مكانها البارز بخلق خزانة جماعية وإصدار مجلة أسبوعية ساخرة أطلق عليها اسم “الطريف” تكتب باليد وتصدر في نسخة واحدة ، كان وراء الفكرة المرحوم عزيز الوديع ورشيد الفكاك وكنت أكتب بها عمودا اسميته” لودينة” أترصد من خلاله ما يجري في السجن لأعرضه بشكل ساخر ، التحق بهذه التجربة عبد القادر الشاوي والرسام المرحوم عبد العزيز مريد .
إلى جانب “الطريف” أصدرت مجموعة من الرفاق مجلة “الساحة” فكرية شهرية ، انخرط فيها كل من عبد اللطيف اللعبي ، ادريس بنزكري، علال الأزهر، عبد الرحيم أفركي وعبد القادر الشاوي وعبد السلام الباهي وكلفت بسكرتارية التحرير أجمع المقالات واسهر على نسخها بالاعتماد على بعض الرفاق من لهم خط جميل .
صدر من هذه المجلة عدد واحد وتعذر إصدار العدد الثاني لأسباب لا أذكرها. النقاش السياسي أصبح مفتوحا والتعبير عن الآراء صار مكتسبا وحقا مضمونا. حاولنا ان نؤسس فرقة مسرحية غير أننا لم نتمكن من ذلك لغياب نصوص يتسع المجال لعرضها ، لكن بالمقابل أسسنا فرقة غنائية “ناس لسوار” ساهمنا بها في إحياء مناسبات رأس السنة وتنشيط الجلسات بإعادة انتاج أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة ، لم نكن نتوفر على أدوات العزف ، اعتمدنا على الأواني المنزلية التي كانت متوفرة وعلب الحليب الكبيرة “نيدو” بينما تمكن عبد الفتاح الفاكهاني رئيس الجوقة من صنع ألة وثرية بالإمكانيات المتوفرة.
كان كل ذلك يضيف نوع من البهجة والانشراح ويوطد العلاقات بين الرفاق دون خلفيات أو مواقف مسبقة . كنت ضمن عناصر الفرقة إلى جانب مصطفى مفتاح وفؤاد أصواب ، الذي سيتمكن من تعلم العزف على القيتار، ومحمد بلوط . توجت لحظات الفرح التي نخلقها بإقامة عرس داخل السجن بمناسبة ارتباط أحد الرفاق بشابة كانت تزوره من حين لآخر، تزين وحملناه على عربة تستعمل في توزيع الطعام بعد أن أعدها أحد الرفاق لذلك ، وانطلق الرقص والتهليل بالطريقة المغربية المعروفة في مثل هذه المناسبات. كثيرا ما يستغرب الأصدقاء عندما أقول لهم بأن جزءا من أسعد أيام قضيته في السجن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق