لو كنتُ الفلسطينيّ في «غزّة» تحت القصف* الكاتبة الكويتية بثينة_العيسى *
الكاتبة الكويتية بثينة_العيسى
لو كنتُ الفلسطينيّ في «غزّة» تحت القصف، لو كنت أركضُ بين حارات «الخليل» والبيوت الحجرية لـ «نابلس». لو كنتُ أعبرُ البراحَ بين «كنيسة المهدِ» و«جامع الفاروق» في «بيت لحم»، أو كنتُ في «حيّ الشيخ جراح» أهشُّ على المرتزقة بيدٍ وأصوّرهم باليدِ الأخرى، لو كنت في «اللّد» و«يافا» و«حيفا» والبرتقالُ يورقُ في عروقي. لو كنتُ ذلك الكهل الذي يحرسُ شجرة زيتون في «الولجة»، لو كنتُ الأردنيّ الذي يخبُّ إلى الحدود رغم أنه لن يعبر، لو كنتُ السيناويّ في «العريش» يشرّع بيته على بعدِ أميالٍ من «رفح» ليستضيف فلسطينيًا، وينالَ الشَّرف. لو كنت فصيلًا صغيرًا في لبنان وعندي ثلاثة صواريخ لم أدّخر أيًا منها..
لكنّ أكثرنا ليس من هؤلاء، وليس هناك. وأفهم العجزَ وقلّة الحيلة، وأفهم هوانَ الدّم العربي على العرب ومستعمريهم معًا. لكنني لن أتمرّغ في جَلد الذات، ولن أستمرئ البكاءَ العلنيّ، ولن أكتب من عجز.
لن أفعل ذلك تحديدًا لأن الأمرَ لا يتعلّق بي، بل يتعلّق بما يحتاج الفلسطينيّ سماعه؛ ذاك الذي أمضى الساعات يستخرج الجثث من تحت الأنقاض في «غزة»، أو الذي خرجَ لتوّه من اشتباكٍ في «القدس»، أو تلكَ التي تبتسمُ لحظة اعتقالها وكأن في الأمر نكتة. الفلسطيني الذي يخوضُ الحرب بجسده المحض، ثم يقرر في لحظةٍ ما أن يستخدم هاتفه، باحثًا عنك، تراهُ يريد أن يسمع بكاءك؟
يحتاجُ الفلسطينيّ أن يحسّك واقفًا إلى جانبهِ كتفًا بكتف، حرفيًا وحسيًّا ومعنويًا، رغمَ الجدار العازل وأميال الجغرافيا وخيانات الخونة وتواطؤ السُّلطات. يحتاج الفلسطيني أن يرى أنك تقوم بدورك بصفتك «عقبة»، أنك جندي آخر في جيشٍ افتراضيّ مليونيّ يجتاحُ العالم، أنّك جزءٌ من تلك القوة الناعمة التي ترتعدُ منها السُّلطات..
يحتاج الفلسطيني أن يرى بأنّك موجود من أجله، حبًا به، لا للتنصّل من إحساسك بالذنب. أنَّ ما تكتبه هو عنه لا عنك. عن بطولته لا عن قلة حيلتك، عن شجاعته لا عن عجزك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق