☆☆☆☆مذكرات لاجئ ☆☆☆☆ الفقرة_التاسعة(9)احمد الغزالي
☆☆☆☆مذكرات لاجئ ☆☆☆☆
الفقرة_التاسعة(9)
هذا اليوم ليس كسابقيه، دخل أربعة شباب من محترفي الكرة، وكان لديهم موعد مسبق، ولكن فقط من أجل شخصين وهما صديقاي ناصر ومجدي، كانوا يتحدثون بصوت عال، ويقهقهون ولا يفوتون فرصة، كلما وجد أحدهم مناسبة لإستفزاز الآخر، سواء عن التداريب أو في كواليس مستودع تغيير الملابس، أو عن علاقتهم بالساعدي معمر القذافي، كانوا يشاركوني تلك القصص والنكات الواقعية، كل عن الآخر، وكنت أعرف تفاصيلها فأزيد من تضخيم تفاصيلها، من أجل إغاظة أحدهم، في إطار صداقتنا، لصناعة جو مفعم بالنشاط والضحك.
إسمع ياغزالي: (اليوم راك مطلوب حيا أو ميتا)، قال ناصر وهو ينظر إلي في المرآة، فأردف مجدي: (إيه والله.. الرجل طلبك بالإسم).
كنت قد توقفت عن حلاقة شعره، أقرأ ملامح وجهه، لأستطلع صدقية كلامه، ربما هو مجرد مقلب جديد من مقالبهم، فنظر إلي ومن ملامح وجهه يحاول إقناعي بأن الأمر جدي، وليس مجرد مزحة، سألته أي رجل يريدني..!؟ إنحنى برأسه جانبا في إتجاهي، وقال بصوت منخفض حتى لا يسمعه باقي الزبائن: الساعدي القذافي هو من طلب مرافقتك لنا للسهر في مزرعته الليلة، حيث سنسهر جميعا معه.
يبدو أنني في ورطة، فأنا لا أستطيع التأقلم مع هكذا شخصيات نرجسية، تعتبر أنها تملك العالم، وأن البشرية سخرت لإرضائها وخدمتها، لقد ذهبت مرتين لحلاقة أحدهم في باب العزيزية مقر إقامة معمر القذافي وعائلته، وهو أحد الضباط العسكريين الكبار في كتبية سيف الإسلام، كنت أحلق شعره فيما يجلس على كرسي بلاستيكي قصير، وكان في وضعية صعبة حيث أن رقبته متكئة على حافة الكرسي، ومؤخرة رأسه باتجاه الأرض، يمد رجليه إلى الأمام، ويتكئ بمرفقيه على جانبا الكرسي، كان ثملا جدا، كمن يغفو في قيلولة. وكلما تمتم بكلمة غير مفهومة يضحك جميع العساكر الواقفين في تلك القاعة الكبيرة،
حين طلبت منه أن ينحني إلى الأمام كي أستطيع قص شعر مؤخرة الرأس، قلت له: (له طبس راسك شوي من فضلك) فضحك قبل أن يجيبني وضحك أولئك العساكر الواقفين الذين مايلبثوا أن يسمعوا حرفه الأول حتى يقهقه جميعهم وكأن أحدا يدغدغهم. (طبس راسك؟) قال أنا عمري طبست راسي لمخلوق، وبقي كل مرة يعيد تلك الجملة ليضحك الحضور. ويقول على شكل سؤال مليء بالإستفهام والتعجب: طبس راسك؟؟؟
كنت أتصبب عرقا، لشعوري بالإهانة، شعرت بأن ملابسي إلتصقت على جسمي، وإلتصق شعره المتساقط بظهر يدي ومعصمي، وبت أرى شكلي بمظهر نسناس أحضر من غابات الأطلس إلى حلقة بساحة جامع الفنا بمراكش.
كنت أفكر في ذلك المشهد المهين وأنا أفكر في مخرج، أتهرب فيه من ملاقاة الساعدي القذافي، بنفس الطريقة التي كنت أبرر فيها عدم إستطاعتي الذهاب إلى حلاقة أحدهم بقصر باب العزيزية، معتذرا ومتأسفا بسبب موعد مسبق لحلاقة عريس، فالمبرر مقنع، وللعريس مكانة خاصة في ثقافة الليبيين، إنه سلطان في ذلك اليوم، ولا أحد يستطيع أن يكون سببا في إفساد ليلته، مهما كان مركزه الإجتماعي.
كان أحد زملائي يشكرني ويتملقني كثيرا لأنني كنت أمرر له فرصا ليحلق شخصيات من هذا النوع، كان يشعر بالفخر، ويبدوا سعيدا جدا بالعمل معي، لأنه سيحصل على مبالغ مالية مهمة، فيما أنا من كنت سعيدا لأنه مقنع في حلاقته، ويقيني شر تلك الشخصيات النرجسية، فلاتهمني المبالغ إذا لم ترافقها الكرامة، لم أكن أصارح زميلي بحقيقة الأمر، وبأني في هذا الجانب بالضبط لم أكن كريما معه كما يعتقد، فما كنت أكرمه بزبائن من شخصيات محترمة عسكرية وأمنية وسياسية، هو لايهمه إنتقاء الزبائن، يعتبر الزبون ملك وعليه إرضائه بكل الوسائل، مادام سيدفع له، فيما لا أومن بهذه القواعد المهنية الكلاسيكية، أحترم طلبات الزبون كإنسان، وليس كملك أو بموجب مكانته المالية ومركزه الإجتماعي.
حين أنهيت حلاقة الشباب، وأصدقائي الرياضيين، استأذنت من بقية الزبائن ليمهلوني دقيقة أدخن فيها سجارة، ورافقتهم إلى الخارج، لايمكنني أن أتحدث معهم في هكذا أمور وسط الزبائن.
مسكت ناصر من ذراعه، وأبعدته عن المجموعة، إسمع ياصاحبي، أعذرني لن أستطيع السهر معكم الليلة. أجابني متسائلا (ليش) لماذا؟ أجبته أنا لا أعرف الساعدي، ولم يسبق لي أن قابلته و... قاطعني هو يعرفك يارجل، قلت كيف لم يسبق لنا أن تقابلنا.. قال: هو يعرفك من خلال تواجد إسمك معنا دائما في ويعرف بأنك صديقنا، وجميع لاعبي الفريق هم من زبائنك، لذلك كن مطمئنا فهو يعرف قصصنا كلنا معك.
قلت إسمع ياصاحبي: سأكون صريحا معك، أنتم لاعبين بنفس الفريق الذي يلعب له، وتتحملونه مجبرين، لاحل لكم من هذا القدر، أما أنا ياحبي نفسي عزيزة، لن أكون مرتاحا معه، أعرف حين صفع صديقنا محمد الجعايدي، وهو مدافع المنتخب الليبي، ولم يستطيع الرد عليه، وأحمد البهجة اللاعب المحترف ولاعب المنتخب المغربي، أم يخيره بين مبلغ مالي وبين رصاصة، حين استدعاه إلى مكتبه، وضع المال على يساره والمسدس على يمينه وطلب منه أن يختار بينهما؟ أعرف أن لسانه سليط، كما أعرف كيف يسبكم فتضحكون، وأعرف كيف أمر بإطلاق النار على الجمهور في ملعب الرياضية.
قال: والله لن يحدث لك شيء، من الجميل أنه طلبك للسهر معنا، لاتخف يارجل.
المسألة يا ناصر ليست مسألة خوف، هي مسألة تتعلق بمفهومي للسهر، أسهر مع من تكون لي الندية معه، إن تحداني أتحداه، وإن استفزني أستفزه، وإن سبني أسبه، وأنا ولا أنت لاندية لنا مع هذا الرجل، فمحمد الجعيدي يستطيع أن يرمي به فوق سطح بيت، ولم يستطع تحريك ساكن.
تصور معي ياناصر، أننا متواجدون معا وسألني أنت مغربي أليس كذلك؟ سأجيبه بنعم، سيقول لي مرحبتين بك، أنا أحب الشاي الأخضر المغربي، وسأكون مجبرا أن أحضر له الشاي، قبل أن يطلب مني ذلك بشكل مباشر. هنا سأصبح خادمته ولست صديقا يسهر معه، أليس كذلك ياناصر..!؟
كان ناصر ينصت إلي بإمعان، وبدا عليه الإقتناع بكلامي، ولم يعد ملحا على مرافقتي للسهر معهم.
سألني ماذا نقول له حين يسألنا عنك، وعن سبب غيابك، لقد وجه إليك الدعوة يارجل.!؟ صعب جدا أن يفهم بأنك ترفض الدعوة.
أجبته على الفور مازحا، من قال لك أنني أرفض، أنا فقط مقيد بالإلتزام بموعد لحلاقة عريس، ولايمكن أن أترك عريسا بدون حلاقة في ليلة العمر، رتب على كتفي مبتسما وقال بصوت منخفض: حبالك طويلة ياغزالي.
إلتحقنا بباقي أصدقائه، وتأسفت لعدم إستطاعتي السهر معهم الليلة، لأن توقيت السهرة تزامن مع موعد لحلاقة عريس...
يتبع
أحمد الغزالي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق