بعد قرابة عقدين من الزمن أمريكا تنسحب من أفغانستان و هي تجر أذيال الهزيمة* الرفيق الحسين بوتبغي*
الرفيق الحسين بوتبغي (أكادير).يوليوز 2021
جريدة النهج الديمقراطي (العدد420).
**********
بعد قرابة عقدين من الزمن أمريكا تنسحب من أفغانستان
و هي تجر أذيال الهزيمة
خرجت الجيوش الأمريكية من أفغانستان من دون أي تنسيق يذكر مع الجيش الافغاني. لقد تم اخلاء قاعدة "بغرام" في جنح الظلام وبشكل مباغت بعد إطفاء كل الأضواء بها ولم يتم اشعار الأفغان بذلك الا ساعتين بعد المغادرة، الشيء الذي سمح لجماعات من اللصوص للاستلاء على القاعدة ونهب ما خلفته القوات المحتلة بها.
فبعد تواجد فعلي لقرابة 20 سنة بأفغانستان، انسحب الامريكيون ليلة 2 يوليوز منها بالرغم من ان رئيس اركان الحرب الامريكية أكد شهر ماي المنصرم على ان الانسحاب سيكون بشكل مسؤول ومنسق مع القوات الأفغانية. لكن الوقائع الميدانية بينت عكس ذلك، لذلك احست الجيوش النظامية الأفغانية انه تم التخلي عنها لتواجه هجمات قوات الطالبان الزاحفة، ولم يكن بوسعها الا الهروب للبلدان المجاورة.
هكذا فبعد سماح الرئيس "كارتر" للوكالة المخابرات المركزية بتقديم الدعم المالي "للمجاهدين الأفغان" في مواجهة النفود السوفياتي بأفغانستان، ثم الدخول في مواجهات مع هؤلاء "المجاهدين" أنفسهم، بدعوى التصدي للإرهاب وذلك إثر الهجمات التي استهدفت الابراج التجارية ومباني رسمية بنيويورك، فاليوم، و بعد عقود من حرب مدمرة والتضحية بالأرواح وتخريب بلد بكامله وإنفاق بلايين الدولارات، ها هي أكبر قوة اقتصادية في العالم وحلفائها من "الناتو" ينسحبون مخلفين ورائهم شعبا افغانيا يتحسر على حرب مدمرة لم تسمح لا باحتواء طالبان ولا بالقضاء على الفساد الذي ينخر المؤسسات الحكومية، بل ساهمت في اغتناء اقلية من امراء الحرب في حين ان غالبية الشعب الافغاني ترزح تحت وطأة الفقر المدقع و التخلف.
لقد استولى الطالبان على مقاطعات بشمال البلاد بعد هروب القوات النظامية منها، ومنذ ان صرح "بايدن" بما سماه إنهاء "حرب بلا نهاية" بأفغانستان، زحفت الحركة على كل مقاطعات البلاد. كان تقدمها لافتا بشكل بارز بالمناطق الشمالية حيث يتواجد امراء الحرب الموالين للولايات المتحدة الامريكية والمساهمين الى جانبها في هزيمة الحركة 2001. ويؤكد متحدث باسم هذه الحركة ان الاستيلاء على جل المقاطعات الشمالية تم من دون مقاومة تذكر. لقد انسحب الأمريكيون، على النحو الذي خرجوا به من العراق 2011، تاركين ورائهم آلة حربية أفغانية متضعضعة بالرغم من مليارات الدولارات التي انفقت لتأهيلها. اما عواقب الحرب وما خلفته من ديون فسيواجهه الشعب الأفغان لوحدهم، وليس هذا الانسحاب بهذا الشكل بحالة معزولة في تاريخ أمريكا الحديث. فقد سبق ان مر عملاء امريكا بجنوب فيتنام 1970 بنفس الوضع، كما عاش العراق الذي ترك شبه مشلول سنة2011، بنفس الأوضاع. وللتذكير فقط فقد سبق للسوفييت ايضا ان خرجوا من أفغانستان 1989، لكن تم ذلك بشكل منسق واحترافي، بحيث خلفوا ورائهم سلطة مركزية قائمة وجيوشا مدربة وجاهزة، ويقدم لهم الدعم والتأطير. كما ان اجراءات الانسحاب السوفييتي نفسه فقد تمت وفق مخطط اقتصادي وعسكري سمح للقوات السوفياتية بالخروج بشكل منظم، ولحكومة الجمهورية الديمقراطية الشعبية الأفغانية القائمة آنذاك بأفغانستان، بالاستمرار حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه. بالرغم انها لم تعش طويلا نظرا لتكالب باكستان وطالبان عليها وفقدانها للدعم السوفييتي. هكذا فالوقت المضاعف الذي قضاه الامريكيون وحلفائهم من "الناتو" بهذا البلاد وكل الإمكانيات والأموال الطائلة التي انفقوها هناك لم تحقق اي هداف يذكر، فخرجوا منه وهم يجرون أذيال هزيمة نكراء.
ان مراجعة الاستراتيجية الامريكية بأفغانستان غدت ضرورية نظرا لاعتبارات عدة. منها التدهور الكبير للأوضاع على المستوى الميداني حيث القيادة العسكرية الامريكية تطالب بالمزيد من الاليات العسكرية وذلك منذ مطلع 2016، والتقارير حول الأوضاع، سواء بالمنطقة او على المستوى السياسي الداخلي بأفغانستان، تبين ان أهداف أمريكا لا تزال بعيدة المنال، كما ان الصراع الافغاني نفسه لم يعد يشكل أولوية بالنسبة للرئيس الجديد للولايات المتحدة المنشغل بأزمات دولية أكثر أهمية. اما الحالة بداخل أفغانستان فقد تدهورت بشكل خطير حيث فقدت حكومة كابول السيطرة على الوضع بالبلاد وأصبح الامن شبه مفقود حتى بالعاصمة، والحكومة تتجاذبها صراعات بين مكوناتها، وفي نفس الوقت اشتدت هجمات المجموعة المسلحة و اخطرها حركة طلبان التي تدربت على المواجهة والقتال على مدى 16 سنة من الحرب المسلحة، وتحظى بدعم قبائل" البشتون " وجزء كبير من السكان الذين عانوا الامرين من التواجد الخارجي ببلادهم.
بخصوص الانسحاب الامريكي، وارتكازا الى معلومات ميدانية، فيبدو انه لن يعدو ان يكون مجرد خدعة هدفها تغيير تكتيك المواجهة مع طالبان، وقد سبق ان تم اعتماد نفس الخطة بكل من سوريا والعراق. فالحرب بالوكالة من شأنها ان تمكن من صد الطالبان عن مراكز المقاطعات الأفغانية المحاصرة واستدراج زعماء القبائل الأفغانية للانخراط في مواجهة المجموعات المقاتلة، مقابل اغراءات مالية ما سيقلل من الخسائر البشرية في صفوف الأمريكيين وتطبيق أسلوب جديد في المعركة تم تجريبه من طرف الجنرال الأمريكي (Petraus) الذي وظف "الصحوات" 2007 بالعراق لمواجهة "الجماعات التكفيرية". ان تسليح السكان وفق انتماءاتها القبلية والعقائدية هو أسلوب من شأنه ان يسمح بمتابعة الحرب مدة طويلة وبأقل تكلفة بالنسبة للقوات المحتلة. يتضح ان الانسحاب المزعوم مناورة لتكريس استراتيجية تم تجريبها بمناطق عدة من العالم، فأمريكا لن تكف عن التدخل في أفغانستان لكن بشكل غير مباشر اعتمادا على عملاء سيتم تجنيدهم محليا.
بعض وسائل الاعلام تروج لخبر يفيد ان "الانسحاب الأمريكي" سيخلفه تدخل عسكري تركي هدفه الأساسي تحصين مطار كابول الدولي من هجمات طالبان وغيره من المجموعات. وهنالك أمور عدة ترجح هذا الطرح، منها ان تركيا عضو بحلف "الناتو"، ومن المحتمل ان يكون قد تم الاتفاق معها على هذا الامر في القمة الأخيرة للحلف وتركيا من جانبها اخدت مبادرة التداول مع طالبان بهذا الشأن. كما قد لا يكون مستبعدا ان يكون الترويج لمثل هذه الاخبار مجرد محاولة لجس النبض وإظهار مختلف المواقف بخصوص هذه القضية، بداخل تركيا وبخارجها، والقيام إثر ذلك بالترتيبات المناسبة وفق معطيات هذا الاستطلاع. فقد يغري نظام "أردوغان" توظيف الاخوان المسلمين مؤخرا بليبيا، وكذا بكل من سوريا والعراق، لنهج نفس أسلوب استخدام القوة بالوكالة في أفغانستان. وإذا نجحت أمريكا في استدراج تركيا للمستنقع الافغاني فسيقتصر دور الجيش الامريكي في حماية هيئته الدبلوماسية وفي تقديم المشورة للقوات الأفغانية ودعم الجهود الرامية "للقضاء على الإرهاب". وبخصوص تدخل تركيا المرتقب بأفغانستان فقد وضح الطلبان ان على كل القوى الاجنبية المتواجدة ببلدهم ان تنسحب، وان كل من يصر على البقاء سيعد محتلا.
الانسحاب الأمريكي والتدخل التركي بأفغانستان لا يعد بالنسبة لدول المنطقة مجرد مؤشر على هزيمة ما، بل هو في نفس الوقت تحد ومعضلة كبيرة. لهذا تدخلت كل من روسيا والصين وإيران بغرض الحد من تداعيات الانسحاب وما يمكن ان يترتب عنه من فوضى وزعزعة للاستقرار بالمنطقة. ففي 31 غشت سينتهي الانسحاب الأمريكي وستترتب عنه أمور عدة، منها ما يتعلق بالوضع داخل أفغانستان خاصة وان طلبان صعدوا مؤخرا من هجماتهم، ما أرغم القوات النظامية الأفغانية للفرار الى الدول المجاورة وهو ما يفتح المجال امام الحركة لبسط نفوذها على البلاد. واخذا بعين الاعتبار لهذا الاحتمال فما هي الانعكاسات المحتمل على الأوضاع بالمنطقة برمتها وعلى امن واستقرار الدول المجاورة لأفغانستان وهي في غالبيتها حليفة لروسيا؟
هذا الاحتمال جعل طاجيكستان تعبئ 000 20 جندي بهدف حماية حدودها كما طلبت الدعم من حليفتها روسيا واستجابت هذه الأخير لهذا الطلب. ومعلوم ان تواجد نظام " سلفي تكفيري" على الحدود الروسية-الصينية يشكل ازعاجا للدولتين، لذلك فلابد لها من اتخاذ التدابير اللازمة للحد من هذا الخطر الداهم. وفعلا بدأت الخطوات الاولية في هذا الإطار حيث قامت إيران، ممثلة بوزيرها في الشؤون الخارجية، باستضافة لقاء لحكام كابول وممثلين عن طالبان. ومن الجانب الصيني سيقوم وزير الشؤون الخارجية "Wang Yi" بزيارة لثلاثة دول بأسيا الوسطى، هي تركمنستان، طاجكستان وأوزبكستان، وكلها دول مجاورة لأفغانستان. وحسب محللين صينيين فان الزيارة هذه تدخل في إطار التنسيق الأمني، والصين مستعدة لتقديم الدعم التقني والمالي الضروري في هذا الإطار. روسيا بدورها تراقب الوضع عن كتب وقد استقبلت مؤخرا وفدا لطابان بموسكو وتم الاتفاق معه على نقاط أساسية منها، عدم المساس بأمن واستقرار الدول بالمنطقة، التصدي لتواجد عناصر "داعش" بالأراضي الأفغانية ومحاربة تهريب المخدرات. وبالنسبة لروسيا هنالك خط احمر لن تسمح ابدا بتجاوزه، ألا وهو المس بأمن حلفائها بالمنطقة، وعند الضرورة فإنها لن تترد من استخدام القوة، وطالبان يذركون ذلك جيدا.
الحسين بوتبغى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق