غازي الصوراني_جرامشي ومفهومي الهيمنة الثقافية والكتلة التاريخية.........
غازي الصوراني_جرامشي ومفهومي الهيمنة الثقافية والكتلة التاريخية.........
استحدث غرامشي مفاهيم لم تكن مطروقة في حقل الفكر الماركسي، مثل مفهوم الهيمنة الثقافية التي تعني أن الطبقة البرجوازية تهيمن على المجتمع لا بامتلاكها وسائل الإنتاج وإدارتها والتحكم بمؤسسات الدولة وحسب، وإنما من طريق فرض تصوراتها وأفكارها على المجتمع أيضاً، إلى الحد الذي تستدرج معه الطبقة العاملة لِتَبنّي تِلْكُم التصورات والأفكار، والتي تغدو كما لو أنها تصورات وأفكار المجتمع برمته. كما اجترح مصطلحي/ مفهومي (المثقف التقليدي والمثقف العضوي ) والأول هو من ينفصل عن هموم المجتمع. أو هو من يعيد الترويج لأفكار قديمة، المرة تلو المرة، مثل المعلمين ورجال الدين. فيما الثاني هو من يرتبط عضوياً بطبقة اجتماعية، أو مؤسسة ويعبّر عن ماهيتها ومصالحها وآمالها، ويصوغ وعيها".
"وإذا كان أفراد المجتمع جميعاً مثقفين ( أي أن لهم أفكارهم وآراءهم ومنظومة قيمهم وتقاليدهم ) فإن قلة من هؤلاء يمارسون وظيفة المثقف في المجتمع. وهؤلاء هم المفكرون والمبدعون في شتى مجالات الثقافة والفلسفة والاقتصاد والعلوم والفنون والمعارف والآداب. ويستطيعون التأثير عبر أفكارهم على الناس. وهذا ما قاد غرامشي إلى بلورة تصور جديد عن الحزب الثوري الذي يكون أعضاؤه مجموعة ناشطة من المثقفين العضويين المُعَبّرين والمرتبطين بقوة بقضايا المجتمع، لاسيما البروليتاريا والفلاحين"، كما "ميّز غرامشي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. فالمجتمع السياسي بنظره يضم الحكومة والقوات المسلحة والشرطة والمؤسسات التشريعية والقضائية، فيما المجتمع المدني يُمثَّل بالاقتصاد وأفراد المجتمع، ومؤسساته المستقلة عن الحكومة".
- الكتلة التاريخية :
يقول المفكر الماركسي محمود أمين العالم- " مفهوم الكتلة التاريخية تتداخل فيه مختلف عناصر فكر جرامشي حول الثقافة والايديولوجية والمثقفين والهيمنة . ولعل أبرز ما يعنيه مفهوم الكتلة التاريخية عنده هو استبعاد النزعة الاقتصادية (الاقتصادوية) ، وإبراز أهمية الأفكار في الفعل التاريخي ، وأهمية التحالف الواسع بين مختلف القوى الاجتماعية المنطلقة للتغيير الجذري ، فضلاً عن الربط بين القيادة السياسية والقيادة الثقافية والاخلاقية ، ولهذا تتميز الكتلة التاريخية لقوى التقدم والاشتراكية بالديمقراطية أساساً كما يرى جرامشي ، أي بالترابط والتداخل بين القيادات والقواعد، بين البنية التحتية والبنية الفوقية إلى درجة استيعاب المجتمع المدني شيئاً فشيئاً للمجتمع السياسي ، وهذه الكتلة التاريخية تسعى لتحقيق هدفها التاريخي بخوض ما يسميه جرامشي بحرب المواقع، أي الامتداد في أجهزة المجتمع المدني، والنظام السياسي تحقيقاً للهيمنة ، وإلغاء للإنقسام السياسي بين الحكام والمحكومين، ولتكوين السلطة الثورية الجديدة.
يعد المفكر الشيوعي انطونيو غرامشي احد اهم الشخصيات الماركسية التي تجاوزت الاطر التقليدية في تفسير المتغيرات التاريخية عبر تناول دقيق لفهم الواقع المحلي لايطاليا، انطلاقا من تأمله القائم على تحليل ميداني مرهون بحسابات الزمان والمكان، مما اضفى على آرائه طابعا تحليليا يتجاوز الفهم التقليدي للمدرسة الرسمية المتمثلة بتجربة ستالين وتقديسها للنصوص بصورة براقة ، لا تضفي على الواقع الا الجمود وخذلان الحقيقة التي وضع اساسها ماركس بتفسيره الواقع الاجتماعي ودراسته المادية التاريخية، وبالتالي يعد غرامشي المجدد الحقيقي للفكر الماركسي بتجاوزه المعاني الجامدة واعتماده مذهبا انسانيا مفتوحا لجميع الفئات الاجتماعية متجاوزا مذهب السوفييت المؤطر بقواعد التأليه والقدسية لمفاهيم ماركس ولينين.
لقد كان جرامشي "ماركسياً مخلصاً ، لكنه رفض عبادة ماركس كمعصوم من الخطأ، فماركس من وجهة نظره، كما قال في العام 1918 "ليس مسيحاً خلّف وراءه سلسلة من الحكايات ذات المغزى الأخلاقي التي تحمل ملزمات صريحة وقواعد غير قابلة للتغيير على الإطلاق، خارجة عن مقولات الزمن والفضاء. إن الملزم الصريح والوحيد، والقاعدة الفريدة هي؛ يا عمّال العالم اتحدوا". وما عدا ذلك تفاصيل قابلة للاجتهاد والنقاش العلمي".
وعلى هذا الأساس ، قام جرامشي بالتنظير "للتحالف بين البروليتاريا والفلاحين، بين العمال الصناعيين والزراعيين. ومن يقوم بتوطيد مثل هذا التحالف هم الطليعة المثقفة. وفي أفق هذه النظرة لطبيعة وكيفية التحالف أسس غرامشي لمفهوم (الكتلة التاريخية) حيث يشكّل المثقفون "الاسمنت العضوي الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية ويتيح تكوين كتلة تاريخية".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق