يا «سعيد»! « يا فقيد الحرية والجوعǃمصطفى الغزال
ـ إلى روح رفيقي سعيد الشاوي ـ
يا «سعيد»!
« يا فقيد الحرية والجوعǃ
اغتالك (الفيروس) في واضحة النهار،
اغتال الوطن في يديك،
اغتال بسمة العنفوان في عينيك.
...
يا فقيد الكلمة الحرةǃ
بين الجياع كبرت،
بين الجياع تعلمت أبجدية الرفض؛
لأنكَ أدركت أسرار جوع الشعب المقهور.
...
يا فقيد عمال القرى والمدائنǃ
ذاك الفيروس الذي قتلك جبان،
ذاك الفيروس الذي قتلك خبيث.
...
يا فقيد مسيرة العمال الكبرىǃ
إنا نمشي على دربك حتى الانتصار،
ولن نبدل المسار..
أنتَ رمز لا يفنى،
أنتَ شمعة أحلامنا المشتعلة،
أنتَ البداية،
أنتَ الفقيد على مذبح نضال الفقراء.»
...
يا «سعيد»!
«هناك خلف الجدران القديمة،
تركتُ القادمين من الأسئلة المعلقة،
وقَدَّمْتُ لكَ بقايا جنوني،
وصور قصص المشردين.
هناك تأملتكَ طويلا..
العين التي تلتقط الدهشة،
الأصابع المتمردة،
التي تهوى شارة الانتصار.
هناك نادمتكَ،
واشتد عشقي لهوس بياض الدفتر.
قلتُ: يوما أعودُ إلى محراب كفاحك القاسي..
لكن، لم يسعفني الصيف.
انتظرتٙ طويلا،
ثم رحلتٙ أول الشتاء.
لكنكَ في روحي،
لم تَمُتْ أبدا.»
...
«أنتَ الآن وحيدا..
كذلك كأس النبيذ المعتق،
الذي تركتَهُ آخر مساء،
على خصر موجة بيضاء.
ووضعتَ قبعتكَ السوداء عند عتبة المدينة،
ودخلتَ متخفيا في كفن غيمة شتوية.
ولم تصدق «الشاون»،
أنَّكَ لم تَعُدْ مزهوا في مقصورة عربة.
...
آه، ما تزال المدينة في أحزان الجنازة..
كم من مَلَك نوراني،
يُعِدُّون لكَ مشرب الخلود؟
المدينة أنتَ،
النضال أنتَ،
التراب أنتَ..
رحلتَ دون وصية،
يا عاشق ليالي البيضاء!
ومن هناك تأتينا كل صباح..
تعانق كل الرفاق واحداً واحداً،
ثم تسري إلى ملكوت الجنة.
...
تَرَكْتَ في عيون المدينة لمحات غريبة،
لا أستطيع نحتها،
على جدران فَقَدَت رونق الرحيل.
قلتُ: أمُرُّ على محراب النضال الجريح،
وطاولة التمرد على الليل..
كانت الأبواب مقفلة،
والصور حزينة.
كانت المدينة يتيمة،
والجبال،
لم تعُدْ كما عهدتها فيها.
...
يا «سعيد»!
آخر المساء اقتنيتُ تذكرة سفر،
كأنني أهرب من هوس الصور الحزينة؛
وليل المدينة،
لغة مشتقة من دخان المشردين.
ـ وضعتُ وردة سوداء،
على تراب فلسفتكَ الأولى ـ
وقتئذ تزاحمت أسرار المدينة،
على شواهد القبور.
هكذا عدتُ إلى عنف الأيام الحافية،
كي أتجلى مثلكَ، في كفاح الفقراء؛
ثم أغرق في أنخاب القلق،
ونخوة السكون. »
...
« الآن أسمع كمانا يبكي،
وأرى عرض الشارع،
ساسة يخدعون الفقراء.
ربما،
أنا لا أدرك معنى الأشياء،
وجدلية الأفكار،
وأسرار كيد السياسة العامة للبلد.
...
آلاف الصفحات الشاحبة شربت عيني،
وما تزال اللغة الفصيحة،
عصية على مداد روحي.
وعندما تحرن اللغة،
يغويني النبيذ الأحمر،
وأُبْحِرُ في هذيان صمت القصيدة.
لكن الفقراء الحيارى،
يرقصون في ملح الدمع؛
ولا شجرة يابسة تبوح بالعصيان.
تعالى إلى زمن الحُفَر..
هناك لا معنى للقبيلة،
هناك يغرق الفرسان،
في وحل الاستبداد الوطني.
ويهجرني السكون،
كأن الأشياء الكبرى،
تتصادم في فوضى الحواس.
...
في عنفوان الشباب،
كم حلمتُ خوض حرب الصحراء،
وأنْ أزرع الورد الأبيض،
شفاه الفقراء العزل.
لكن دمي الوثني يوجعني،
إِنْ سَلَّمت بالقدر المدنس،
وإنْ انهزمت على مذبح عشق الحرية.
...
كل أشجار الوادي،
كل عيون الأطفال الفارغة،
كل جباه المزارعين المتربة،
تحرضني أن أعشق صيحة الفقراء.
لكن هؤلاء الكادحون في مصانع الأغنياء،
ينامون في غرف،
لا تليق بآلهة خيرات الوطن.»
...
يا «سعيد»!
« كم كنتَ مفتونا بالجمالǃ
كم كنتَ تقامر بالزمان الهاربǃ
والآن حجزتَ شبرا من تراب،
ولم تَقُلْ وداعا لأحد؛
لأنكَ ضربتَ لنا موعدا في ظلمة التراب.
ولما قرأت همسا وجوه ترابكَ،
رأيتُ الحب يموت في عنفوان الكفاح.
صعقتُ..
أكان عليكَ أن ترحل قبل الأوان،
وأنتَ لم تأخذ شيئا من خيرات الوطن؟»
...
« ها أنتٙ الآن يا «سعيد»!
تصعد إلى قمة الجبل،
كما اشتهيت في المساءات البعيدة.
ها هي الملائكة الإلهية،
تأتيكٙ على أجنحة أمطار كانون الأول،
لتغسل خلاياكٙ من فقر سواد الأرض،
وتسري بكٙ إلى ملكوت الفلسفة الأولى للحياة.
هناك عصافير بيضاء،
تسقسق على هواها كما خلقها الله.
...
في ذاكرتي جنازة «سعيد»،
في قلبي جنازة «سعيد».
...
يا «سعيد»!
التراب يناديني،
وأنتَ لستَ معي عند مشرب المدينة..
كمان يغني أحزان الفراق،
والدخان يرسم آهات الحي القديم؛
بينما أنتٙ مسجى في برد المدينة.
فكرتُ:« يوما أكونُ مثلكٙ،
جسدا يابسا في القصيدة.»
...
آه، لمن أكتب دفاتر الليل؟
وأنتٙ قد تركتٙ عصافيركٙ يتامى في الوطن.
قسما، يا «سعيد»!
النبيذ دونكٙ، مُرّ.
المدينة دونكَ، أطلال.
الليل دونكٙ، قفر.
الحياة دونكٙ، موت.
...
ها هو الكمان الجريح،
في ليال جبال الأطلس الباردة،
يأخذني بعيدا،
في تراب يهجرني سرا.
لكن «سعيد»،
وحده هناك في صمته الإلهي ينتظرني..
يوما، لا أرى فيه جسدي مسجى بالكلمات؛
يوما، لا أكتب فيه هوسي بجمال الكون.
...
كمان أمازيغي،
يبكي تحت أمطار أول الشتاء،
وأنا أعِدُّ أفكاري الجديدة، لغابتي الشاعرية؛
حتى تلهمني أوتار المدن البعيدة،
حِكَمَ فلاسفة الحب.
وأحفر لطغاة الوطن،
قبورا مجهولة دون شاهدة..
هؤلاء يحرقون الحلم،
وآخرون يحرقون الأمل.
...
يا «سعيد»!
أيها الهارب إلى جنة الساعات المطلقةǃ
متى أنتشي مثلكٙ بلحظات رائعة لا تنته؟
وأقول لكٙ، يا من تركتني وحيداǃ
تحت أمطار كانون الأول،
ورحلتٙ إلى سكون التراب:
أهوى آخر الليل،
قصص المهاجرات الحزينات؛
وأهوى الكتب المهملة على الرصيف،
وأهوى نبيذ الكادحين.
لكنني لن أهوى أبدا،
أغنيات تمدح حكام الثكنات.
...
يا «سعيد»!
أتَذْكُرْ أمسيات المسيرات الكبري؟
كنا نتقاسم أمل وفرح الفقراء.
آه، لو كنتٙ معي الآنǃ
هيا أُخْرُجْ من ترابك،
وتعالى إلى معبديǃ
هيا تعالى إلى زمني،
وغني كما تشاء.
...
وداعا يا رفيقيǃ
وداعا يا «سعيد»!»
مصطفى الغزال/ طنجة




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق