جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني_العـرب .. والصحوة الممكنة في مواجهة اليأس والخضوع ؟

 غازي الصوراني_العـرب .. والصحوة الممكنة في مواجهة اليأس والخضوع ؟

شهد العقد الأخير من القرن العشرين متغيرات نوعية لم تعهدها البشرية من قبل ، وذلك من حيث شدة تأثيرها وتدفقها في كل الاتجاهات – على مساحة هذا الكوكب – وفي كل المجالات الحياتية والعلمية والمعرفية .
وقد أصبح من غير الممكن التعاطي مع هذه المتغيرات أو فهمها أو الاقتراب منها دون فهم واستيعاب ظاهرة العولمة باعتبارها الإطار المرجعي لكل هذا الانتشار والتدفق ، لقد استكملت هذه الظاهرة نموها وتراكماتها في نهاية عقد الثمانينات ، وانطلقت بحركتها اللامحدودة خلال عقد التسعينات ، وهي ، اليوم ، مع بداية القرن الواحد والعشرين ، أصبحت قوة من أهم القوى المؤثرة في حقائق العصر الراهن ، قد تدفع نحو القطيعة مع كثير من الأسس والمعطيات الفكرية والسياسية التي صاغت العقل الإنساني في الحقب التاريخية السابقـة .
فالعولمة ، هي الآن القوة الرئيسية – الخفية أو الظاهرة للعيان – التي تقود المجتمعات الصناعية المتقدمه في الولايات المتحدة وأوربا واليابان والصين إلى بوابة الألفية الثالثة أو المستقبل ، في حين تتعرض بلدان العالم الثالث إلى انهيار بنيوي لم تشهد مثله في أي حقبة سابقة ، ويبدو إن مظاهر هذا الانهيار التي أصابت المكونات الاقتصادية والاجتماعية في العالم الثالث عموماً ، وفي بلدان وطننا العربي بوجه خاص ، لم يكن ممكناً لها أن تنتشر بهذا الاتساع بدون تعمق عوامل التبعية والتخلف والإلحاق .
ففي بلادنا العربية ، أصبح الطريق ممهداً لإنتشار التبعية بالمعنى السيكولوجي ، وهو الشكل الأكثر خطورة ، لأن تكريس هذا الشكل – السيكولوجي – في الأوساط الشعبية العربية سيجعل من كل مفاهيم التحرر والنهضة والديمقراطية والتنمية كائنات غريبة مشوهة للشخصية الوطنية و القومية العربية ، بما يعزز حالة النـزوع أو الميل نحو الاستسلام التي بدأت تنتشر في أوساط الجماهير بديلاً لحالة المقاومة والتغيير ، بسبب عوامل متعددة اهمها غياب العامل الذاتي ، او الحزب الطليعي ، في معظم البلدان العربية مما ادى الى استفحال السيطرة العدوانية الصهيونية الهمجية على مقدرات الشعب الفلسطيني ، في محاولة يائسة لاذلاله واستسلامه ، وضرب مشروعه الوطني ، عبر دعم امريكي لا محدود يهدف الى تطوير دور ووظيفة دولة العدو الاسرائيلي وتحويلها الى دولة امبريالية صغرى في المنطقة العربية . ولكن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المتصلة عبر انتفاضته التي دخلت عامها الرابع ، لن يجعل الطريق سهلا او ممهدا امام المخططات التوسعية الصهيونية/الامريكية في بلادنا ، خاصة وان هذه المقاومة تضرب بجذورها في عمق الوجدان الشعبي العربي . الذي يعيش في هذه المرحلة ، حالة من السكون الظاهري يخفي شكلياً جوهره الداخلي الملئ بالتناقضات والحركة والتراكم المتواصل في انتظار نضوج العامل الذاتي .
وفي هذا السياق فإن الحديث عن كسر نظام الإلحاق أو التبعية الراهن هو حديث عن ضرورة حتمية في المستقبل المنظور لهذه الامة ، ولكن هذه الضرورة ستكون ضرباً من الوهم إذا لم نمتلك وضوح الرؤيا للمخاطر التي تفرضها علينا العولمة عبر ركائزها الأساسية الثلاث : صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة التجارة الدولية (w.T.O) .
مع اهمية وعينا لهذه المخاطر التي لا تتوقف فحسب عند الأوضاع الداخلية القطرية ، وإنما تسعى إلى تفكيك ما تبقى من أواصر الأمة باسم الفردية أو الليبرالية الجديدة والخصخصة ، بما يعزز تراخي دور الدولة وتراجع سيادتها السياسية كنتاج طبيعي لتراجع سيادتها الاقتصادية بالدرجة الأولى ، بما يتفق مع مصالح البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية من جهة ، والفئات البيروقراطية العليا – المدنية والعسكرية – من جهة أخرى ، وتحالفهما معاً في "رباط مقدس " ضمن إطار الأنظمة السائدة التي أصبحت تشكل اليوم أهم التعبيرات السياسية لهذا التحالف المعولم التابع – في العالم الثالث والوطن العربي – منذ أواخر القرن الماضي إلى اللحظة الراهنة التي قد تستمر تحت سيطرة هذا التحالف إلى فترة او حقبه طويله قادمه اذا ما بقيت ادوات التغيير ، او الاحزاب الطليعية غائبة عن الواقع والفعل كما هي الآن .
لذلك ، فإن من حقائق هذا العصر ، أن العولمة ، بمثل ما أدت إلى عولمة التحديات ، فإنها قد تعزز ما يمكن أن يسمى بعولمة الاستسلام في بلادنا وفي العالم الثالث عموماً ، والمؤشرات على ذلك كثيره في اوضاعنا الحالية .
وفي هذا السياق ، فإن ظاهرة الإحباط أو الميل للاستسلام والخضوع لم تكن وليدة الصدفة ، بل كانت – وما زالت – هدفاً أساسياً من أهداف برامج التثبيت والتكييف الهيكلي أو الخصخصة التي فرضها النظام الرأسمالي المعولم عبر البنك والصندوق الدوليين على البلدان الفقيرة ، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة ، لاستكمال إخضاع هذه البلدان وبيع موجوداتها وأملاكها العامة ( القطاع العام ) إلى القطاع الخاص المحلي والأجنبي دون أي تمييز ، والعراق المستباح اليوم في ظل الاحتلال الامريكي ، المعروض –بأرضه وثرواته- للبيع في سوق النخاسة الرأسمالي مثال حي على صورة بلداننا في المشهد القادم .
بقي ان نشير الى ان البعد الاقتصادي لبرامج الصندوق والبنك الدوليين المستنذ إلى المدرسة الليبرالية الجديدة ، يرى أن الرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي هي " أفضل النظم وقمة التطور ونهاية التاريخ " ، فقد تضمنت تلك البرامج ، توجيهاً لمعظم الدول الفقيرة باعتماد سياسة الانفراج السياسي الداخلي –باسم الديمقراطية- على قاعدة الليبرالية الجديدة ، وبما يخدم سياسة بيع القطاع العام أو الخصخصة من جهة ، وتقييد حرية القوى السياسية في إطار القوانين والديمقراطية الشكلية ، او ديمقراطية التكيف مع نظام العولمة التي قامت بتطبيقها السلطات التنفيذية في العديد من بلدان العالم الثالث استجابة لشروط العولمة وحفاظا على مصالح الطبقة/الطغمة الحاكمة من جهة أخرى .
وقد تمكنت هذه السياسات والبرامج من التفاعل مع الواقع المحلي في بلدان الوطن العربي دون أية عوائق ، بل نجحت في فرض أهدافها الاقتصادية الاستغلالية ، الى جانب تحقيق أهدافها السياسية عبر عملية التطبيع والخضوع لشروط كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة وصولا الى خارطة او متاهة الطريق ، بحيث بات مسار الصراع العربي-الصهيوني يسير اليوم في مسار معاكس للاتجاه السائد طوال المرحلة التاريخية الممتدة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى العقد التاسع من القرن العشرين ، كما نجحت هذه البرامج في الإسهام في تراجع أو انهيار حركة التحرر القومي وقواها وتنظيماتها الوطنية بكل تلاوينها السياسية في كافة الأقطار العربية ، إلى جانب الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي وانتشار مظاهر الفقر والبطالة للسواد الأعظم من أبناء الشعب ، مما وفر السبل والمقومات لنمو وتطور الفئات البيروقراطية والطفيلية بوتائر متطابقة مع شروط العولمة الجديدة من جهة ، وساهم في انتشار وسيادة مؤشرات الإحباط والخضوع والميل نحو الاستسلام من جهة أخرى .
من هنا فإن الدعوة إلى مقاومة عولمة الاستسلام ، تمثل أحد أبرز عناوين الصراع العربي الراهن من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية - ، مدركين أن أحد أهم شروط هذا التحدي العربي لهذه الظاهرة هو امتلاك تقنيات العصر ومعلوماته وفق مفاهيم العقل والعلم والحداثة ، في إطار أيدلوجي تقدمي ينتمي إلى الواقع العربي ويتفاعل معه ويعبر عنه في الممارسة العملية من جهة ، وإلى الاشتراكية والفكر الماركسي كضرورة تتطلع إليها شعوبنا العربية كطريق وحيد للخلاص والتحرر الوطني والقومي و الاجتماعي من جهة أخرى ، إنها مهمة لا تقبل التأجيل ، يتحمل تبعاتها – بشكل مباشر – المثقف التقدمي الملتزم في كل أقطار الوطن العربي ، إذ أنه في ظل استفحال التخلف وعدم تبلور الحامل الاجتماعي الطبقي النقيض للعولمة وتأثيرها المدمر ، لا خيار أمام المثقف العربي سوى أن يتحمل مسئوليته – في المراحل الأولى – منفرداً ، وهذا يستلزم – كخطوة أولى – من كافة الأحزاب والقوى والأطر التقدمية أن تتخطى شروط أزمتها الذاتية ، وأن تخرج من حالة الفوضى والتشتت الفكري والسياسي والتنظيمي الذي يكاد يصل إلى درجة الغربة عن الواقع عبر التوجهات الليبرالية الهابطة أو العدمية التائهة .
لقد آن الأوان لاستخدام النظرية والمنهج العلمي استخداماً جدلياً مع الواقع العربي بكل تفاصيله وخصوصياته ، وذلك على قاعدة الالتزام الأيدلوجي من جهة والالتزام بالديمقراطية كوسيلة لا بد من نشرها وتعميقها ومأسستها على الصعيد المجتمعي ، وتطويرها من شكلها السياسي أو التعددي الفوقي إلى جوهرها الشعبي الاجتماعي الاقتصادي الذي يمثل نقيضاً لأوهام الليبرالية الغربية وشروطها المعولمة من جهة أخرى .
إن الدعوة للالتزام بهذه الرؤية وآلياتها ، تستهدف في أحد أهم جوانبها ، وقف حالة الإحباط واليأس التي تستشري الآن في الطبقات الاجتماعية الكادحة والفقيرة ، ومن ثم إعادة تفعيل مشروع النهضة القومي الوحدوي كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقله من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، بما يمكن من تغيير وتجاوز الواقع الراهن .
من هنا تأتي أهمية قراءة هذه المقتطفات من كتاب المفكر الاقتصادي التقدمي العربي الراحل د. رمزي زكي " الليبرالية المستبدة " وهو الكتاب الأول من نوعه الذي يبحث في الاقتصاد السياسي للتكيف وتأثير برامج صندوق النقد والبنك الدوليين على بلدان العالم الثالث ، كما يقدم لنا تحليلاً نظرياً يقوم على أسس الواقع المادي المعاش في وطننا العربي ، ويكشف بوضوح نتائج القبول بالاشتراطات الأمريكية أو العولمة ، لا فرق .
أخيراً ، فإن هذه المقتطفات تمثل أيضاً وجهة النظر النقيض لما يردده عدد من المثقفين في الوطن العربي الذين إنفردوا بالدفاع عن سياسات الخصخصة وحرية السوق ، ومنظمة التجارة الدولية ، والعولمة ، باسم الديمقراطية السياسية وحقوق الانسان والمجتمع المدني ، وباسم الدفاع عن الليبرالية والتطبيع لا لشيء سوى تأكيداً لمصالحهم الطبقية وتطلعاتهم وطموحاتهم الشخصية الانانية في سياق النظام الحاكم وطبقته البيروقراطية الطفيلية السائدة التي باتت اليوم محكومة وخاضعة لشروط التحالف الامريكي-الصهيوني في بلادنا .
الى كل هؤلاء نقول ، ان كل محاولات الاعتماد المحلي على الذات ، أو الخروج من المأزق القطري الخانق الذي تعيشه جماهير أمتنا العربية راهناً ، ستؤدي بالضرورة الى استكشاف عمق الحاجة الى تطبيق مبدأ الاعتماد الجماعي العربي - التدريجي - على الذات ، بعد أن يتبين للجميع عجز الواقع السياسي الاقتصادي الاجتماعي القطري عن حل أزمته منفرداً ، وأن لا بديل عن الاطار الديمقراطي التقدمي القومي الموحد كمخرج وحيد من كل أزماتنا التي نعيشها اليوم وفي المستقبل ، هذه هي المهمة الرئيسة لكل أطراف حركة التحرر الوطني العربية في هذه المرحلة .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *