غازي الصوراني _ماركس وفلسفته المناضلة من أجل الإنسان الشامل المتحرر من كل قيود الاستغلال والاستبداد والاغتراب ..
غازي الصوراني _ماركس وفلسفته المناضلة من أجل الإنسان الشامل المتحرر من كل قيود الاستغلال والاستبداد والاغتراب ...
إن الذي يميز ماركس من بين كل الفلاسفة الذين عرفتهم البشرية، هو أنه الوحيد الذي قرن أفكاره الإنسانية بشروط تحققها المادية والاجتماعية والإنسانية.
ولذلك أضحت فلسفته شعار كل الساعين إلى تحرير الإنسان من قيوده واغترابه ، والطامحين إلى خلق الإنسان الحقيقي الشامل، الذي لم يحدث أن تبنت أية فلسفة أخرى خلقه، ولا هو تحقق على الارض بعد.
ومن هذه النقطة بالذات يمكن القول أن فلسفته هي وحدها، من بين كل الفلسفات ، الفلسفة العلمية والثورية بحق.
لكن هل يعني ذلك أن ليس في الامكان قول أي شيء عن الإنسان الشامل الذي تكون مسألة الشروع في خلقه القضية المركزية في الفلسفة الماركسية؟
الواقع _ كما يقول بحق المفكر التقدمي السوري الراحل د.حامد خليل_ أنه ليس لدى ماركس في هذا المقام، وقد كان في ذلك متفقاً مع روح منهجه التاريخي ، سوى صورة شعاعية لجنين الإنسان الاشتراكي الذي كان يتكون في احشاء النظام الرأسمالي .
وبهذا الصدد لخص "دوبيثر" في كتابه "الإنسان الاشتراكي " تلك الملامح على نحو يتفق تماماً مع موقف ماركس من صورة الجنين المذكور.
فقد قال إن الإنسان المذكور لن يكون نتاج مجتمع طبقي تناحري عدائي، ولن يكون هناك مجال لوقوعه، وهو المنتج الاجتماعي، تحت سيطرة نتاجه ومحيطه الاجتماعي بدلاً من أن يكون السيد عليهما.
إنه لن يكون لعبة قوى السوق العمياء، ولا آلة اقتصاد حربي رأسمالي جديد تسيره الدولة على هواها. ولن يكون ذلك الإنسان المستعبد المستلب الذي كانه في الماضي، ولا تلك النسخة الرديئة عن ذلك البورجوازي المتشيء كما هي عليه حاله في دولة المستغلين والطامحين إلى جمع الثروة فحسب.
وبوصفه عاملاً اجتماعياً ، لن يكون في مقدوره أن يكون ذاته الا في مجتمع جماعي رفيع التطور.
فالمجتمع المذكور هو هو وحده الذي سوف يوفر له امكانية تلبية حاجاته المادية والروحية بطريقة أمنية لا تحف بها المخاطر ، وعقلانية لا تخضع للنزوات.
وفي اطار مجتمع كهذا، فان الإنسان المذكور سيتمكن من تلبية حاجاته المذكورة واستخدام أوقات فراغه بتبصر، بدلاً من أن ينساق إلى صوت الدعاية التجارية الخافت أو الراعد ، يوجهه كما يحلو له.
وكذلك سيكون في مقدوره في المجتمع المذكور وحده، تنمية طاقاته البيولوجية والفكرية، وتطوير شخصيته وتحقيق وحدتها، ونبذ جانباً كل تلك التركة الثقيلة، الموروثة منذ آلاف السنين، من الفاقة المادية واللامساواة والاضطهاد.
وعندها فقط، سيكون في وسعه ان يخفف من حدة الطلاق القائم الآن بين العمل المادي والعمل الفكري، ذلك الطلاق الذي نجم عنه اغتراب الإنسان عن نفسه وعن الناس الآخرين ، وانقسام البشرية إلى حكام ومحكومين، وطبقات متناحرة، وصراع ، وحروب، واستعمار، وتمييز عنصري، وتجارة رقيق، وتشريد شعوب، وتدمير شامل لكافة القيم الإنسانية الحقيقة.
على أن "ماركس"_ كما يضيف د.حامد خليل_ لم يكن مثالياً كهيجل لكي يرى أن تحرر الإنسان وارتقائه على النحو المذكور هي مسألة وعي فحسب، وإنما دفعته علميته إلى أن يفهم بعمق بالغ الشدة أن المسألة المذكورة هي فعل تاريخي نضالي من جهة ، وتتوقف على تحرير كل البشرية وارتقائها من جهة أخرى ، وهذان هما الشرطان الاساسيان اللذان قرن تحقق أفكاره النظرية بهما، واللذان بدونهما تظل تلك الافكار مجرد أفكار طوباوية ليس لها أية قيمة.
رأى ماركس أن الوصول إلى الإنسان المذكور، أو على الاقل التحول باتجاهه، لن يتأتى إلا بفعل نضالي يستهدف قبل كل شيء إلغاء كافة الشروط المادية التي قادت إلى التشكل الطبقي المذكور، لكن ذلك لن يحدث الا على أساس طبقي، ويعود السبب في ذلك إلى أن كل اغتراب بشري وكل عبودية وقهر وتمزق وتشيؤ للإنسان عبر التاريخ، إنما تنشأ كلها من علاقة واحدة بالذات، هي علاقة الإنسان العامل بالإنتاج .
ولذا فان تحرير الإنسان من شروط لا إنسانيته المذكورة، لا يمكن تحقيقه إلا على يد طبقة المنتجين هؤلاء، فالتحرير المذكور هو في حقيقته تحرير الإنسان من علاقته المذكورة بالإنتاج. وهذا يستدعي حكماً تحرير كل انسان مرتبط بهذه العلاقة، أي تحرير الطبقة العاملة التي هي وحدها المرتبطة بها
ويمكن صياغة هذه المسألة بطريقة أخرى فنقول إن الطبقة العاملة هي وحدها، بين كل الطبقات، التي يكون تحريرها هو تحرير للإنسانية بالكامل، والسير بعد ذلك باتجاه الإنسان الشامل.
فتحريرها يعني شيئاً واحداً فقط وهو الغاء أسلوب العمل السائد الذي هو أصل كل تشكل طبقي لا انساني للإنسان.
وعندما يتم ذلك تكون قد تحققت الشروط المادية الاجتماعية والإنسانية الضرورية لتحقيق الافكار الإنسانية النظرية تحقيقاً فعلياً، وبالتالي تمهيد الطريق لخلق الإنسان الشامل.
ولتوضيح تلك الشروط بين ماركس في البيان الشيوعي أن التحرير المذكور للطبقة العاملة، الذي هو المقدمة الاساسية للسير نحو الإنسان الشامل، يتوقف على الغاء الملكية الفردية ، والغاء الحرية البورجوازية المتمثلة بحرية التجارة، وحرية البيع والشراء، وحرية زيادة رأس المال واستغلاله على حساب المنتجين، وحرية استغلال الآخرين. هذا هو الشرط المادي.
كذلك يتوقف على اقامة ملكية اجتماعية ، ملكية الشعب بأسره، لكافة وسائل الانتاج. وهذا هو الشرط الاجتماعي الذي بمقتضاه تقوم علاقات اجتماعية حقيقية بين الناس. وأخيراً يتوقف التحرير المذكور على تقويض كل العداوات القومية المكرسة لخدمة الطبقات المستغلة ، واحلال التعاون بين الامم محلها. وهذا هو الشرط الإنساني.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق