الكتابة عن السجن في الأدب المغربي
* الكتابة عن تجربة السجن في المغرب جاءت في سياق تحولات مجتمعية وسياسية وايديولوجية * شكلت مذكرات احد العسكريين الناجين من معتقل تازمامارت بداية جديدة لنوع آخر من الحكي * صدور كتاب الرايس وغيره مؤشر على دخول المغرب مرحلة المصالحة والانفتاح الديمقراطي عبد الرحيم العلام ارتبطت الكتابة عن السجن في الأدب المغربي الحديث بـ«الأدب الشخصي» تحديدا (سواء تعلق الأمر، هنا، بالسير الذاتية أو المذكرات أو الرواية الشخصية)، كما ارتبط بالرواية أيضا. وقد شكلت الكتابات السردية لعبد القادر الشاوي فاتحة، من نوع آخر، للكتابة عن تجربة السجن في المغرب، وتحديدا منذ صدور روايته الأولى (أو بالأحرى سيرته الذاتية) «كان وأخواتها»، وقد صدرت، السنة الماضية، في طبعتها الثانية، بعد أن رفع عنها المنع الذي طالها على امتداد سنوات خلت (منذ صدورها في بداية الثمانينات). وإذا كان الروائي المغربي عبد الكريم غلاب قد كتب بدوره، من زاوية سير ذاتية كذلك، عن تجربته مع السجن في أبعاده الخاصة، وتحديدا تلك المرتبطة بسؤال الذات (في بعدها الفردي والجماعي) في تفاعلها مع مجموعة من التحولات الطارئة في المجتمع المغربي، آنذاك، أي في مرحلة الاستعمار الفرنسي للمغرب، بما يوازي تلك التجربة من نضال وكفاح وطني ومقاومة للمستعمر، فاعتقال فأمل في الاستقلال الجماعي وتوق، أيضا، إلى الحرية الفردية، فإن الكتابات السردية (السجنية) لعبد القادر الشاوي ـ وعند غيره من الكتاب المغاربة التاليين، وأبرزهم، هنا، صلاح الوديع في روايته «العريس» ـ جاءت في سياق تحولات مجتمعية وسياسية وايديولوجية أخرى، لاحقة، هي غير تلك التي واكبتها التجربة الكتابية ـ السجنية، كما تبلورت قسماتها عند عبد الكريم غلاب، كما في روايته «سبعة أبواب» مثلا.
الخوف من الكتابة هي، إذن، تجربة النضال الذي تفجر في سبعينيات القرن الماضي، في المغرب، حيث تصاعدت حدة النضال، السري والعلني، والمظاهرات، واكبتها العديد من الاعتقالات والمحاكمات والاختطافات والنفي في صفوف الحركة اليسارية بكل مكوناتها، أي في مرحلة كان فيها النضال والكتابة يثيران الكثير من الحساسية والتأثير والرعب لدى السلطة وسدنة التاريخ. غير أنه، مع بداية الانفراج السياسي والحقوقي والاجتماعي والثقافي في المغرب، وتحديدا منذ أواخر التسعينات، أي مباشرة بعد الإفراج عن مجموعة جديدة من المختطفين والمعتقلين السياسيين والعسكريين بالمغرب، دخلت الكتابة والحكي عن تجربة الاعتقال والاختطاف والتعذيب مرحلة جديدة وجريئة، لم يسبق للمغرب أن عرف مثلها من قبل، بعد كل ما توفر لها من حرية في التعبير والانتقاد والكشف عن أسرار مرحلة أساسية من تاريخ المغرب الحديث (حادث الانقلاب العسكري الذي تعرض له القصر الملكي بالصخيرات ومعتقل تازمامارت).
وقد شكلت مذكرات أحد هؤلاء العسكريين الناجين من معتقل تازمامارت، ويتعلق الأمر بمحمد الرايس، بداية جديدة لولادة نوع آخر مغاير من الحكي، الذاتي الواقعي، عن تجربة الاعتقال والتعذيب، وتحديدا منذ أن نشرت تلك المذكرات مسلسلة في صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية، أي قبل أن تجمع حلقات تلك المذكرات وتصدر في بداية السنة في كتاب مستقل بعنوان «تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم: مذكرات محمد الرايس»، بترجمة مبدعة، من اللغة الفرنسية، للصحافي المغربي عبد الحميد جماهيري. وأثار نشر تلك المذكرات مسلسلة، في البداية، دهشة كبيرة لدى الرأي العام المغربي (والدولي)، حيث تتبعها الكل باهتمام كبير، ليس فقط بالنظر إلى استثنائية مضمونها العام وخصوصيته، في الآن ذاته، والى مباشريتها وجرأتها، ولكن أيضا اعتبارا للحقائق المروعة التي تكشف عنها هذه المذكرات، بعد أن ظلت تلك المرحلة، وتلك الواقعة، يكتنفها الكثير من الغموض والتباين في الروايات، وخصوصا لدى الأجيال الجديدة التي لم تعاصر أحداث تلك المرحلة، ناهيك من التعتيم الاعلامي الكبير الذي طال تمفصلاتها العامة، في السابق، ويتعلق الأمر، هنا، تحديدا بذلك الحادث المشهور في تاريخ المغرب الحديث، والمعروف بحادث مدينة «الصخيرات»، القريبة جدا من مدينة الرباط، حيث حدثت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، عام 1971، ضد ملك المغرب الراحل الحسن الثاني، وما أسفر عنه ذلك الحادث من قتلى في صفوف الانقلابيين وميتات عشوائية في صفوف المدعوين لحفل عيد ميلاد الملك الذي كان يقام في لحظة الانقلاب، خلال شهر يوليو (تموز) من تلك السنة، وهي اللحظة التي ترتبت عنها مجموعة من الاعدامات والاعتقالات في صفوف الضباط الانقلابيين، وغيرهم من العسكريين المتورطين منهم وغير المتورطين في حادث الانقلاب ذاك، ومن بينهم محمد الرايس، هذا الذي حكمت عليه محكمة العدل الخاصة بالاعدام، قبل أن يصدر في حقه، في ما بعد، أمر ملكي بتحويل حكم الاعدام إلى حكم مؤبد.
تلت مذكرات الرايس كتب أخرى صدرت، مؤخرا أيضا، تحكي بدورها عن ذلك الحادث وعن معتقل تازمامارت، تحديدا، منها كتاب «تازمامارت»، الصادر بالفرنسية لأحد الناجين، أيضا، من ذات المعتقل، وهو أحمد المرزوقي، ثم رواية صدرت بباريس عن منشورات سُوْي، وهي للكاتب المغربي الطاهر بن جلون، الذي يكتب بالفرنسية، مع الإشارة، هنا، إلى ما أفرزه صدور هذه الرواية من ردود فعل متباينة، ليس هنا مجال الخوض فيها (سواء من طرف عزيز بنبين، أحد هؤلاء المعتقلين الذين عاشوا محنة التعذيب اليومي بتازمامارت، والذي اتفق مع الكاتب، بموجب عقد، على أن يحكي له مذكراته، لأجل أن ينسجها في شكل رواية، أو مــــــن طرف «منتدى الحقيقة والانصاف» بباريس الذي أصدر بيانا يدين فيه الطاهر بن جلون على سكوته إبــــــان مــــــدة التعذيب الذي تعرض له المختطفون أيام الاعتقال)، وهي ردود فعل قد لا تنقص من القيمة الابداعية لهذه الرواية ولكاتبها، ومن أهميتها الحكائية والتاريخية أيضا.
القدرة على السرد هكذا، إذن، تشكل تجربة محمد الرايس، أحد أولئك العسكريين الذين تورطوا في حادث ذلك الانقلاب العسكري المسلح، وأحد هؤلاء الذين بقوا على قيد الحياة في معتقل تازمامارت (ما بين مدينتي ميدلت والراشيدية، في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، غير بعيد عن الحدود المغربية ـ الجزائرية، والمبني بالاسمنت المسلح وله جدران سميكة، ص133 و124)، تشكل تلك التجربة بداية جديدة لتراكم سردي حول جحيم تازمامارت الشهير، هذا المعتقل الذي أحيط، لمدة طويلة، بالكثير من السرية والانكار، كما كان يشكل أحد التابوهات الكبرى، آنذاك، لدى المغاربة ولدى الأجانب، وإن كانت بعض هذه الجهات الاجنبية، وحتى المغربية، على دراية تامة بالوجود الفعلي لذلك المعتقل وبموقعه أيضا (وهو ما سبق للصحافة الفرنسية أن كشفت عنه في الثمانينات)، وذلك باعتبارها تجربة قاسية، يصعب على الإنسان تلقيها وقراءتها في عنفوانها وفي عنفها وقساوتها وفي أخطائها أيضا، فبالأحرى امتلاك القدرة النفسية على حكيها وإعادة كتابتها للتاريخ ولذاكرة المعتقلين الأموات وللأجيال الجديدة، أو اللجوء الى كتابتها، فقط من أجل محاولة نسيانها، اي عبر التخلص من تركتها بواسطة الكتابة، وإن كان من الصعوبة على جروحها الموشومة أن تندمل هكذا بسهولة، ولربما هو السبب ذاته الذي دفع بمحمد الرايس الى التصريح، في سياق مواز، بكونه يريد التخلص من هذا الكابوس الذي يسكنه ومن تلك الصرخات الحادة لرفاقه الذين جنوا بفعل العزلة والظلمة (ص3).
وفي هذه المذكرات نلمس لدى محمد الرايس هذه القدرة العجيبة على الحكي، الى جانب امتلاكه، كذلك، لعين لاقطة ولذاكرة قوية وحية، بما هي ذاكرة ما زالت تختزن حتى أبسط الأحداث والوقائع والتواريخ وتخترق أصغر التفاصيل والجزئيات، بالرغم من صعوبة تلك التجربة وقساوتها النفسيةوالجسدية، تلك التي لم يستطع بعض من تورطوا في غمارها من مقاومة الجنون والموت داخل المعتقل. وفي مذكرات الرايس، كذلك، يتم الحكي بمرارة نافذة عن أشكال عديدة من الفظاعة البشرية والمعاملة البشعة واللاإنسانية للمعتقلين، والتي قد لا يحس بها، حقا، الا من عاش تلك التجربة الأليمة والطافحة بأشكال المغامرة والعنف والمعاناة والخوف والعذاب والظلام والغربة والموت البطيء،.
مرحلة مغربية جديدة نتيجة لذلك كله، قرر محمد الرايس، بعد تفكير طويل، أن يكتب، في هذا الوقت بالذات، هذه الشهادات الحقيقية، حسب تعبيره، أي كما حدثت وقائعها، وكما توالت إفرازاتها من حوله وأمام عينيه، وحتى وهو مغمض العينين. من ثم، كانت الغاية من وراء كل ما كتبه الرايس من صفحات سوداء في مذكراته، وربما الهدف من وراء نشرها أيضا، هو «تسليط الضوء على كل النقط التي ظلت تلفها العتمة إلى يومنا هذا» (ص3، من التقديم). كما كان الوفاء، عبرها، لمن عاشوا معه المحنة، ولمن ماتوا في المعتقل (وعددهم اثنا وثلاثون شخصا)، الى جانب رغبته المستمرة في قول الحقيقة «من أجل العدالة» أيضا. كل ذلك، إذن، كان وراء اتخاذ الرايس، باقتناع وبجرأة، لقرار الكتابة والنشر. يضاف الى ذلك أن هذا الكتاب، كما نستشف من مضمونه، قد صدر ليس فقط من اجل ان يحكي لنا ما وقع، ولكن ايضا من اجل ان يصحح بعض «الاختلاقات والأكاذيب» التي أثيرت حول حادث الصخيرات، على سبيل المثال.
archive.aawsat.com/details.asp?article=37966&issueno=8192
.إفتح المحتوي بمشاركة المقال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق