البيان الختامي للمؤتمر الوطني السادس
البيان الختامي للمؤتمر الوطني السادس:
نعم سننتصر
عقد حزب العمال أيام 7/8/9 جويلية 2023 بتونس العاصمة مؤتمره الوطني السادس تحت شعار" نعم سننتصر". وقد واكب افتتاحه عدد كبير من أعضاء الحزب وأنصاره فضلا عن عديد الشخصيات وممثلي أهم القوى السياسية والنقابية والمدنية الديمقراطيّة والتقدمية. وقد أبرقت العديد من الأحزاب والمنظمات الشقيقة والصديقة من كل القارات لتحيّة المؤتمر. وقد صادق المؤتمرات والمؤتمرون على الوثائق واللوائح التي عالجت أهم القضايا الفكرية والسياسية والتنظيمية ذات الطابع المباشر والمرحلي تتويجا لمسار من النقاش دام مدة شهرين شارك فيه كل أعضاء الحزب ومنتسبوه في كافة الجهات وفي المهجر. وقد أنهى المؤتمر الوطني السادس أشغاله بنجاح وروح معنوية عالية ووحدة نضالية قويّة وتصميم على تكريس مقرراته وتحمّل المسؤولية في هذه المرحلة المهمّة.
لقد انعقد المؤتمر الوطني السادس لحزبنا في ظروف عالمية وإقليمية ومحلية دقيقة وصعبة ومعقّدة وحبلى بالمخاطر والتهديدات التي تتطلب الكثير من اليقظة والكفاحية:
1- في الوضع الدولي:
إنّ الأزمة العامة للنظام الرأسمالي تتفاقم. وإنّ الطبقة العاملة والكادحين والمهمّشين والمهاجرين والأقليات في البلدان الرأسمالية والشعوب في البلدان التابعة والمهيمن عليها في مختلف القارات هم الذين يدفعون ثمن هذه الأزمة بطالة وفقرا وتهميشا وغلاء معيشة وقمعا سياسيّا مقرونا بتصاعد الحركات اليمينية المتطرّفة والفاشية والعنصرية التي وصلت إلى الحكم أو هي قريبة من الوصول إليه في العديد من البلدان بما فيها البلدان الرأسمالية المتطورة. كما أنهم يدفعون ثمن هذه الأزمة تدهورا لمحيطهم وبيئتهم نتيجة تكالب الدول والشركات الرأسمالية الاحتكارية على الربح ممّا نتج عنه تدمير مستمر للطبيعة أدّى ويؤدّي إلى تغيّرات مناخية كارثية على البشر والفلاحة ومصادر الماء والثروة الحيوانية. وفي نفس الوقت الذي يشتدّ فيه الهجوم على العمال والكادحين من جهة وعلى الشعوب والأمم المضطهدة من جهة ثانية، تتفاقم اليوم الصراعات بين الدول وكبريات الشركات الرأسمالية الاحتكارية من أجل إعادة اقتسام العالم بثرواته الطبيعية وأسواقه ومناطقه الاستراتيجية. لقد انتهى عهد القطب "الأمريكي" الواحد وأصبح الوضع يتجه نحو عالم متعدد الأقطاب الرأسمالية، فيها القديم بزعامة الامبريالية الأمريكية الذي يريد الحفاظ على موقعه الهيمني و"مغانمه" وفيها الجديد الصاعد مثل الصين والعائد من بعيد مثل روسيا الذي يريد نصيبه من "الغنيمة" عبر إعادة اقتسام مناطق النفوذ في العالم. وهو ما يسبّب صراعا اقتصاديا وماليا وتجاريا محموما وسباقا جنونيا غير مسبوق نحو التسلّح وتوتّرات كبرى في أكثر من منطقة في العالم وخاصة منها منطقة بحر الصين وجنوب شرقي آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وما الحرب الأوكرانية إلاّ صورة مصغّرة لحرب امبريالية بين روسيا وحلفائها (الصين خاصة) من جهة وحلف الناتو الداعم لنظام زيلينسكي اليميني الشعبوي المتطرف من جهة ثانية. وقد أصبح اليوم الحديث عن تعبئة الأسلحة النووية والتهديد باستعمالها أمرا عاديا. وهو ما يضع البشرية أمام مخاطر كبرى.
إنّ الشعب التونسي جزء من الإنسانية. وهو معني كسائر الشعوب الأخرى بمصيرها. وهو في هذا الظرف لا يمكن أن يكون خارج حركة النضال الأممية ضد الاستغلال والاضطهاد الامبرياليّين للعمال والكادحين والشعوب التي هو واحد منها. كما أنه لا يمكن أن يكون غير معني بالنضال من أجل السلم العالمي ومن أجل وضع حدّ لتدمير الطبيعة الممنهج. وفي هذا الصدد يتوجه نواب المؤتمر الوطني السادس بكل عبارات المساندة للنضالات العارمة في فرنسا ضد الممارسات العنصرية التي عرّت حقيقة الديمقراطية البرجوازية التي كشّرت عن أنيابها ومارست قمعا وحشيّا على المتظاهرين والمحتجّين. كما يدينون الممارسات العنصرية والشوفينية لقطاع اليمين الفاشستي في السويد وفي بعض البلدان الأخرى ضد المسلمين وضد معتقداتهم ومقدساتهم. كما يجدّدون مساندتهم العالية لنضالات العمال والفلاحين والنساء والأقليات في الشيلي والإكوادور والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والهند وباكستان وجنوب افريقيا وغيرها.
إنّ الأزمة الرأسمالية الحالية وتبعاتها على العمال والكادحين والشعوب تؤكد من جديد حاجة الإنسانية إلى حضارة جديدة تتجاوز الحضارة البورجوازية الرأسمالية التي انتهت تاريخيا، حضارة اشتراكية بقيادة العمّال والكادحين توفّر الحرية للشعوب والعدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر وهو أمر ممكن بسبب التطور الهائل لقوى الإنتاج القادر على توفير مقوّمات الحياة الكريمة للجميع لولا جشع حفنة من الدول والشركات الاحتكارية الكبرى التي تستحوذ على معظم الثروة العالمية وتبدّد جزءا مهمّا منها في إنتاج السلاح وإثارة الحروب والفتن الأثنية والقومية الشوفينية والعقائدية وغيرها.
إنّ حزب العمال الذي تربطه علاقة صداقة متينة بالعديد من القوى الثورية والتقدمية في العالم لن يدّخر أيّ جهد للعمل معها من أجل إقامة جبهة عالمية ضد الامبريالية والرجعية والعنصرية وضد الحرب والتدمير الممنهج للطبيعة.
2- في الوضع العربي والإقليمي:
إنّ صراع الأقطاب والدول الامبريالية بقديمها وجديدها الصاعد أو العائد له انعكاسات مباشرة على الأقطار العربية وبلدان المنطقة بأسرها. إنّ منطقتنا الاستراتيجية وذات الثروات الطبيعة الكبرى تمثل إحدى المناطق التي تحتدم فيها اليوم المنافسة بين تلك الأقطاب. وهي تشهد بدورها متغيرات جديدة تشمل علاقات دول المنطقة بعضها ببعض كما تشمل علاقة هذه الدول مختلف الأقطاب الامبريالية وبالكيان الصهيوني الغاصب. وهو ما تؤكده التسويات الحاصلة بين السعودية وإيران بوساطة صينية وبين مصر وتركيا وبين السعودية وقطر وبين السعودية وسوريا الخ... وهو ما يؤذن بدخول المنطقة في مرحلة جديدة بعد أن تمكّنت الرجعيات العربية المدعومة بقوى استعمارية من الالتفاف على الموجة الأولى والثانية من الثورات العربية والزجّ بعدد من الأقطار في حروب أهلية رجعية دموية مدمّرة. وفي هذا السياق فإنّ المملكة العربية السعودية التي تمثل منذ عقود قطب رحى الرجعية العربية في المنطقة تعمل على أن تكون في قيادة هذه المرحلة. لقد أصبحت العربية السعودية بقيادة أميرها ابن سلمان تُعدّل سياساتها في اتجاه الربط مع الامبرياليات الصاعدة وأساسا الصين وروسيا في إطار ترتيبات جديدة لملف الطاقة وتداعياته إقليميا ودوليّا. إنّ "العصر السعودي" الجديد الذي يُطلّ برأسه والذي يعقب عصر التصدّي للمدّ القومي الناصري خاصة وعصر نشر الوهابيّة ودعم القوى الظلامية بمختلف تلويناتها من "الإخوان" إلى "الدواعش" بتكليف أمريكي غربي لمواجهة الاتحاد السوفياتي والحركات اليسارية والتقدمية العربية وموجة الثورات الأخيرة، يحمل أعتى المخاطر على شعوب المنطقة وتطلّعاتها بما فيه من تخطيط لإقامة حلف جديد لقوى الاستبداد ربّما بعناوين وأسماء وأغلفة جديدة أو عصرانية زائفة، ولكن أيضا بمهمات "جديدة-قديمة" في مقدمتها تأبيد الهيمنة الامبريالية والرجعية على الشعوب العربية من جهة وتعميم التطبيع مع الكيان الصهيوني كوسيلة لتصفية القضية الفلسطينية "نهائيا" من جهة ثانية. وهو ما يطرح مهمّات ملحّة على القوى التقدمية وحركة التحرر الوطني في المنطقة للتصدي أوّلا لموجة تصاعد الاستبداد وتصفية بعض ما تحقّق من مكاسب محدودة في بعض الأقطار وتحديدا في مجال الحريات بفضل نضال الشعوب خاصة خلال موجتي الانتفاضات العربية ولا أدلّ على ذلك ممّا يجري اليوم في السودان الشقيق من حرب أهلية مدمّرة بين قطبي الثورة المضادة من أجهزة نظام البشير المخلوع بتوجيه من الرجعية الاقليمية والدولية. وثانيا لموجة تصاعد التطبيع مع العدو الصهيوني الذي يشنّ حرب إبادة عنصرية ضد الشعب الفلسطيني. خاصة أنّ نضال الشعوب العربية في المشرق والمغرب من أجل تحررها من الهيمنة الاستعمارية ونيل حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم يتوقف رغم تراجعه. كما أنّ المقاومة الفلسطينية الباسلة وفي مقدمتها المقاومة المسلحة ما انفكت تحقق مكاسب معنوية مهمة أثرت بشكل واضح في قواعد الاشتباك مع الكيان الغاصب والعنصري الذي يعيش أزمة داخلية هي الأعمق منذ انتصابه وقد بات يخشى بشكل جدّي لا وحدة المقاومة الفلسطينية هدفا وميدانا وسلاحا فقط، بل أيضا وحدة ساحات المقاومة في المنطقة بما فيها اللبنانية والسورية (الجولان) وما ستلقاه من دعم في كافة الأقطار العربية التي تتنامى فيها الحركات المقاومة للتطبيع.
إنّ نواب المؤتمر يجدّدون اعتبار حزب العمال جزء أصيلا من حركة التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي المغاربية والعربية. وهم بهذه الصفة يؤكدون انتصارهم الدائم لفلسطين قضية ومقاومة وهوية باعتباره واجبا وطنيا والتزاما ثوريا حتى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وإقامة دولتها الديمقراطية العلمانية وعاصمتها القدس. وهو يحيي بهذه المناسبة صمود جينين الباسل هذه الأيام في وجه الآلة العسكرية الصهيونية المجرمة. كما يحيّي نواب المؤتمر نضال الشعوب والقوى التقدمية الشقيقة من أجل الحرية والديمقراطية ومناهضة التطبيع والطائفية والحرب الأهلية والقمع السياسي، كما يجددون التضامن مع الشعب السوداني الشقيق وقواه الثورية رفضا للحرب الرجعية وانتصارا لثورة ديسمبر المجيدة، والمساندة المبدئية للشعب الصحراوي في حقه في تقرير المصير وللقوى التقدمية الصحراوية التي تتعرض للقمع والمحاكمات والتعذيب. والمساندة للقوى الثورية والتقدمية في المغرب وموريتانيا والجزائر ومصر ولبنان والعراق والأردن... في نضالها ضد الدكتاتورية والطائفية والتطبيع والفساد والتبعية مؤكدين على أهمية تحويل التضامن إلى قوة فاعلة ومنظمة من خلال إقامة أطر وجبهات نضال مشتركة ومتنوعة المضامين وفاعلة ميدانيا.
أما قارّيا فإنّ نواب المؤتمر يؤكّدون انتماء حزب العمال إلى الحركة الثورية الإفريقية التي تناضل من أجل تحرر القارة من كلّ أشكال الهيمنة الاستعمارية القديمة والجديدة، الغربيّة منها والشرقية (الصينية والروسية) وانحيازهم لكلّ النضالات في مختلف أقطار افريقيا ضد الحرب والمجاعات والاستبداد ونهب الخيرات والمقدّرات. وفي هذا الصدد فقد أصدر المؤتمر لائحة ضد العنصرية وانتهاك كرامة جنوب الصحراويبن في تونس في إطار حملة شعبوية رجعية أعطى إشارة انطلاقها قيس سعيد منذ شهر فيفري الماضي. وعبّر المؤتمرون عن رفض تحويل تونس إلى شرطي حدود ومحتشد للمهاجرين غير النظاميّين لصالح الدول الأوروبية الاستعمارية وخاصة تلك التي تديرها حكومات يمينية متطرفة وعنصرية مثل إيطاليا. وأكّدوا أنّ ما يتعرّض له المهاجرون جنوب الصحراويين من ممارسات عنصرية في بلادنا علاوة على الاستغلال الفاحش يشرّع لنفس الممارسات التي يتعرض لها بنات تونس وأبناؤها الفارّون من جحيم الفقر والبؤس وانسداد الآفاق في بلدهم. إنّ حلّ هذه المسألة لا يكون إلاّ اجتماعيّا وفي إطار الاحترام الكامل للكرامة البشرية والمواثيق الدولية. إننا واحد. إننا بشر بقطع النظر عن اللون أو الجنس أو القومية أو الدّين أو القناعة. وينبغي أن يُعامَل الكل على هذا الأساس دون أيّ ميز.
3- في الوضع المحلّي:
إنّ بلادنا تمرّ، في سياق هذه الأوضاع الدولية والإقليمية المضطربة واللاّمتغيّرة، بأزمة عامة وشاملة ظلّت تتخبّط فيها منذ سنوات عديدة بما فيها سنوات ما بعد الثورة التي انحصرت في تغيير شكل الحكم دون المساس بجوهره الطبقي، السياسي-الاجتماعي. لكنّ هذه الأزمة استفحلت في العامين الأخيرين مع سلطة الانقلاب الشّعبوي اليميني المتطرّف الذي يمثّل الثمرة المرّة لأزمة منظومة حكم حركة النهضة وحلفائها وما ولّدته من مخاوف من انفجار الوضع لدى البورجوازية العميلة وكبار بيروقراطيّي الدولة الذين دعّموا الانقلاب مستغلّين النقمة السارية في صفوف فئات واسعة من الشعب نتيجة خيبة الأمل التي انتابتها عشر سنوات بعد إسقاط الدكتاتورية لم تر فيها أيّ تغيير حقيقي لصالحها.
لقد طالت الأزمة العميقة مختلف الأصعدة اقتصاديا وماليا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وقيميا وبيئيا بفعل تواصل نفس الاختيارات المكرّسة للتبعية والفساد والاستبداد الذي تحوّل إلى ممارسة ممنهجة وواسعة لنظام الحكم منذ انقلاب 25 جويلية 2021. إنّ نظام قيس سعيد القائم على الحكم الفردي بصدد تصفية المكاسب التي حقّقتها الثورة وعمّدها الشعب بتضحيات أجياله المتعاقبة من الشهداء والمناضلين/المناضلات من كل التيارات التقدمية وفي مقدمتها مكسب الحريات. إنّ سلطة قيس سعيد تمثّل اليوم ذروة الثورة المضادة التي تشهد معها أوضاع البلاد والشعب تدهورا غير مسبوق من تفكيك مستمر لمختلف منظومات الإنتاج وتفاقم المديونية وعجز الميزان التجاري وارتفاع نسب التضخم الخ... ووصل الأمر حدّ فقدان مواد العيش الضرورية بما فيها الخبز، وانقطاع مياه الشرب، زيادة عن تدهور المقدرة الشرائية بسبب الغلاء الفاحش الذي لا يتوقف وتفاقم البطالة والفقر والجريمة خاصة منها جرائم القتل التي تركّزت في الفترات الأخيرة على النساء، والحرقة التي أصبحت تستقطب فئات جديدة دمّرها الفقر والفاقة. يتساوق ذلك مع استمرار انتهاك كلّ مقومات السيادة الوطنية واستقلالية القرار رغم ما يرفع من شعارات جوفاء، وتزايد القمع ومصادرة الحريات واعتقال أو تتبّع إعلاميّين ونشطاء ونقابيّين وسياسيّين بتهمة التآمر على أمن الدولة أو بناء على المرسوم 54 الفاشستي، يتم ذلك بتدجين القضاء واستهداف الأحزاب والمنظمات والنقابات وشيطنتها لتصفيتها تكريسا للتوجهات الشعبوية اليمينية المتطرفة التي لا تعترف بوسائط الانتظام الشعبي وتعمل على إلغائها تدريجيا.
إنّ نواب المؤتمر الوطني السادس يعبّرون في هذا السياق عن تضامنهم مع قطاع التعليم الأساسي الذي يتعرض لهجمة فاشستية (سحب الخطة من المئات من المديرين وتجميد مرتبات الآلاف من المدرّسين...) بسبب نضالاتهم المشروعة. كما يطالبون بإطلاق سراح كافة المعتقلين من أجل أفكارهم السياسية أو من أجل ممارستهم لحقّهم في التّعبير أو في الاحتجاج أو في النشاط النقابي. والمؤتمرون إذ يدينون كافة أشكال العسف والميز والعنف التي يتعرّض لها النساء التونسيات ويعبّرون عن سخطهم حيال تكاثر جرائم القتل التي تستهدفهن، فإنهم يجدّدون التزامهم الكامل بمواصلة النضال من أجل تحقيق المساواة التامة والفعلية في كافة المجالات بين بنات شعبنا وأبنائه.
لقد ناقش النواب بعمق الوضع العام بالبلاد والاستحقاقات المستوجبة وخلصوا إلى أنّ الانقلاب الشعبوي فاقم أوضاع الوطن والشعب المتدهورة أصلا. إّن هذا الانقلاب هو نتاج وامتداد في الآن نفسه لمنظومة رجعية لا وطنية ولا ديمقراطية ولا شعبية ظلّت تحكم تونس منذ أواسط القرن المنقضي مع حزب الدستور وصولا إلى حكم حركة النهضة "الإخوانية" وحلفائها من التيارات الليبرالية الحداثوية الزائفة الذين التفّوا على الثورة وأنقذوا المنظومة التي ثار ضدها الشعب نهاية 2010. إنّ الحل الجذري لمشاكل البلاد والشعب هو في خيارات جديدة تقطع نهائيا مع التبعية للدول الامبريالية والمؤسسات المالية والتجارية الخاضعة لها، ومع ما ينجرّ عنها من تدمير لقوى الإنتاج في المدينة والريف واستشراء لاقتصاد الريع والفساد وتفاقم لسطوة باروناته في القطاعين "المنظم والموازي".
إنّ الحل الجذري يكمن في الديمقراطية الشعبية بما تعنيه من سيادة شعبية على الدولة وعلى ثروات البلاد، بديلا تاريخيا عن إفلاس خيارات الأقلّيّات الرجعية، التابعة والمدمّرة للوطن والمفقّرة للعمال والكادحين والفئات الوسطى وعموم الشعب، وهو ما يتطلّب إعادة تنظيم حركة النضال الشعبي لتنطلق من جديد مدافعة عن مطالب الشعب وحقوقه، ومتصدّية للفاشية الزاحفة بالدفاع المستميت عن الحريات العامة والفردية وعن المساواة ورفض تلفيق القضايا للخصوم وتوظيف الأمن والقضاء والتلاعب بالملفات التي ناضلت القوى التقدمية لفتحها مثل ملفّ الاغتيالات السياسية والأجهزة الخاصة والتسفير الى بؤر التوتر... وهي ملفات يجب تخليصها كليا من التوظيف وهو ما يتحقق في ظل دولة قانون يكون فيها القضاء مستقلا وعادلا و قادرا على توفير كافة ضمانات المحاكمة العادلة.
إنّ مسألة السلطة مسألة مركزية في كل تغيير جذري وحقيقي بل في كلّ ثورة حقيقية. ولأنها كذلك فلا بدّ من أن تكون في قلب اهتمامات العمال والكادحين والشعب عامة من جهة والقوى الثورية والتقدمية من جهة ثانية. فمن دون الإمساك بالسلطة لا يمكن إجراء التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الضرورية لتحقيق شعار:"شغل، حرية، كرامة وطنية". وهي المسألة التي غابت في ثورة 2010-2011 التي أجهضتها قوى الثورة المضادة في بداية الطريق. وفي هذا السياق ناقش المؤتمرون كل ما من شأنه أن يساعد، فكريا وسياسيا وتنظيميا وعمليا، الحزب والقوى الثورية والتقدمية والشعبية على وعي هذه المسألة والسير نحو حسمها حتى لا تذهب تضحيات الشعب التونسي سدى.
هذا ويتوجه نواب المؤتمر إلى عموم القوى التقدمية من أحزاب ومنظمات وفعّاليات شبابية ونسائية وثقافية وشخصيات ومثقّفين وفنانين ومبدعين لحثّهم على توحيد الجهود وإبداع الآليات والأطر التنظيمية المرنة والمتغيرة مثلها مثل الأشكال النضاليّة، تكيّفا مع تطور الأوضاع الموضوعية والذاتية للحركة لمواجهة استحقاقات الوضع الحالي وتصعيد روح المقاومة والصمود في وجه الاستبداد الشعبوي المحافظ وفي وجه كافة محاولات الرجوع بنا إلى أوضاع ما قبل 25 جويلية 2021 وما قبل 14 جانفي 2011.
كما يتوجه نواب المؤتمر الوطني السادس بالتحية والامتنان إلى كل القوى التقدمية التي حضرت افتتاح المؤتمر أحزابا ومنظمات وفعاليات وشخصيات وإلى الإعلاميات والإعلاميّين الذين غطّوا الحدث بأمانة، وللأحزاب الشقيقة والصديقة التي أبرقت له. كما يتوجهون بالتحية الثورية العميقة إلى كل مناضلات الحزب ومناضليه ونصيراته وأنصاره على ما أكدوه من تماسك ووحدة وكفاحية في وجه الاستبداد المتصاعد وضد كل محاولات الاختراق وتمييع الخط الفكري والسياسي لحزب العمال الذي شكّل وما يزال مدرسة عريقة في النضال وفي التشبث بصرامة بالقيم والمبادئ الثورية والتقدمية وبالخط السياسي المستقل المناهض للشعبوية والظلامية وكافة تعبيرات اليمين الرجعي والانتهازي. ويعاهدون مناضلات الحزب ومناضليه على عدم ادّخارهم أيّ جهد في الدّفاع عن كلّ قضايا الشعب التّونسي والانخراط المتقدّم والواعي في كلّ واجهات النضال الطبقي من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، واستعداده لتقديم المزيد من التضحيات في سبيل هذه القضايا العادلة والنّبيلة.
نعم سننتصر على الاستبداد والاستغلال والعمالة
نعم سننتصر على أخطائنا ونقائصنا من أجل إعداد أنفسنا لتحقيق طموحات وطننا وشعبنا
عاش حزب العمال
عاش المؤتمر السادس
رئيس المؤتمر
كمال عمروسية
تونس في 12 جويلية 2023







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق