المنظمات غير الحكومية في خدمة الإمبريالية الكاتب: جيمس بيتراس
المنظمات غير الحكومية في خدمة الإمبريالية
الكاتب: جيمس بيتراس
ترجمة: عالية الروسان
تحرير: د. سوسن مروة
على مدى التاريخ مثلت الطبقات الحاكمة أقليات صغيرة، ولطالما اعتمدت على مؤسسات الدولة القمعية، والمؤسسات الاجتماعية للدفاع عن قوتها، مكاسبها، وامتيازاتها.
قامت الطبقات الحاكمة الامبريالية في الماضي، ولا سيما في العالم الثالث، بتمويل ودعم المؤسسات الدينية المحلية وما وراء البحار للسيطرة على الناس المستغلين ولحرف استيائهم نحو صراعات ومنافسات دينية وانقسامات محلية.
وبينما تستمر هذه الممارسات اليوم، برزت في العقود الأخيرة مؤسسات اجتماعية جديدة لتقوم بنفس الدور من السيطرة والتعمية الأيديولوجية ـ وهي تلك التي تصف نفسها -بالمنظمات غير الحكومية(NGO‘s) . اليوم يوجد هناك على الأقل 50,000 (خمسون ألف) منظمة غير حكومية في دول العالم الثالث تتلقى أكثر من عشرة مليارات من التمويل من مؤسسات مالية دولية، ومن الوكالات الحكومية والحكومات المحلية في كل من الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.
يقوم مديرو أكبر المنظمات غير الحكومية بإدارة ميزانيات تقدر قيمة كل منها بمليون دولار، مع رواتب وامتيازات يمكن مقارنتها بما يمتلكه الرؤساء التنفيذيون. يتنقلون بالطائرات النفاثة إلى المؤتمرات الدولية، ويتشاورون مع كبار مديري الشركات والمديرين الماليين، ويقرّون السياسات التي تؤثر - في الغالبية العظمى من الحالات بشكل سلبي - على ملايين الناس، وخاصة الفقراء والنساء والعاملين في القطاع غير الرسمي.
إن المنظمات غير الحكومية لاعب سياسي واجتماعي خطير على نطاق عالمي واسع، يعمل في المناطق الريفية والحضرية من آسيا، أميريكا اللاتينية وأفريقيا، ولطالما ارتبطت بأدوار تابعة لمموليها في أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. ومن أعراض انتشار المنظمات غير الحكومية وسلطتها الاقتصادية والسياسية على ما يسمى العالم النامي أنه لم يتوجه سوى العدد القليل من الانتقادات المنهجية اليسارية للتأثير السلبي للمنظمات غير الحكومية. يعود جزء كبير من هذا الفشل إلى نجاح تلك المنظمات في تفتيت وتدمير الحركة اليسارية المنظمة واستمالة مفكريهم الاستراتيجيين وقادتهم التنظيميين.
واليوم، يركز معظم الحركة اليسارية والمتحدثون الشعبيون انتقاداتهم على (صندوق النقد الدولي) و(البنك الدولي)، والشركات متعددة الجنسيات والبنوك الخاصة.. الخ، والذين يقرون أجندة الاقتصاد الكلي لنهب العالم الثالث، ان هذه مهمة كبيرة . مع ذلك، فإن الاعتداء على القاعدة الصناعية، وعلى الاستقلالية ومستويات المعيشة في العالم الثالث، يحدث سواء على مستوى الاقتصاد الكلي أو على المستوى السياسي الاجتماعي الميكروي. إن التأثير الفاضح لسياسيات التكيف الهيكلي على المعاشات والعاملين بأجر، على الفلاحين ورجال الأعمال المحليين، يولد سخطا شعبيا محتملا، وهنا يدخل دور المنظمات غير الحكومية في الصورة، لإرباك وحرف هذا السخط الشعبي بعيدا عن الهجوم المباشر على الشركات/هيكل السلطة المصرفية وأرباحها نحو المشاريع المحلية الصغيرة والاستغلال - الذاتي والتعليم الشعبي الذي يتجنب التحليل الطبقي للإمبريالية والاستغلال الرأسمالي.
لقد أصبحت المنظمات غير الحكومية في جميع انحاء العالم أحدث وسيلة للتنقل الفوقي للطبقة المتعلمة الطموحة: الأكاديميين والصحفيين، الذين تخلوا عن الرحلات السابقة لحركات اليساريين والتي تعتبر فقيرة المكاسب، من أجل عمل فخم ومربح في إدارة المؤسسات غير الحكومية، جالبين معهم مهاراتهم التنظيمية والخطابية وبعض العبارات الشعبوية. اليوم يوجد الآلاف من مدراء المنظمات غير الحكومية الذين يقودون سيارات رياضية فخمة ذات دفع رباعي، تقدر قيمة أي منها بأربعين ألف دولار أمريكي، من منازلهم أو شققهم حديثة الطراز في الضواحي، إلى مكاتبهم أو مجمعات الأبنية المؤثثة بفخامة، تاركين أطفالهم والأعمال المنزلية في أيدي الخدم، ويرعى البستانيون حدائقهم. إنهم يألفون مواقع مؤتمراتهم في ما وراء البحار حيث يمضون جل أوقاتهم (واشنطن، بان كوك، طوكيو، بروكسل، روما، الخ) أكثر من القرى الموحلة في بلادهم؛ إنهم أكثر براعة في كتابة مقترحات لجلب العملة الصعبة من أجل المتخصصين المستحقين من المخاطرة في قرعة على الرأس من قبل الشرطة أثناء قمعها مظاهرة لمعلمي المدارس الريفية الذين يتقاضون أجورا هي أقل من الحد الأدنى. إن قادة المنظمات الحكومية هم طبقة جديدة لا تعتمد على الملكية الخاصة أو المصادر الحكومية، ولكنها مستمدة من التمويل الإمبريالي ومن قدرتهم على السيطرة على مجموعات شعبية واسعة. يمكن تصور قادة المنظمات غير الحكومية كنوع من الكومبرادوريين الجدد الذين لا ينتجون أي سلعة مفيدة لكنهم يعملون في إنتاج خدمات للدول المانحة - بشكل أساسي يتاجرون في البؤس المحلي للامتيازات الفردية.
إن الادعاءات الرسمية التي يستخدمها مدراء المنظمات غير الحكومية لتبرير مواقفهم - ذلك بأنهم يحاربون الفقر، عدم المساواة وغير ذلك- ليست سوى ادعاءات خادعة لخدمة مصالحهم الشخصية. هناك صلة مباشرة بين نمو المنظمات غير الحكومية وانحدار معايير المعيشة: إن انتشار المنظمات غير الحكومية لم يحدّ من البطالة الهيكلية، ولا من النزوح الجماعي للفلاحين، ولم يوفر حتى أجوراً تسمح بحياة كريمة لجيش العاملين من العمال غير الرسميين. إن ما قامت به المنظمات غير الحكومية هو خلق شريحة صغيرة من المختصين، بمدخول من العملة الصعبة للهروب من ويلات الاقتصاد الليبرالي الجديد الذي يؤثر على بلدهم وشعبهم، وليتمكنوا من تسلق البناء الاجتماعي القائم.
هذه الحقيقة تتعارض مع الصورة الذاتية التي يحملها موظفو المنظمات غير الحكومية عن أنفسهم، وفقا لبياناتهم الصحفية وخطاباتهم العامة، أنهم يقدمون طريقا ثالثة بين النظامية السلطوية والسوق الرأسمالي المتوحش: إنهم يصفون أنفسهم بأنهم طليعة المجتمع المدني الذي يعمل في فجوات الاقتصاد العالمي. ان الهدف المشترك الذي تصدح به المنظمات غير الحكومية هو التنمية البديلة.
إن الشعار -الترويجي المجتمع المدني هو ممارسة في الفراغ. "المجتمع المدني" ليس كيانا عضويا وحدويا، إنه يتكون من طبقات هي أعتى انقساما من أي وقت مضى في هذا القرن. إن جلّ الظلم وأعظمه ضد العمال يرتكبه المصرفيون الأغنياء في المجتمع المدني الذين يعتصرون دفعات الفوائد الباهظة على الدين الداخلي: ملاك الأراضي الذين رموا الفلاحين من الأرض، والصناع الرأسماليين الذين ينهكون العمال بالأجور التي تودي بهم جوعى في محلات العرق (المصانع المستغلة لجهود العمال). في الحديث عن المجتمع المدني يقوم ممثلو المنظمات غير الحكومية بتجاهل الانقسام الطبقي العميق والاستغلال الطبقي والصراع الطبقي نحو هذا الاستقطاب المعاصر المجتمع المدني . وفي الوقت الذي يكون فيه غير مجد، بل ومشوش من الناحية التحليلية، يقوم مفهوم "المجتمع المدني: بتيسير تعاون المنظمات غير الحكومية مع المصالح الرأسمالية التي تموّل مؤسساتهم ويتيح لهم توجيه مشاريعهم وتابعيهم نحو علاقات تابعة مع المصالح التجارية الكبيرة التي توجه الاقتصاد الليبرالي الجديد.
بالإضافة إلى ذلك، ليس من النادر أن يكون خطاب المجتمع المدني للمنظمات غير الحكومية بمثابة حيلة للهجوم على البرامج العامة الشاملة والمؤسسات التي تقدم الخدمات الاجتماعية. حيث تقف المنظمات غير الحكومية في صف واحد مع خطاب الأعمال التجارية الكبيرة المناهض للدولة (أحدها باسم المجتمع المدني والآخر باسم السوق) لإعادة تخصيص موارد الدولة. مناهضة الدولة التي ينادي بها الرأسماليون تستعمل لزيادة الأموال العامة لدعم الصادرات وعمليات الإنقاذ المالي ويحاول من يعملون في سلك المنظمات غير الحكومية الاستيلاء على حصة صغيرة من خلال المقاولات الفرعية لتقديم خدمات دنيا لعدد أقل من المستفيدين.
على العكس من تصور العاملين في المنظمات غير الحكومية، الذين يرون أنفسهم كقادة مبتكرين للقاعدة الشعبية، فهم في الحقيقة القاعدة الرجعية التي تكمّل عمل صندوق البنك الدولي عن طريق دفع الخصخصة من الأسفل وتسريح الحركات الشعبية، وبالتالي تقويض المقاومة.
وبذلك، فإن الانتشار الواسع للمنظمات غير الحكومية يشكل تحديا خطيرا لليسار ويتطلب تحليلا سياسيا نقديا لأصولها وبنيتها وأيديولوجيتها.
الهيكلية الأساسية وأيديولوجيا المنظمات غير الحكومية:
تظهر المنظمات غير الحكومية وكأنها تلعب دورا متناقضا في السياسة: فمن ناحية هم ينتقدون الدكتاتورية وانتهاك حقوق الأنسان؛ ومن ناحية أخرى هم في تنافس مع الحركات الاجتماعية السياسية الجذرية، محاولين توجيه الحركات الشعبية نحو علاقات تعاونية مع النخب النيوليبرالية المهيمنة. في الواقع إن هذه التوجهات السياسية ليست متناقضة كثيراً في الحقيقة كما تبدو.
عند إجراء مسح حول نمو وانتشار المؤسسات غير الحكومية خلال الربع الأخير من القرن نجد أنها انبثقت في ثلاث مجموعات من الظروف. أولها، كملاذ آمن للمثقفين المنشقين حيث يمكنهم متابعة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان وتنظيم إستراتيجيات البقاء لضحايا برامج التقشف القاسية. ومع ذلك، فإن هذه المنظمات غير الحكومية الإنسانية، كانت حريصة على عدم إدانة التورط الأمريكي والأوروبي مع مرتكبي انتهاكات حقوق الأنسان من القوى المحلية، كما أنهم لم يشككوا في سياسات السوق الحرة الناشئة التي أضعفت الجماهير.
وهكذا تم وضعهم بشكل استراتيجي كديمقراطيين والذين سيكونون بديلا سياسيا للطبقة المحلية الحاكمة وصانعي القرار الإمبرياليين عندما يبدأ الحكام القمعيون بالتعرض لتهديد حقيقي من قبل الحركات الجماهيرية الشعبية. إن التمويل الغربي للمنظمات غير الحكومية كان بمثابة شراء تأمين في حال تعثر رجال الرجعية الحاليين. كان هذا هو الحال في المنظمات غير الحكومية الحيوية التي ظهرت خلال حكم ماركوس في الفلبين، ونظام بينوتشيه في تشيلي، ودكتاتورية بارك في جنوب كوريا، الخ.
إن الدفعة الحقيقية لتكاثر المنظمات غير الحكومية تحدث في وقت نهوض الحركات الجماهيرية الشعبية التي تتحدى الهيمنة الإمبريالية، وإن نمو الحركات الاجتماعية السياسية الجذرية ونضالها يوفران سلعة مربحة للراديكاليين السابقين والمثقفين الشعوبيين الزائفين يمكنهم بيعها لمن يهتم من المؤسسات الخاصة والعامة المهتمة والممولة بشكل جيد ومرتبطة بشكل وثيق بالحكومات والشركات متعددة الجنسيات الأوروبية والأمريكية.
كان الممولون مهتمين بالمعلومات -استخبارات العلوم الاجتماعية - مثل مشروع النزوع إلى العنف في المناطق الفقيرة الحضرية وهو (مشروع تابع لمنظمة غير حكومية في شيلي خلال الانتفاضات الشعبية في الفترة 1983-1986)، ان مقدرة العاملين في المنظمات غير الحكومية على تسلق المجتمعات الشعبية وتوجيه طاقتها نحو مشاريع المساعدة الذاتية بدلا من التغيير الاجتماعي والزج بخطاب التعاونية الطبقية المعلّب كخطابات الهوية الجديدة والتي من شأنها عزل وتشويه النشطاء الثوريين.
لقد أرخت الثورات الشعبية وثاق المحافظ المالية للوكالات الخارجية في ما وراء البحار، فقامت بصب الملايين في إندونيسيا وتايلاند وبيرو في السبعينيات، في نيكاراغوا والتشيلي والفلبين في الثمانينيات وفي السلفادور وغواتيمالا وكوريا في التسعينيات. كانت المنظمات الحكومية موجودة أساسا لإطفاء الحرائق تحت ستار المشاريع البناءة وحاججت ضد الانخراط في الحركات الأيديولوجية وهذا باستخدام التمويل الأجنبي بشكل فعال لتجنيد القادة المحليين، وإرسالهم إلى المؤتمرات في الخارج لمنحهم الشهادات، مع تشجيع المجموعات المحلية بفاعلية على التكيف مع واقع الليبرالية الجديدة.
بينما يصبح التمويل الخارجي متوفرا، تزدهر المنظمات غير الحكومية مقسمة المجتمعات إلى إقطاعيات متحاربة تقاتل للحصول على جزء من العمل. كل ناشط على مستوى القاعدة احتكر شريحة جديدة من الفقراء (النساء والشباب من الأقليات،.. إلخ) لتأسيس منظمة غير حكومية جديدة والقيام بالحج إلى أمستردام وستوكهولم وما إلى ذلك لتسويق مشروعهم ونشاطهم ودوائرهم الانتخابية وتمويل مركزهم ومهنتهم.
والظرف الثالث الذي تكاثرت فيه المنظمات غير الحكومية كان خلال فترة الأزمات الاقتصادية المتكررة التي تزداد عمقا والناجمة عن رأسمالية السوق الحرة. فعندما شهد المثقفون والأكاديميون والمهنيون اختفاء وظائفهم أو هبوط رواتبهم عندما تستحكم تخفيضات الميزانية: تصبح الوظيفة الثانية في محل الضرورة . وهنا تصبح المنظمات غير الحكومية وكالات توظيف وأصبحت الاستشارات شبكة أمان للمفكرين المتنقلين المستعدين للانزلاق في مسار خط التنمية البديلة للسوق المجتمعي المدني ، السوق الحر، التنمية البديلة والاصطفاف والسير في سياسات التعاون مع الأنظمة النيوليبرالية والمؤسسات المالية الدولية. عندما يفقد الملايين وظائفهم وينتشر الفقر في قطاعات واسعة من السكان، تشارك المنظمات غير الحكومية في عمل وقائي: فهم يركزون على استراتيجيات البقاء وليس الإضرابات العامة. يقومون بتنظيم مطابخ للحساء وليس مظاهرات حاشدة ضد صانعي الطعام، أو ضد الأنظمة الليبرالية الجديدة أو الإمبريالية الأمريكية.
وفي الحين الذي قد تبدو فيه للمنظمات غير الحكومية في البداية صبغة "تقدمية" ضبابية في خضم ما يسمى بالتحول الديمقراطي أثناء انهيار النظام القديم وفقدان الحكام الفاسدين سيطرتهم وتقدُّم النضالات الشعبية. تصبح المنظمات غير الحكومية أصبحت وسيلة الانتقال بين الأنظمة القديمة والسياسيين الانتخابيين المحافظين. فتستخدم المنظمات غير الحكومية خطابها الشعبي ومواردها التنظيمية ومكانتها كمدافع ديمقراطي عن حقوق الإنسان لتوجيه الدعم الشعبي وراء السياسيين والأحزاب التي تحصر التحول في إصلاحات سياسية - قانونية وليس تغييرا اقتصاديا - اجتماعيا .
لقد قامت المنظمات غير الحكومية بتشتيت الجماهير وتشظية الحركات الجذرية في كل بلد مر بتجربة انتقالية عبر العملية الانتخابية، في الثمانينيات والتسعينيات، من تشيلي إلى الفلبين إلى كوريا الجنوبية وإلى ما عداها، لعبت المنظمات غير الحكومية دورا مهما في جمع الأصوات للأنظمة التي استمرت، وربما اعتمدت على بقاء واستمرارية الوضع الاقتصادي - السياسي الراهن. في المقابل انتهى الأمر بالعديد من عاملي المنظمات غير الحكومية السابقين إلى إدارة وكالات حكومية أو حتى أصبحوا وزراء بشعارات شعبية مثل (حقوق المرأة، ومشاركة المواطنين، والسلطة الشعبية، وما إلى ذلك).
لقد تم ترسيخ الدور السياسي الرجعي للمنظمات غير الحكومية في كل بنية وهيكلية حيث وجِدوا ، ونُظِمت بنية المنظمات غير الحكومية: نخبوية داخلياً، استعبادية خارجياً.
في الواقع، المنظمات "غير الحكومية" ليست (غير حكومية). انها تستلم تمويلها من الحكومات الأجنبية، عاملةً في إطار عقود جانبية مع الحكومات المحلية أو يتم دعمها من قبل مؤسسات وشركات خاصة، وتعمل بالتقارب مع الدولة. تتعاون هذه المنظمات بشكل مستمر مع العملاء الحكوميين الأجانب والمحليين، وبرامجهم ليست موجهة في الحقيقة للسكان المحليين، بل للمتبرعين الأجانب الذين (يراجعون) و(يراقبون) أداء هذه المنظمات تبعاً لمعاييرهم ومصالحهم. إن إحدى أهم المهمات المفتاحية لمسؤولي تلك المنظمات هي تصميم مقترحات برامجية تؤمّن التمويل، وفي كثير من الحالات يتطلب هذا من قادة تلك المنظمات أن يجدوا أهم القضايا التي تهم التمويل الغربي. مثلاً، تطلب الأمر من المنظمات غير الحكومية في ثمانينيات القرن العشرين أن تدرس وتؤمّن مقترحات حول (الحاكمية) و(الانتقال الديمقراطي) بشكل يعكس اهتمامات القوى الإمبريالية وبحيث لا يؤدي انهيار الدكتاتوريات إلى (اللاحاكمية)، أي بمعنى أخر، إلى الحركات الجماهيرية التي تعمق الصراع وتحول النظام الاجتماعي. بغض النظر عن الشكل الديمقراطي والخطابة الشعبوية للمنظمات غير الحكومية، فهي تتميز بهرميتها الإدارية في السيطرة الكلية على المشاريع، في التوظيف والطرد، كما في تقرير من سيتم تلقي الدفع على المؤتمرات الدولية. والشعبوية بالذات، هي جوهر هذه الهرمية، لا يرى الناس من أين تجرف هذه المنظمات أموالها، ولا يسافر أعضاءها الصغار إلى الخارج، ولا يظهروا رواتب اعضاءها الشعبويين. الأكثر أهميةً، أنه لا يؤخذ أيٌّ من تلك القرارات بالانتخاب. في أفضل الأحوال، بعد أن يتم طهو الاتفاق بين المدير والممولين الأجانب، يقوم أعضاء المنظمة بتنظيم (نشاط شعبوي) للفقراء لتمرير الاتفاق. لا تكون المنظمات غير الحكومية في معظم حالتها منظمات عضوية، بل نخبة يتم تعيينها، متظاهرةً بكونها ملجأً للناس لحركات شعبية، وفي الحقيقة تتنافس معها وتقوضها. بهذه الطريقة، تقوض المنظمات غير الحكومية الديمقراطية من خلال تلقف النقاش الشعبي حول القضايا الاجتماعية من أيدي الناس المحليين وقاداتهم خالقةً اعتمادية على المسؤولين الأجانب غير المنتخبين والمسؤولين المحليين المتمسحين بهم.
تشجع المنظمات غير الحكومية نمطاً جديداً من الاستعمار الاقتصادي والثقافي، تحت مظهر العالمية الجديدة (العولمة-المترجمان). يجلس مئات من الأفراد أمام الحواسيب المتقدمة لتبادل البيانات، المقترحات والدعوات للمؤتمرات الدولية. يلتقون بعدها في قاعات فاخرة مفروشة ليناقشوا آخر الصراعات والاقتراحات مع (قواعدهم الاجتماعية) - الطاقم المدفوع لهم- الذين بدورهم يمررون المقترحات لـ "الجماهير" من خلال النشرات التعريفية. وعندما يظهر الممولون الأجانب، يأخذونهم في (جولة تعريفية) لعرض المشاريع التي يعيل الفقراء فيها أنفسهم ليتحدثوا فيها عن مشاريعهم الصغيرة الناجحة (مهملين ذكر معظمها، والتي فشلت السنة الماضية).
ليس من الصعب فك شيفرة كيف يعمل هذا الاستعمار الجديد. تصمم المشاريع وتقييمها بناء على، وعبر، الخطوط العامة وأولويات المراكز الامبريالية ومؤسساتها، ومن ثم يتم بيعها للمجتمعات المحلية. وعلى الكل أن ينضبط ويلتزم بمتطلبات الممولين وتقييماتهم، فمدراء المنظمات ونوابهم يراقبون الامتثال مع أهداف وقيم وأيديولوجية واستخدام التمويل القادم من المتبرعين.
أيديولوجيا المنظمات غير الحكومية ضد الحركات الاجتماعية-السياسية:
تؤكد المنظمات غير الحكومية على المشاريع، وليس على الحركات (والأحزاب-المترجمان)؛ إنهم يديرون الناس لكي ينتجوا على الهامش، لا أن يناضلوا ليستحوذوا على الوسائل الأساسية للإنتاج والثروة. إنهم يركزون على الجوانب التكنيكية والمالية للمشاريع، وليس على الظروف الهيكلية التي تحدد حياة الناس. تختار المنظمات غير الحكومية لغة اليسار: السلطة الشعبية، التعزيز، المساواة الجنسية، النمو المستدام، القيادة السلمية، الخ. المشكلة أن هذا الخطاب يستخدم في إطار التعاون مع الممولين والمؤسسات الحكومية الذين يُخضعون النشاط لسياسات عدم المواجهة. ولا يذهب نشاط المنظمات غير الحكومية الذي يأخذ شكل التعزيز أبعد من التأثير على مناطق صغيرة من الحياة الاجتماعية بمصادر محدودة داخل إطار الظروف التي تسمح بها الدولة النيوليبرالية والبنى الأساسية للاقتصاد القائم.
تتنافس المنظمات غير الحكومية بكوادرها المحترفة مع الحركات الاجتماعية-السياسية من أجل التأثير على الفقراء، النساء والمهمشين عرقياً، الخ. وتقوم أيديولوجية وممارسة هذه المنظمات بحرف الاهتمام عن المصادر الحقيقية للفقر وحلولها. يتحدثون حول المشاريع الصغيرة بدلاً من استغلال البنوك الأجنبية، ويتحدثون عن حلول الفقر المبنية على الفكرة الخاطئة التي تقول أن المشكلة تكمن في مبادرة الفرد. تقدم المنظمات غير الحكومية مساعدات تؤثر في قطاعات صغيرة من السكان، مقيمةً تنافساً بين المجموعات الاجتماعية على مصادر الدخل والثروة النادرة مولدةً انقسامات وخصومات داخلية بينها فيتفسخ بالتالي صرح التضامن الطبقي. ويتم هذا كذلك بين موظفي المنظمات أنفسهم، حيث يتنافسون على مصادر التمويل الأجنبي، من خلال من الذي يقدم بينهم مقترحات أقرب لأهداف التمويل بتكلفة أقل، بالإضافة لادعاء كل منهم أنه يتواصل مع عدد أكبر من غيره من التابعين. النتيجة النهائية هي تكاثر المنظمات غير الحكومية التي تشظي المجتمعات الفقيرة إلى قطاعات وقطاعات ثانوية غير قادرة على رؤية الصورة الكلية التي تسبب فقرهم، وحتى إنهم يصبحون أقل قدرةً على توحيد النضال ضد النظام القائم.
تشير الخبرة الحالية إلى أن المتبرعين الأجانب يمولون المشاريع في فترات الأزمات-التحديات السياسية والاجتماعية للنظام المحلي القائم، وعندما تتلاشى التحركات، يتم نقل التمويل للمنظمات غير الحكومية، وبالتعاون مع النظام، تتم ملاءمة مشاريع المنظمات مع الأجندة النيوليبرالية، النمو الاقتصادي المتلائم مع السوق الحر بدلاً من تنظيمات التغيير الاجتماعي.
إن بنية وطبيعة المنظمات غير الحكومية، بمواقفها اللامسيسة وتركيزها على دعم الذات تخلق اللامبالاة السياسية والفرقة عند الفقراء. إنهم يعززون العملية الانتخابية التي تشجعها الأحزاب النيوليبرالية والإعلام الجماهيري. يتم تجنب النقاش حول التعليم السياسي وطبيعة الامبريالية، الأسس الطبقية لليبرالية الجديدة والصراع الطبقي بين الاستغلاليين والعمال. تناقش المنظمات غير الحكومية بدلاً من ذلك المهمشين، الضعفاء، الفقر الشديد، التمييز العرقي والجنسي، بدون الابتعاد عن الأعراض السطحية، أو الاشتباك مع النظام الاجتماعي الذي ينتج هذه الأعراض. وتقوم المنظمات بدمج الفقراء في الاقتصاد النيوليبرالي عبر العمل التطوعي الخاص. تخلق هذه المنظمات عالماً سياسياً حيث يغطي رداء التضامن والعمل الاجتماعي، امتثاليةً محافظة لبنى السلطة الدولية والمحلية.
ليس صدفةً أن صارت هذه المنظمات سائدة في مناطق معينة حيث انحسر الفعل الطبقي المستقل، وضعفت مقاومة القوى النيوليبرالية. الخط الأساسي في القضية هو ان نمو المنظمات غير الحكومية يتوازى مع زيادة التمويل النيوليبرالي وتعمق الفقر في كل مكان. وبغض النظر عن ادعاءات النجاح على المستوى المحلي، تظل النيوليبرالية بدون أي تحدٍّ، وتبحث المنظمات غير الحكومية بازدياد عن مشكاة في فجوات السلطة.
تم الاستحواذ على العديد من القادة السابقين للأنصار والحركات الاجتماعية وتنظيمات المرأة، من قبل المنظمات غير الحكومية. العرض مغر: دخل أعلى (عادةً بالعملة الصعبة)، "البريستيج" والاعتراف الذي يقدمه لهم الممولون، المؤتمرات الدولية والعلاقات، أمان نسبي من القمع. وعلى الضد من هذا، لا تؤمّن الحركات الاجتماعية-السياسية منافع مادية تذكر، بل احتراماً أكثر واستقلالية وحرية تحدّي النظام السياسي الاقتصادي. تنشر المنظمات، وداعموها من البنوك (بنك أمريكا، بنك آسيا للتنمية، البنك الدولي)، نشرات إخبارية تتحدث حول قصص نجاح المشاريع الصغيرة، ومشاريع الدعم الذاتي الأخرى، بدون أي ذكر لمعدلات الفشل الكبيرة، كانحسار الاستهلاك الشعبي، والصادرات ذات الأسعار المنخفضة التي تغرق الأسواق المحلية ومعدلات الفوائد المرتفعة كما هي الحال في البرازيل وإندونيسيا اليوم.
حتى النجاحات لا تؤثر إلا على مجموعات صغيرة من المجموع الكلي للفقراء، بحيث أنهم إذا نجحوا قط فإلى الدرجة التي لا يستطيع فيها الآخرون دخول نفس المجال. إن البروباغاندا حول نجاحات هذه المشاريع الصغيرة مهمة في تشجيع أوهام كون النيوليبرالية ظاهرة شعبية ومرغوب فيها. وتشير الهبات الشعبية التي تنتشر في المناطق التي تسود فيها المشاريع الصغيرة إلى أن أيديولوجية المنظمات غير الحكومية لا تزال غير مهيمنة وأنها لم تستطع بعد أن تحل محل الحركات الطبقية.
تعتمد أيديولوجيا المنظمات غير الحكومية على السياسة الهوياتي ، وتشترك ضد الحركات السياسية الاجتماعية في جدل غير شريف. إنهم ينطلقون من فرضية خاطئة مفادها أن التحليل الطبقي هو تحليل اختزالي، مهملين النقاش المكثف الذي يدور بين الماركسيين حول مسائل العرق والإثنية ومساواة الجنسين، متجنبين حقيقة أن الهويات نفسها منقسمة بشكل أساسي على قاعدة طبقية. خذ على سبيل المثال، امرأة نسوية تشيلية أو هندية تعيش في ضاحة فاخرة لإحدى المدن، تتلقى راتباً أعلى بـ 15-20 مرة من خادمتها المنزلية التي تعمل ستة ايام في الأسبوع. تحدد الفروقات الطبقية في نفس الجنس، نمط السكن والحياة، الصحة وفرص التعليم. تعمل أغلبية المنظمات غير الحكومية على قاعدة السياسة الهوياتي ، وتجادل بأنه هذه هي نقطة انطلاق سياسة ما بعد الحداثة الجديدة. لا تقف سياسة الهويات في وجه سياسة النخبة الذكورية لصندوق النقد الدولي في الخصخصة، الشركات متعددة الجنسيات والإقطاعيين المحليين. إنها تركز في مجهودها على بطريركية الأسرة، العنف المنزلي، الطلاق، الخ. بكلمات أخرى، إنها تقاتل من أجل المساواة بين الجنسين ضمن العالم الميكروي لاستغلال الناس، حيث الأوغاد هم الفقراء والمسلوبون من الذكور. وبينما لا يجب على أحد، حقاً، أن يدعم الاستغلال والتمييز على أي مستوى، تسدي نسويات المنظمات غير الحكومية خدمةً سيئةً للنساء العاملات عبر إخضاعهن لاستغلال أعظم في الورش يفيد رجال ونساء الطبقة الأعلى، جامعي الإيجارات والإقطاعيين والمدراء التنفيذيين. إن مليارات الدولارات تتدفق سنوياً في ذاك الاتجاه الميكروي للمنظمات، وهذا هو السبب الذي يدفع نسويات المنظمات غير الحكومية لتجاهل الصورة الأكبر، ويركزن على القضايا المحلية والمشاكل الشخصية. وسيتوقف المتبرعون الإمبرياليون حالاً عن الدفع إذا بدأت تلك النسويات بمشاركة العمال والعاملات الذين لا يملكون الأرض في البرازيل وإندونيسيا وتايلند، إذا انضموا إلى إضرابات السياسة المجحفة. فمن المفيد لهن بالتالي، أن يقمن بمجرد خدش البطريركية المحلية في إحدى القرى المعزولة في لازون (جزيرة في الفلبين-المترجمة).
التضامن الطبقي، وتضامن المنظمات غير الحكومية مع المتبرعين الأجانب:
تم استغلال كلمة التضامن إلى الحد الذي فقدت فيه كل معنىً لها في عدة سياقات. يتضمن مصطلح التضامن عند المنظمات غير الحكومية المساعدة الأجنبية الموجهة إلى مجموعة مسلوبة بشكل محدد. ويحدد التضامن كقيام محترفي المنظمات بـتعليم الفقراء، أو القيام بدراسة بحثية عن المجموعات. تشبه البنى الهرمية وأشكال تحويل المساعدة والتدريب أعمال الإحسان التي تعود إلى القرن التاسع عشر، ولا يختلف المبادرون كثيراً عن المبشرين المسيحيين.
تؤكد المنظمات غير الحكومية الدعم الذاتي بمهاجمة الأبوية والاعتماد على الدولة. تتلقى هذه المنظمات، لدن تنافسها على التقاط ضحايا النيوليبرالية، دعماً من نظرائها الموجودين في أوروبا والولايات المتحدة. وتؤكد أيديولوجية دعم الذات إحلال المتطوعين محل موظفي الدولة؛ وأكثر من هذا، فهي تحشد محترفي المنظمات على أساس عقود مؤقتة. إن المبدأ الأساسي لنظرة المنظمات غير الحكومية، هو تحويل التضامن إلى تعاون، وخضوع للبنى الاقتصادية الأساسية للنيو ليبرالية بتشتيت الانتباه عن مصادر ثراء الطبقات العليا، وتوجيه الاهتمام نحو استغلال الفقراء لأنفسهم. ليس على المنظمات غير الحكومية أن تنزه الفقراء عما أجبرتهم الحكومة على القيام به.
إن المفهوم الماركسي للتضامن، على الضد، يؤكد على التضامن الطبقي، تضامن الجماعات المضطهدة (النساء، الملونين)، ضد مستغليهم المحليين والأجانب. التركيز الرئيسي ليس على التبرعات التي تقسم الطبقات وتهدئ المجموعات الصغيرة لفترة زمنية محدودة. ينصب تركيز المفهوم الماركسي للتضامن على العمل المشترك بين أعضاء نفس الطبقة الذين يتشاركون في مأزقهم الاقتصادي المشترك الذي يناضل من أجل التحسين الجامع.
ينطوي هذا المفهوم كذلك على المثقفين الذين ينتمون، يكتبون ويتحدثون عن الحركات الاجتماعية في النضال، وهم ملتزمون بمشاركة نفس العواقب السياسية. يرتبط مفهوم التضامن بالمفكرين العضويين الذين هم في الأساس جزء من الحركة، المصدر الذي يوفر التحليل والتعليم للصراع الطبقي، ويتلقون نفس مخاطر هذا الصراع. على النقيض من ذلك، تتجسد المنظمات غير الحكومية في المؤسسات الدولية، الأكاديميات ، الندوات، المؤسسات الأجنبية والمؤتمرات الدولية متحدثين بخطاب لا يفهمه إلا أولئك. ينظر الماركسيون إلى التضامن على أنه مشاركة مخاطر النضال، ليس كون أن تبقى خارجاً، مثيراً الأسئلة ومدافعاً عن لا شيء. إن الهدف الأساسي لهذه المنظمات هو الحصول على تمويل المشاريع. أما المهمة الأساسية للماركسيين هي عملية النضال السياسي والتعليم من أجل تأمين التحول الاجتماعي:
بناء السلطة السياسية لتغيير الظروف العامة لأغلبية الناس. التضامن بالنسبة للمنظمات غير الحكومية مفصول عن الهدف العام للتحرر؛ إنه طريقة من أجل جلب الناس معاً لحضور عمل مشترك، أو ندوة لبناء مرحاض. الماركسيون يعتبرون التضامن نضالاً مشتركاً يحتوي على بذور ديمقراطية مجتمع المستقبل. إن الرؤية الشاملة، أو غيابها، هي ما تعطي الفروقات في معنى مفاهيم التضامن.
الصراع الطبقي والتعاون:
يكتب محترفو المنظمات غير الحكومية بشكل مستمر عن التعاون بين الجميع، دون أن يتعمقوا كثيراً في أسعار وشروط تأمين التعاون مع الأنظمة النيوليبرالية ووكالات المنح الأجنبية.
ينظر على الصراع الطبقي على أنه رواية بالية من الماضي ليست حاضرة اليوم. يقولون لنا أن الفقراء يريدون بناء حياة جديدة، لقد ملّوا من السياسة التقليدية، والأيديولوجيات والسياسيين. تكمن المشكلة في أن محترفي المنظمات غير الحكومية ليسوا مستعدين لوصف دورهم كسماسرة ووسطاء في الاحتيال على المنح الأجنبية. إن تركيز الدخل، ونمو اللامساواة أعظم مما من قبل، بعد عقود من التبشير بـ "التعاون والمشاريع الصغيرة والدعم الذاتي". واليوم، بينما تقدم الأموال لتمويل المشاريع الصغيرة، تقوم البنوك، مثل البنك الدولي، بتمويل الشركات الزراعية التصديرية التي تستغل وتدمر الملايين من عمال المزارع. ويلعب دعم المشاريع الصغيرة دوراً في تحييد المعارضة السياسية في القاع، بينما يتم الترويج للسياسة النيوليبرالية في القمة.
وتربط أيديولوجية التعاون الفقراء مع الليبراليين الجدد من خلال المنظمات غير الحكومية. ومن جهة أخرى، المنظمات غير الحكومية هي شرطة فكرية تقوم بتصفية وتحديد ما يلائمها من البحوث، يقومون بتوزيع الأموال البحثية ويصفون الموضوعات التي تحلل من منظور طبقي. يتم استثناء الماركسيين من مؤتمراتهم ويوصمون بأنهم أيديولوجيون، بينما تقدم المنظمات محترفيها على أنهم علماء مجتمع. إن السيطرة على الأنماط الفكرية، والمنشورات، والمؤتمرات، وصناديق الأبحاث، توفر لمن يسمون بما بعد الماركسيين قاعدة هامة من السلطة ، ولكنها تعتمد في نهاية المطاف على تجنب الصراع مع رعاة التمويل الخارجيين.
المنظمات غير الحكومية البديلة:
يمكن أن يجادل المرء بأن هناك فروقات كبيرة بين أنواع تلك المنظمات، ويوجد العديد منها ينتقد وينظم ضد السياسات المجحفة، صندوق النقد لدولي، مدفوعات القروض، الخ. وأنه ليس من العادل أن نضعهم جميعاً في نفس الجعبة.
هناك شيء من الحقيقة في هذا الادعاء، ولكن هذا الموقف يتضمن مسائل أساسية. إن معظم قادة الفلاحين الذين تحدثت معهم، من آسيا وأمريكا اللاتينية يشكون بمرارة الدور التقسيمي والنخبوي الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية، حتى التقدمية منها: تريد هذه المنظمات أن تخضع الفلاحين لتنظيماتها، إنها تريد أن تقودهم وتتحدث عنهم، ولا يقبل هؤلاء الفلاحين الأدوار الخاضعة. تستخدم هذه المنظمات الفلاحين والفقراء كمادة لبحوث مشاريعهم، إنهم يستفيدون من نشرها-ولا يوجد أي منها تستلمه الحركات الاجتماعية السياسية، ولا حتى كنسخ. وأكثر من هذا، سأل الفلاحون لماذا لا يقوم محترفو المنظمات غير الحكومية بمشاركتنا في أي شيء بعد تقديمهم لدورتهم؟ لماذا لا يدرسون الأغنياء وأصحاب السلطة، لماذا يدرسوننا نحن؟
حتى عندما تعترف المنظمات غير الحكومية التقدمية بذلك، تكون أقليات من أعضائها منخرطةً في الحركات الاجتماعية السياسية. علاوةً على ذلك، أكثر المنظمات الحكومة تلائم الوصف الذي ذكرناه أعلاه، وإنه من شأن الحالات الاستثنائية القليلة أن تثبت غير ذلك: ستكون خطوة كبيرة للمنظمات غير الحكومية التقدمية أن تنتقد بشكل منهجي علاقاتهم مع الامبريالية ووكلائهم المحليين، وأيديولوجيتهم في التكيف مع النيوليبرالية وبناها السلطوية والنخبوية. وسيكون من المفيد لهم أن يخبروا نظراءهم الأوروبيين أن ينفصلوا عن شبكة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ويعودوا ليشكلوا حركات اجتماعية سياسية مناضلة يمكنها أن تتحدى الأنظمة والأحزاب المهيمنة التي تخدم البنوك والشركات متعددة الجنسيات.
بكلمات أخرى، على (المنظمات غير الحكومية) أن تتوقف عن كونها كذلك وأن يتحولوا إلى أعضاء لحركات اجتماعية سياسية. هذه هي أفضل طريقة من أجل تجنب وضعهم مع عشرات آلاف المنظمات غير الحكومية التي تقتات على المانحين، في جعبة واحدة.
الاستنتاجات: ملاحظات على نظرية المنظمات غير الحكومية:
بعبارات اجتماعية بنيوية، يعكس تكاثر وتمدد المنظمات غير الحكومية، ظهور برجوازية صغيرة جديدة مختلفة عن القديمة، أصحاب المحال، المهنيين الأحرار ومجموعات موظفي الدولة الجدد. هذا القطاع الفرعي الجديد أقرب للبرجوازية الكومبرادورية بقدر ما لا تنتج بضائع محسوسة، ولكن تقوم بإنشاء رابطة بين المشاريع الامبريالية بمنتجي البضائع الصغار المحليين الذين ينخرطون في مشاريع صغيرة. تتميز هذه البرجوازية الصغيرة الجديدة بحقيقة أن كثيرين منهم يساريون سابقون ويمتلكون بلاغة خطابية شعبية، وكانوا في بعض الحالات طليعةً نخبوية، ويمتلكون مفهوماً كهذا تجاه منظماتهم. يعتمد وضعهم هذا على انعدام ملكية محددة، أو موقعاً ثابتاً في أجهزة الدولة؛ إنهم يعتمدون بشدة على وكالات التمويل الخارجي ليعيدوا إنتاج أنفسهم. وبالنظر إلى كونهم يمتلكون جمهوراً من التابعين، عليهم أن يدمجوا خطاباً شعوبيا معادياً للماركسية والدولة، وبالتالي خلطة من الطريق الثالث وأفكار المجتمع المدني كاف لتغطية كلا الطرفين. هذا الخطاب المعولم يؤمن تغطية لبديل الأممية المكرس للالتزامات المعادية للإمبريالية. بكلمة، هذه البرجوازية الصغيرة الجديدة تشكل الجناح الراديكالي للتأسيس النيوليبرالي.
تلائم المنظمات غير الحكومية التفكير الاستراتيجي للإمبرياليتين الجدد، بينما يعمل النخب المحليين لصندوق النقد والبنك الدوليين على نهب الاقتصاد، تقوم المنظمات غير الحكومية بدور متمم من القاع محيدين ومفككين من يسخطون على النتائج الاقتصادية، ومثلما تعمل الامبريالية على محوري الاستغلال والاحتواء الكلي والجزئي، يجب على الحركات الاجتماعية-السياسية بدورها كذلك أن تطوّر محورين معاديين للإمبريالية.
عملت المنظمات غير الحكومية على إشراك معظم المفكرين ممن يسمون المتذبذبين، الذين لديهم قابلية ما لأن يهجروا أصولهم الطبقية وينتموا للحركات الشعبية. النتيجة هي فجوة مؤقتة بين الأزمة الرأسمالية العميقة (الكساد في آسيا وأمريكا اللاتينية، وانهيار الاتحاد السوفييتي)، وغياب الحركات السياسية الاجتماعية المنظمة (باستثناء البرازيل، كولومبيا وجنوب كوريا). السؤال الأساسي يكمن فيما إذا كان يمكن لجيل جديد من المفكرين أن ينبثق من الحركات الاجتماعية الصاعدة، والذين سيكون بمستطاعهم أن يتجنبوا إغراءات المنظمات غير الحكومية وينخرطوا في الموجة الثورية القادمة.
جيمس بتراس ، قسم علم الاجتماع ، جامعة بينغهامتون ، نيويورك


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق