// علبة سجائر مقابل 10 سنتات \\الرفيق الحبيب الحنودي
// علبة سجائر مقابل 10 سنتات \\الرفيق الحبيب الحنودي
المسافة بين روتردام وأمستردام انمحت تماما من ذاكرتي. وكأنني لم أقطع تلك المسافة. ما عدا فكرة " لامعة" خطرت في ذهني، لا يمكن للزمن أن يمحيها من الذاكرة. وعلى الرغم من أنها مجرد تفصيل صغير جدا، إلا أن أهميتها في تلك اللحظة بالذات كانت بما لا يقاس. حدث ذلك بعد طلوعي إلى القطار مباشرة. فبينما كنت منشغلا بمشكل النقود التي سأشتري بها التذكرة إلى مدينة هورن بعد نزولي في أمستردام، خطرت في بالي فكرة أن أبحث في حقيبة ظهر صديقي التي طلب مني في برشلونة أن أحملها معي وأن أسلمها لصديقته الهولندية عند وصولي إلى هورن. فتحت سلسلة جيب صغير في داخل الحقيبة فلمحت ورقة نقود. سحبتها وقرأت عليها: "10 خولدن". أدخلت يدي في الجيب بحثا عن المزيد، فوجدت بعض القطع المعدنية. قطعة واحدة من فئة خولدتين ونصف خولدة، وأربعة قطع صغيرة من فئة عشرة سنتات. تساءلت إن كانت هذه النقود كافية لشراء التذكرة. إذ أنني لم أجرب بعد أثمنة التنقل عبر القطارات الهولندية. لكن رغم الشك من جدوى ذلك المبلغ، إلا أنني شعرت ببعض الإنفراج. وضعت المبلغ في جيب سروالي وقلت: على الأقل لدي مبلغ في جيبي وقد يكون كافيا. بعد ذلك الإكتشاف الهام، ربما استسلمت لغفوة نوم. فلم أستيقظ إلا عندما توقف القطار في المحطة المركزية ( سونترال ستاسيون) لأمستردام.
بعد نزولي من الرصيف إلى القاعة الفسيحة للمحطة المركزية بأمستردام، راودتني فكرة شرب كوب ساخن من القهوة. لكن قبل ان أفعل، كان علي أولا أن اعرف ثمن التذكرة. كانت المحطة تعج بالمسافرين وكان طول الطوابير على شبابيك اقتناء التذاكر من خمسة أشخاص على الأقل إلى عشرة. قصدت أحد الشبابيك واقتربت من لائحة مرسومة على الزجاج وتفحصتها. الثمن إلى هورن 13 خولدات. أخرجت القطع النقدية من جيب السروال وقمت بحساب المبلغ من جديد. قطعة خولدتين و 50 سنتا زائد أربع قطع من فئة 10 سنتات تساوي خولدتين و90 سنتا. أضفت إليها ورقة ال 10 خولدات فأعطاني ما مجموعه 12 خولدات و90 سنتا. إذن تنقصني عشر سنتات لثمن شراء التذكرة. فتشت في زوايا جيب حقيبة الظهر فلم أجد فيه ولو سنتا واحدا إضافيا. استبعدت فكرة شرب القهوة وقلت مع نفسي مالي ولهذه الكماليات! لكن هل سيبيع لي المستخدم وراء الشباك التذكرة بهذا المبلغ الناقص؟
لا وجود لحل آخر سوى شراء التذكرة بما حضر من نقود. هكذا قررت. خاصة أن المبلغ الناقص ضئيل جدا. تقدمت ووقفت في الطابور. وعندما وصل دوري طلبت باللغة الفرنسية تذكرة إلى "هُورَنْ كِيرْسَنْ بُوخَّرْدْ" ووضعت المبلغ في فتحة الزجاج الفاصل. قام المستخدم بِعَدِّه ثم نظر إلي وقال:
-- تنقصك 10 سنتات.
-- ذلك كل ما عندي. أجبته
-- لا، اعطيني المبلغ كاملا أو انصرف
-- لا يمكن أن أنصرف. إنها مجرد 10 سنتات
هز رأسه رافضا وأشار لي بيده إلى الطابور ورائي. وقال:
-- أنت تعرقل عملي وتعطل الناس على اقتناء تذاكرهم.
بسرعة خاطفة خطرت في ذهني فكرة. فتحت حقيبتي وسحبت منها علبة سجائر من الكارتوشة التي اشتريتها في الباخرة بين سبتة والجزيرة الخضراء، وكنت قد استهلكت منها علبتين أو ثلاثة علب من أصل عشرة. وضعت العلبة امامه وقلت له:
-- كم تساوي هذه؟
-- 5 خولدات
-- إذن خذها مقابل 10 سنتات
-- أنا لا أدخن
-- اعطها لصديق أو صديقة
-- أصدقائي لا يدخنون
-- بعها او احتفظ بها كذكرى في بيتك لحالة مررت بها في مسيرة عملك، أو افعل بها ما شئت. المهم أنني أريد أن تعطيني التذكرة.
ربما أن ذلك العدد من علب السجائر التي سحبتها أمام عينيه قد أعطت لذلك المستخدم انطباعا بأنني لست متسكعا وإنما وقعت في مجرد مشكلة عابرة، خاصة بالنظر إلى هندامي وإلى الحقيبتين الأنيقتين اللتين أحملهما معي. هز رأسه كتعبير عن تورطه معي. أدخل يده في جيب سرواله باحثا عن قطعة نقدية فلم يجد شيئا. التفت إلى زميله عند الشباك على يساره وطلب منه أن يعطيه خولدة واحدة من عنده، ثم سلم لي التذكرة. شكرته وانسحبت من مقدمة الصف. ناداني بأن آخذ علبة السجائر فابتسمت وأشرت له بسبابة يدي بالرفض. تقدمت إلى اللوحة الإلكترونية لمعرفة رقم الرصيف وساعة انطلاق القطار. بعدها ذهبت مباشرة إلى الدرج الكهربائي متجها إلى فوق نحو فضاء الأرصفة.
في طريقي إلى هورن شعرت بارتياح لم أشعر به طوال ثلاثة أيام من الرحلة؛ منذ انطلاقي من طنجة في ذلك الصباح الباكر. الآن، أنجزت مغامرتي كاملة. وتخطيت كل الحواجز والعراقيل التي اعترضتني في الطريق. أما إيجاد منزل صديقي في هورن فليس بالأمر الصعب. إذ أن عنوان المنزل مكتوب في جواز السفر الذي أخذه من القنصلية المغربية بأمستردام. إضافة إلى أن صديقي كان قد زودني، عندما كنا معا في إسبانيا، بمعلومات حول قرب شارع منزله من محطة القطار.
في القطار إلى محطتي الأخيرة لرحلتي نحو الشمال، اعترفت وأنا أنتشي بصفاء الذهن، بأن معظم الصعوبات التي وجدتها في طريقي كان سببها سوء تقديري لميزانية الرحلة. أعدت شريط المغامرة والمواقف التي مررت بها، فلعنت البخل الذي بخلته في حق نفسي. لقد كان بمقدوري أن أتزود بمبلغ مالي أكبر بعدة أضعاف من المبلغ الذي أخذته معي كمصروف للجيب. ولو أنني فعلت وتجنبت " التزهد" لكنت قد تفاديت كل الصعوبات التي لقيتها في رحلتي من برشلونة إلى أمستردام. ربما أن مبلغا أكبر من النقود ما كان ليجعلني أتفادى ذلك النوم العميق في القطار المتجه نحو ليون لأجد نفسي أنزل في بلدة لا تبعد سوى 60 كلم عن الحدود السويسرية بدل النزول في محطة مدينة ليون. لكن من جهة أخرى، ما كان لذلك المبلغ الذي اشتريت به تذكرة العودة من تلك البلدة إلى ليون ليكون ذو تأثير يذكر على ميزنيتي للرحلة. ولما كنت لِأسقط في مطب أزمة مصروف الجيب. ولكنت تغلبت على مصاريف غلاء تذاكر القطارات في فرنسا. ولما كان لنقودي أن تنفذ في باريس. لو كان لدي فائض في ميزانية مصروف الجيب، لكنت اشتريت بطاقة المرور عبر الحواجز نحو رصيف الميترو في محطة ليون بباريس، بدل القفز على تلك الحواجز. ولما أضعت هناك أرقام هواتف أفراد عائلتي في فرنسا وهولندا. ولما تأخرت عن موعد انطلاق القطار السريع الذي كان سيقلني مباشرة من باريس إلى أمستردام، دون ذلك التوقف المتكرر في مختلف المحطات في قطار ثمن تذكرته أقل. ولما لقيت نفسي في ذلك الموقف المحرج عندما فتشت في حقيبة صديقي التي وجدت فيه مبلغا ناقصا لا يكفي لشراء تذكرة...ولكن، ربما لم أكن لألتقي بتلك الشابة البلجيكية الجميلة الرشيقة والمثقفة التي رسمت تلك القبلة الخاطفة على خدي قبل أن نفترق في محطة بروكسيل.
ابتسمت، وبخبث عاطفي بصبغة فيها حسرة على فرصة ضائعة قلت: بلى، لو كان عندي ما يكفي من النقود في جيبي لكان القدر قد هيأ شروطا أخرى كي نلتقي. ولكنت الآن لا أزال أستريح في فراشها بإحدى نواحي بروكسيل، بدل هذا القطار اللعين الذي أصابني الملل منه.
هكذا انتهت واكتملت قصة رحلتي: [ رحلة صيف نحو الشمال].
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق