نحن و كارل ماركس مفكر المستقبل ...الرفيق غبد الغني القباج-1-
نحن و كارل ماركس مفكر المستقبل ...الرفيق غبد الغني القباج
***1 ***
قبل مائتي عام، في الـ 5 من ماي عام 1818، أي منذ مئتين وست سنوات ازداد كارل ماركس في مدينة ترير الألمانية.
فقد اندلعت الحرب سنة 1806 بين فرنسا نابوليون وبروسيا. ألحقت خلالها قوات نابوليون الأول هزيمة كبيرة ببروسيا. شكلت هذه الهزيمة أيضا فسقطت الدولة البروسية القديمة. وأصبحت تعاني من الاحتلال الفرنسي. وهكذا انتشرت أفكار التورة البرجوازية الفرنسية في ألمانيا
انتشرت أفكار إصلاح الدولة البروسية بشكل جذري بين فئة المثقفين والطبقة الوسطى.. لخوض معركة مستقبلية من أجل التحرير والانتصار فيها بين 1807-1815. وأصبحت بروسيا عضوا في الاتحاد الألماني.
لكن فريدريش فيلهلم الثالث نكث الوعد الذي قطعه للشعب أثناء حرب التحرير بإنشاء دستور للبلاد، مما ناقض التطلعات الليبرالية نحو ملكية دستورية ومشاركة ديمقراطية في الحكم.
والد ماركس محامي ينتمي لفئة اجتماعية ميسورة الأحوال. ومتابعته لهذه الأحداث من اكتساب وعي ديمقراطي مع رياح التغيير التي بدأت تنتشر في بروسيا وفي مدينة تيير التي كانت تسودها ثفافة محافظة.. تأثر بأفكار كانط وفولتير مما جعله يدافع عن إصلاح الدولة البروسية وتحولها إلى دولة تحترم الحريات والديمقراطية.
كان لفكر وكتابات ماركس تأثير عميق على عصره ، حيث كان أول من حلل بمثل هذا التفصيل العواقب الاجتماعية والسياسية للثورة الصناعية الجارية في بلدان أوروبا الغربية.
منذ شبابه في ألمانيا وباريس ولندن، لم يتوقف كارل ماركس أبدا عن التفكير في الحالة الاجتماعية البائسة للطبقة العاملة، "البروليتاريا"، التي يستعبدها نظام الإنتاج الرأسمالي وتسلبها طبقة البرجوازية في البلدان الرأسمالية فائض القيمة الذي تنتجه قوة عمل البروليتاريا.
ماركس ، الذي يسميه البعض "قديما"، "كلاسيكيا" وحتى "قديما" يبقى المرجع الأهم الذي يصعب تجاوزه لمقاربة علمية ولإثراء وتوضيح الفكر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المعاصر. لأن أطروحاته في هذه المجالات تُغْنِي المسائل التي يثيرونها ، وتضحد المعارضات التي تواجهها، وتنير البديل الممكن من خلال البدائل النظرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يبلورها. وبالتالي، يظل ماركس بلا شك المعلم الأوحد والمتميز في هذه المجالات.
فأطروحات ماركس النظرية والبدائل العملية التي يصوغها ويمارسها تشكل حافزا ومحرضا لا يتوقف أبدا عن دفعنا لمواجهة جل التناقضات الطبقية النظرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجهها الحركة البروليتارية لاكتساب وعيعا الثوري في صراعها الطبقي لتحرير نفسها بنفسها.
وبالتالي، نظرية وبرنامج ماركس لتحرر الإنسان من الاستغلال الطبقي ومن الاغتراب، مع ضرورة تحيينهما وفق نقد راديكالي لواقع هيمنة الرأسمالية الاحتكارية المعولمة اليوم، والتي حطمت سور الصين وأسوار المجتمعات التبعية لا يزالا هما التظرية والبرنامج الوحيدان الملائمان لخلق عالم إنساني جديد. لذلك فمشروع ماركس-إنجلز الثوري، وتجربة الثورتين الروسية والصينية، وتجارب حركات التحرر الوطني، والانتفاضات الجماهيرية التي حدثت منذ نهاية 2010 في بلدان مغاربية وعربية، وهمجية التحالف الامبريالي الصهيوني ضد تحرر الشعب الفلسطيني، كل ذلك، يفرض بلورة فكر وممارسة ثوريين جديدين لتحرر الإنسان نفسه بنفسة للنضال وفق صيرورة واستراتيجية بناء مجتمع لا طبقي.
جوهر نظرية ماركس، إذن، يتجاوز "الانسان الفرد" ويغيره بالانسانية.
لا يمكن تحقيق تحرير فعلي للإنسانية إلا في العالم الواقعي وإلا بوسائل واقعية، وانه لا يمكن الاستغلال الطبقي دون تحرر البروليتاريا لنفسها بنفسها، ولا تحرر الفلاح الكادح دون وعيه الطبقي وتوحيد نضاله مع نضال البرولياازيا وتحسين شروط عيشه .. لأن التحرر فعل تاريخي وليس فعلا ذهنيا، ويتحقق التحرر في شروط اجتماعية وتازيخية ملموسة وتقدم الصناعة والتجارة والزراعة وتحرر النساء.
وبالتالي، فلسفة ماركس تُمَكِّنُ الانسان من الانتقال من إنسان مجرد إلى إنسان ملموس. أي فلسفة تُحلل، وفق منهج دياليكتيكي مادي صيرورة وتااريخ الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمجتمعات الإنسانية والطبيعة. إنها فلسفة ماركس التي تنتقد دون أي تنازل كل الفلاسفة بفكرته العظيمة:
"لم يقم الفلاسفة سوى بتفسير العالم بطرق مختلفة. لكن المهمة هي تغييره".
وقد فرض ماركس أطروحاته النظرية والممارسة لتحرر الإنسان وسط البروليتاريا ومثقفيها العضويين في العالم كله. فحولته تظريته وممارسته الثورية إلى أعظم مفكر وثوري في تاريخ الإنسانية. ولا زال فكره ومواقفه ونضاله يلهم الحركات الثورية والانسانية لتحرير نفسها من ديكتاتورية الرأسمالية وهيمنتها وهمجيتها ومن الاستغلال الطبقي ومن اغتراب وعي الانسان عن نفسه واستلابه.
فكر ماركس العلمي طور الفلسفة وعلم التاريخ والاقتصاد السياسي بشكل لم يحدث له مثيل. وكتاب "رأس المال" الذي بلور فيه تحاليل تَجّاِدُل وتَنَاسُق وتَوَاؤُم الاقتصاد مع الفلسفة والسوسيولوجيا والتاريخ وِفْقَ مشروع سياسي لتجاوز الرأسمالية، لم تستطع مختلف النظريات الاقتصادية اليوم من تجاوز قوته في التحليل العلمي واستشراف صيرورة تفلقم أزمات الرأسمالية التي ستؤدي، بفعل تنظيم الوعي الطبقي للبروليتاريا ونضالها الثوري ونضال عموم الكادحين والكادحات، إلى نهايتها.
لذلك وهو يبحث ويحلل في مجال العلوم الاجتماعية ، وخاصة الاقتصاد ، لم يفقد أبدا في تحليلاته المبدأ التوجيهي للمادية الديالكتيكية وللمادبة والتاليخية لفهم المجتمع كظاهرة اجتماعية كاملة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق