أبراهام سرفاتي في حوار يُنشر بعد 30 عاماً: مع صور لراحلين /ات من بعده من جنازة الرفيق السرفاتي بعدسة الرفيق مصطفى المانوزي
أبراهام سرفاتي في حوار يُنشر بعد 30 عاماً: كيهودي لا أقبل بالظلم الواقع على الفلسطينيين
مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 134 -
خلال زيارة لأُسرتي في عمّان في صيف سنة 2019، عمدت إلى التنقيب فيما تبقّى من أرشيفي الشخصي الذي تبعثر هنا وهناك في أكثر من بلد، ومنها الأردن، وعثرت على بضع أوراق وصور قديمة شرعت أقرأها، فعادت الذاكرة بي إلى الوراء 28 عاماً بالتمام والكمال، كأن الحدث جرى بالأمس.
الزمان هو منتصف أيلول / سبتمبر 1991، وهي سنة محورية في تاريخ العالم ومنطقتنا العربية، فقد شهدت انتهاء الحرب الباردة واستفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ وفي هذه السنة أيضاً هُزم العراق عسكرياً أمام الولايات المتحدة التي قادت تحالفاً من 30 دولة، وما تبع ذلك من أحداث قادت لاحقاً إلى مؤتمر مدريد لعملية السلام العربية - الإسرائيلية المزعومة.
المكان هو ضاحية لاكورنيف في باريس، والتي تشهد كل عام مهرجان "عيد الإنسانية" (L'Humanité)، نسبة إلى اسم جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي، والتي كانت قد توقفت حديثاً عن الصدور كنسخة ورقية جرّاء الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها، وذلك على غرار العديد من الصحف المعروفة في عدة أماكن من العالم. وهذا العيد كان وما زال، وعلى مدار 3 أيام تقريباً، موعداً سنوياً مهماً لجميع الأحزاب الشيوعية في العالم ولحركات التحرر الوطني، وفي الطليعة بطبيعة الحال منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قد احتلت جناحاً ضخماً تحت اسم "فلسطين الثورة"، المجلة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي توقفت عن الصدور في سنة 1994.
الحدث هو أن مهرجان "الإنسانية" يستقبل، بشيء من الاحتفال، شخصية سياسية مغربية معارضة شغلت وسائل الإعلام وأوساطاً سياسية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المغربي؛ إنه المعارض السياسي الشهير أبراهام سرفاتي الذي كان معتقلاً سياسياً منذ سنة 1975، وكانت السلطات المغربية قد أفرجت عنه عقب أحداث داخلية عرفها المغرب، فغادر وطنه ووصل إلى فرنسا مع زوجته الفرنسية.
أبراهام سرفاتي، للتذكير، هو مهندس وسياسي مغربي، يهودي الديانة، معادٍ بشدة للحركة الصهيونية، وقد انتمى في أواخر ستينيات القرن الماضي، إلى أحد التنظيمات اليسارية التي كانت محظورة في المغرب، الأمر الذي تسبب باعتقاله في سنة 1975 والحكم عليه بالسجن المؤبد، قبل الإفراج عنه في سنة 1991 وإبعاده إلى فرنسا. وكان معروفاً عنه علاقته الوطيدة بالثورة الفلسطينية، ودعمه الكامل لقيام دولة فلسطينية.
من باب المصادفة، كنت حاضراً في ذلك المشهد بتفصيلاته كلها كمندوب لمجلة "فلسطين الثورة"، إذ كنت قد بدأت قبل أشهر العمل في جهاز "الإعلام الموحد" لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي كان مقره في تلك الفترة في تونس، على غرار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها المتنوعة. وخطر في بالي فوراً، كمحرر يبدأ تجربته العملية بعد الانتهاء من دراسته الجامعية، إجراء حوار صحافي مع هذه الشخصية المغربية اليهودية اللامعة، والمؤيدة بالعمق لفلسطين موقفاً وكتابة، لاستجلاء وعيه بالقضية الفلسطينية، وعلاقته بالثورة الفلسطينية، في مراحل متنوعة، من دون التطرق من قريب أو بعيد إلى الوضع الداخلي في المغرب، وخصوصاً أن الحديث الذي أرغب في إجرائه هو لوسيلة إعلام رسمية، أي المجلة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الملتزمة حكماً بالخط الرسمي للمنظمة التي تعلن جهاراً عدم التدخل من قريب أو بعيد بالشؤون الداخلية للدول العربية. وفعلاً تقدمت نحو المناضل أبراهام سرفاتي وعرّفته بنفسي وبالمجلة التي أمثلها، فوافق فوراً على إجراء المقابلة، وكان سعيداً بذلك ومتأثراً، ومن دون أدنى عناء، فهم أن حديثي معه سيبقى منحصراً في الشأن الفلسطيني.
أُجريت المقابلة باللغة الفرنسية، وما زلت أذكر جزءاً مهماً من تفصيلاتها، ولا سيما عندما كان ضيفي أحياناً يتحدث والدموع تغطي عينيه، وذلك بعدما قرر المجلس الوطني الفلسطيني المجتمع في سنة 1976، منحه الهوية النضالية الفلسطينية، وعندما كتب هاني الحسن، عضو المجلس الثوري لحركة "فتح" آنذاك والمستشار للرئيس ياسر عرفات، مقدمة لكتاب عن سرفاتي.
في المقابلة التي أجريتها معه، عاد المناضل التقدمي المغربي، المولود في سنة 1926، إلى وعيه المتقدم بطبيعة القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948، وخصوصاً هوية الحركة الصهيونية التي رأى فيها، منذ البداية وهو اليهودي، خطراً ليس فقط على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بل على يهود العالم كافة أيضاً.
خلال الحديث مع سرفاتي، وهو المناضل اليساري الراديكالي، عاد إلى علاقته الأولى بالمقاومة الفلسطينية عامة، وحركة "فتح" خاصة، وذلك عندما زار قواعدها في الأردن في سنة 1968، وكيف استمرت علاقته بها. وفي الحديث أيضاً قدّم تحليله لبداية العملية السلمية، وهو أمر أرى فائدة كبيرة الآن في إعادة قراءته بعد مرور 31 عاماً.
عدت إلى تونس حاملاً معي المقابلة وفي اعتقادي أنني حصلت على صيد ثمين، وقمت بتفريغ ما سجلته على آلة التسجيل على الورق، ثم سلّمته إلى الزميلات في قسم الطباعة في مقر "الإعلام الموحد"، قبل إرسالها بالفاكس إلى هيئة تحرير مجلة "فلسطين الثورة" في قبرص. بعد قليل جرى استدعائي بشكل عاجل إلى مكتب "الإعلام الموحد" الذي كان يضم في حينه جميع وسائل إعلام منظمة التحرير الفلسطينية: وكالة الأنباء؛ الإذاعة؛ مؤسسة السينما؛ الصحيفة المركزية؛ الإعلام الخارجي؛ وكان يرأس الجهاز الأخ أحمد عبد الرحمن الذي كان أيضاً يشغل منصب الناطق الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية. فوجئت بغضب الأخ أحمد، إذ كيف لي أن أُجري مقابلة مع شخصية معارضة لسلطة في دولة عربية، وهي مقابلة إن تم نشرها فقد تتسبب بأزمة دبلوماسية بين المملكة المغربية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ وذلك بحسب ما قاله عبد الرحمن الذي أمر فوراً بوقفها، منبهاً إياي بحدة بأني أعمل في جهاز إعلامي رسمي له ضوابطه وخطوطه الحمر الممنوع تجاوزها، وبأنني لم أعد ناشطاً في الحركة الطلابية الفلسطينية في فرنسا حيث كنت أتمتع بهامش من المبادرة والحركة. امتثلت للأمر وذهبت إلى البيت حاملاً مقابلتي مصحوبة بمشاعر الخيبة والحزن، وهناك وضعت أوراق الحوار مع سرفاتي مع أوراق ومنشورات أُخرى، في خزانة وأقفلت عليها.
مرت الأيام ونسيت الموضوع، إلى أن وقعت أحداث مهمة غيرت كثيراً من معالم تلك المرحلة، ودقت ساعة العودة إلى فلسطين، فتوجهت في تموز / يوليو 1994 من تونس إلى عمّان، حيث يوجد منزل للأسرة أيضاً، حاملاً حقيبة احتوت جميع الأوراق التي أفرغتها على عجل من خزانة مكتبي في بيتنا في تونس، فأفرغت الحقائب ووضعت الأوراق مجدداً في خزائن في عمّان، وبعد أشهر قليلة، وتحديداً في مطلع سنة 1995، انتقلت إلى غزة.
بقيت هذه الأرواق مع غيرها من وثائق ومجلات وصور حبيسة الخزائن في عمّان لأعوام، من دون أن يفتحها أحد، إلى أن شاءت المصادفة أن تكشف أسرارها المنسية لدى زيارتي للأردن في سنة 2019، حين قادني الفضول بعد منتصف ليل، وبعد أن نام الجميع ولم أجد ما يسليني في القنوات التلفزيونية، إلى أن أفتح إحدى هذه الخزائن وأُخرج بهدوء محتواها وأبدأ بقراءتها ورقة تلو الأُخرى. عثرت على أشياء كثيرة أعادتني ربع قرن إلى الوراء، وحمدت الله على الفوضى التي كنت أعيشها، والتي جعلتني أنسى هذه الاوراق ولا آخذها معي إلى غزة لأني لا أعرف ماذا كان سيكون مصيرها هناك، مثلما لا أعرف الآن، مصير العديد من الأوراق والكتب والصور والأشرطة التلفزيونية التي تركتها في غزة، والتي أتمنى أن تكون في الحفظ والصون.
بين تلك الأوراق المنسية، وجدت المقابلة السجينة، مع السجين المغربي الشهير أبراهام سرافاتي. طبعاً جرت مياه كثيرة منذ ذلك التاريخ حين أجريتُ المقابلة في أيلول / سبتمبر 1991، فأبراهام سرفاتي عاد إلى وطنه المغرب في أيلول / سبتمبر 1999 بعد أن سمح له بذلك الملك محمد السادس الذي اتخذ قراراً استراتيجياً بطيّ صفحة من تاريخ المغرب المعاصر.
سمح الملك الشاب الذي كان للتو قد تولى العرش خلفاً لوالده الراحل الملك الحسن الثاني، للمعارض المغربي، بالعيش في ظروف محترمة، وأعاد إليه جواز سفره المغربي، كما بادر إلى ردّ الاعتبار إليه بتعيينه مستشاراً لدى المكتب الوطني للأبحاث والتنقيب عن النفط. وعاش سرفاتي مع زوجته المحامية الفرنسية كريستين في مدينه المحمدية، ونشر عدة كتب منها "كتابات حول فلسطين من السجن" يطرح فيه رؤية سياسية إنسانية أخلاقية للقضية الفلسطينية، وهو كتاب قيّم جداً أتمنى أن يكون ما زال في مكتبتي في غزة.
فارق المناضل أبراهام سرفاتي الحياة في 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2010، في إحدى مصحات مراكش عن عمر ناهز 84 عاماً بعد مسيرة حافلة، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن بالنسبة إلى فلسطين كان هذا المناضل صوتاً شجاعاً دافع عنها في أحلك الظروف، وقدّم نموذج إنسان حر يناضل من أجل العدالة لفلسطين؛ فلترقد روحه بطمأنينة وسلام.
أخيراً تواصل معي الدكتور ساري حنفي، وأوصلني بهيئة تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية"، بعد أن عرض على المجلة فكرة نشر المقابلة، ليُطلق سراح هذه المقابلة الحبيسة منذ 31 عاماً مع صورة أخذتها حينها بكاميرتي المتواضعة، لسرفاتي وهو يتصفح مجلة "فلسطين الثورة" التي كان مفترضاً أن تنشر المقابلة التي لم تفقد قيمتها على الرغم من السنوات التي مرت، سوى أن الراحل كان يجب أن يقرأها في "فلسطين الثورة" في حينه. وفيما يلي نص المقابلة، والذي سيكون في معظمه مثلما كُتب أول مرة، لكن مع تعديلات طفيفة يستوجبها النشر بعد 31 عاماً.
اتصال أول بالمقاومة
كان المناضل أبراهام سرفاتي سعيداً بإجراء لقاء مع مجلة "فلسطين الثورة"، وتحدث عن بدايات ارتباطه بفلسطين، فقال: "إن علاقتي بالقضية الفلسطينية هي علاقة في الدم، فالشعب الفلسطيني مضطهد حتى من قبل سنة 1948، والاعتداء عليه جرى ويجري باسم الديانة اليهودية، وهذا ما لا يمكنني أن أقبله بأي شكل من الأشكال. فوالدي كان مؤمناً بالدين اليهودي، وكان يؤمن بعمق الديانة اليهودية القائمة على احترام الإنسان واحترام حق الشعوب، وأنا كبرت وتربيت على احترام حق الإنسان والشعوب."
وأضاف: "الشعب المغربي كان واقعاً تحت نير الاحتلال الفرنسي، كما أن سائر الشعوب تعاني جرّاء الاحتلال، بمَن فيها الشعب الفلسطيني الذي يعاني عدواناً من طرف الصهيونية العنصرية التي تتاجر بعذابات اليهود في أوروبا. وأنا كإنسان وكيهودي ومغربي لا يمكن أن أقبل بهذا الظلم."
وأوضح قائلاً: "إطلالتي الأولى على المقاومة الفلسطينية كانت في حزيران / يونيو 1967، وقبلها كنت مناضلاً في الحركة الوطنية المغربية، وعلاقتي بفلسطين كانت من خلالها، ولم يكن لي علاقة مباشرة بالمقاومة الفلسطينية التي بدأت تبرز في سنة 1960، ثم أُعلنت في سنة 1965؛ إطلالتي تلك في سنة 1967 جاءت من خلال بيانات 'فتح' في فترة كانت الحركة الوطنية المغربية قد انزلقت في تصور عنصري للمشكلة الصهيونية، ولم تكن تفرق بين اليهودية والصهيونية. لقد كانت الحركة الوطنية الفلسطينية هي الأولى التي فرقت بين الصهيونية واليهودية، ومن وقتها سعيت للالتقاء بها، ولا أنسى أول مناضل فلسطيني التقيت به في الرباط وكان اسمه (أحمد)، ثم التقيت بمسؤولين من حركة (فتح) في الرباط أيضاً. وحين دُعيت إلى حضور ملتقيات تضامن مع المقاومة الفلسطينية في عمّان في بداية سنة 1970، أحسست بالفخر والسعادة، ولا سيما أنني التقيت بعدد من القيادات الفلسطينية، وتعرفت إلى أوضاع الشعب الفلسطيني في الأردن، وخصوصاً في مخيم الوحدات."
ولدى سؤاله عن الهوية الفلسطينية التي منحها إياه المجلس الوطني الفلسطيني في سنة 1976، ردّ المناضل المغربي بتأثر قائلاً: "نعم قرر المجلس الوطني الفلسطيني منحي الهوية الفلسطينية ولم أكن أعلم بذلك، فقد كنت في عزلة تامة ولم أعلم بذلك إلّا بعد أعوام، وكان ذلك أكبر وسام في حياتي، كما قرأت ما كتبه الأخ هاني الحسن في مقدمة كتاب عني، وكنت سعيداً جداً بذلك."
تطرف اليهود المغاربة والتوتر مع المسلمين
يعود سرفاتي إلى زمن هزيمة حزيران / يونيو 1967، حين كان الوضع متوتراً بين المسلمين واليهود في المغرب، فيقول: "في سنة 1967، كانت الطائفتان المسلمة واليهودية في المغرب منقسمتَين بشدة وبشكل محزن للمرة الأولى في تاريخ المغرب، وكنت اليهودي المغربي الوحيد الذي اتخذ موقفاً ضد إسرائيل وضد الصهيونية، وربما الوحيد بين يهود الشرق الذين يختلفون عرقياً وثقافياً عن اليهود الغربيين، ويتم استغلالهم وقمعهم بشكل بشع من طرف المؤسسة الصهيونية الحاكمة ورأس المال اليهودي في العالم المرتبط بالإمبريالية الأميركية، لأن الصهيونية في الأساس هي عبارة عن أيديولوجيا جاءت من أوروبا الوسطى حيث مورس القمع هناك ضدهم، وهذه الأيديولوجيا أصبحت عنصرية تمارس القمع والاحتلال في فلسطين. لكن هذه الأيديولوجيا الصهيونية غريبة تماماً عن اليهودية العربية التي لم تلقَ قط الاضطهاد مثلما حدث لليهود الأوروبيين. وقد جرى اقتلاع اليهود العرب، وخصوصاً المغربيين، من بلادهم، وذلك من خلال عملية مشتركة بين البورجوازية الحاكمة في هذه البلاد والحركة الصهيونية العالمية، وجُلبوا إلى فلسطين ليكونوا وقوداً ضد الشعب الفلسطيني، وعمالاً مياومين تستغلهم الرأسمالية التي تتحكم في دولة إسرائيل، وقد حاولت دراسة هذه العوامل كلها في كتابي.
بالعودة إلى سؤالك عن سبب تطرف اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل ويعانون القهر والحرمان، وهذا أمر كان يزعج المسلمين والحركة الوطنية، فقد قال لي أحد رفاقي، وكان من القلائل الشديدي الوضوح في ذلك الحين، بعد 25 عاماً سنقول لك الحق معك بشأن تحليلك لأسباب تطرف اليهود من أصل مغربي، لكن قبل ذلك بكثير، هناك مَن أعطاني الحق فيما كنت أقوله، وهو أمر لن أنساه أبداً، وكانوا إخواني الفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية التي كانت الأولى في العالم العربي التي فرقت بين اليهودية والصهيونية."
وفسر سرفاتي تطرف اليهود القادمين من المغرب إلى الكيان الصهيوني تجاه العرب، وهو أمر عالجه في كتاب له، وقال: "نعم، إن أحد الأهداف الأساسية من كتابي هو دراسة هذه المشكلة بشكل معمق، لأنه يجب التمعن جيداً في التناقضات الداخلية للكيان الصهيوني، ولدولة إسرائيل، من أجل محاربة الصهيونية، وأعتقد أن المقاومة الفلسطينية لم تأخذ حتى الآن بعين الاعتبار تلك التناقصات. فمع أن هذه المقاومة تدعو دائماً اليهود التقدميين داخل إسرائيل إلى مشاركتها النضال، إلّا إنها لم تأخذ بشكل كافٍ الفارق بين يهود أوروبا، واليهود القادمين إلى فلسطين 'الذين اضطُهدوا هناك'، وهو ما قلت فيه إن المضطهِد لا يكتفي فقط بممارسة الاضطهاد على المضطهَد، بل يفرغه من هويته. وقد دُرست هذه الإشكالية في البرازيل، وهي صحيحة في معظم دول العالم الثالث، وهذا ما يحدث تماماً في إسرائيل، ولذلك نجد كثيراً من اليهود المغاربة يُدلون بأصواتهم لمصلحة الليكود."
ليس جميع المتدينين صهيونيين
فرّق سرفاتي بين مجموعة يهودية دينية متطرفة وأُخرى، مضيفاً: "لكن مع ذلك فإن الأفكار تتقدم، وقد قرأت مؤخراً أنه بالنسبة إلى الأحزاب الدينية فإن حزب 'الأشكنازية' هو حزب صهيوني حتى العمق، مقارنة بحزب شاس الديني الممثل لـ 'السفاردية'، والذي هو في الحقيقة ليس صهيونياً، بل هو الحزب الوحيد من الأحزاب الدينية الذي دعم فكرة (الأرض في مقابل السلام). طبعاً هذا الموقف معتدل ويسير في اتجاه الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في سنة 1976 وتركها للشعب الفلسطيني."
وتابع: "ممّا لا شك فيه أن اليهود السفارديم لديهم تأثير ما، والحكومة الإسرائيلية تأخذ في عين الاعتبار هذه المسألة في موقفها، وهي تستخدم 'تكتيكاً' معروفاً تجاه اليهود السفارديم، وهذا يسير في طريق تلبية طموح الفلسطينيين."
نضال مشترك
وعن الدور السياسي لليهود الشرقيين في معارضة الصهيونية، أشار المناضل المغربي إلى أن الهدف هو إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية، وقال: "يمكننا أن ندعو هؤلاء اليهود إلى أن يناضلوا في مرحلة أولى لإسرائيل غير صهيونية، أي لدولة غير صهيونية لا يكون فيها ثقل لليهود الأوروبيين، وتكون إلى جانب دولة فلسطينية. وهكذا يمكننا الاندماج في الشرق الأوسط، ويمكننا أن نصبح دولة شرق أوسطية، وهذا الحل سيكون مرحلة مثلما قلت في كتابي، نحو فلسطين واحدة ديمقراطية، وذلك طبقاً لمشروع المقاومة الفلسطينية بإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية، لكن هذا المشروع ما زال لا يحظى بصدقية من طرف اليهود الإسرائيليين. وفي المقابل يمكن إقناع هؤلاء اليهود الإسرائيليين، وخصوصاً اليهود الشرقيين، بضرورة النضال كي تصبح دولة إسرائيل دولة غير صهيونية، وبالتالي تسمح لدولة فلسطينية بأن تنشأ بجانبها."
مفاوضات مدريد
تناولت المقابلة مع سرفاتي مفاوضات مدريد التي كانت قد بدأت آنذاك، وقد أبدى خشيته من أنها تشكل خطراً على القضية الفلسطينية، قائلاً: "أخشى أن تؤدي هذه المفاوضات إلى انخراط المقاومة الفلسطينية في حل لا يكون في الحقيقة حلاً فعلياً، وأنا شخصياً أفضّل ألّا يشارك الطرف الفلسطيني في هذه المفاوضات قبل وضوح الأمور، وإحداث تغيير ما في ميزان القوى. لكن بما أن المحادثات بدأت على الرغم من كل شيء، فإنها سمحت للطرف الفلسطيني بأن يُعرِّف الرأي العام أكثر بالقضية الفلسطينية، وأن يطالب بشكل أكثر فاعلية بإيقاف بناء المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، وتفكيكها إن أمكن، وعدم إصدار قوانين عنصرية جديدة. وأعتقد أن هذا هو الحد الأدنى الذي من دون تحقيقه ليس هناك أي معنى للمفاوضات."
العرب والقضية الفلسطينية
عن رأيه في مواقف المعارضة العربية تجاه الانتفاضة الفلسطينية والحرب على العراق، قال سرفاتي: "للأسف إن وضع الحركة الوطنية العربية ازداد سوءاً بعد حرب الخليج، لكن وضع الحركة كان كارثياً منذ عدة سنوات، وأتذكر في سنة 1982 خلال الغزو الإسرائيلي للبنان، لم تخرج تظاهرة واحدة في العالم العربي للتضامن مع الشعبين الفلسطيني واللبناني، بل إن التظاهرة الكبيرة الوحيدة التي حدثت كانت في الجزائر، لكن للاحتفال بفوز المنتخب الجزائري لكرة القدم في المسابقة الدولية لأبطال كرة القدم."
وأضاف: "الطريق طويل، وعلينا كمناضلين عرب أن نشقّه كي تساند الشعوبُ العربية المقاومة الفلسطينية بشكل فعلي، كما أن على المقاومة الفلسطينية ألّا تراهن فقط على الأنظمة، بل على الجماهير أيضاً، والانتفاضة الفلسطينية في هذا الشأن هي عمل بطولي يجب البناء عليه، ويجب العمل أيضاً على تناقضات الكيان الصهيوني. ونحن نحثّ الرأي العام الغربي عامة، والحركات اليسارية خاصة، على التضامن مع القضية الفلسطينية."
وتابع: "أعتقد أن موقف الحركات اليسارية في أوروبا جيد بصورة عامة، لكن يجب تطويره، وفي هذا الشأن أود أن ألفت نظر إخوتنا الفلسطينيين إلى إحدى العقبات التي تعوق تطوير حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في فرنسا، وهي أن هذه الحركة تجد نفسها مضطرة منذ فترة إلى عدم وضع الأيديولوجيا الصهيونية موضع الشك. وكثيرون من المناضلين الفرنسيين مع فلسطين قالوا لي: 'نحن لا نهاجم الصهيونية لأن منظمة التحرير الفلسطينية قالت لنا إنه في التكتيك الحالي يجب عدم مهاجمة الصهيونية'، وأعتقد أن هذا خطأ جسيم، إذ يجب علينا التفريق بين اليهودية والصهيونية، وهذا واضح تماماً ومنذ فترة طويلة، وعلينا الاستمرار في النضال الأيديولوجي والسياسي ضد الصهيونية، حتى لو كان هناك صعوبات في البداية في بلد مثل فرنسا؛ يجب إظهار الحقيقة، وهي أنه ما دامت إسرائيل دولة صهيونية، فإنه لا يمكن صنع سلام حقيقي في الشرق الأوسط، وأعتقد أنه بعد ذلك يستطيع المتضامنون مع القضية الفلسطينية التقدم بشكل أفضل داخل المجتمع الفرنسي."
كلمة من سجين سابق إلى الأسرى الفلسطينيين
أخيراً، ولدى سؤال المناضل سرفاتي والسجين السابق، عن الكلمة التي يود أن يقولها للمعتقلين الفلسطينيين الذين كانوا قد بدأوا إضراباً بطولياً، اختتم سرفاتي كلامه والدموع في عينيه، قائلاً: "نحن كسجناء مغربيين تعلّمنا دروساً رائعة من مقاومة الشعب الفلسطيني، وخصوصاً مقاومة السجناء الفلسطينيين والشعب الفلسطيني الذي هو طليعة الأمة العربية. إن المعتقلين الفلسطينيين هم المناضلون الطليعيون للشعب الفلسطيني، وأنا أحييهم وأقول لهم أنني متضامن معهم من أعماق قلبي."
الرفيق ادريس عدة يحمل العلم الفلسطيني امام قبر الرفيق الراحل السرفاتي
الرفيق نورالدين الخمالي والرفيق عبد الله زعزاع من جنازة الرفيق ابراهام السرفاتي
الاستاذ عبد الرحيم برادة من جنازة الرفيق ابراهام السرفاتي
الرفيق رؤوف فلاح من جنازة الرفيق ابراهام السرفاتي
لسنوات طويلة اقترن الحديث عن وضع حقوق الإنسان في المغرب بحالة المعارض اليساري (إبراهام سرفاتي) البعض يعتبره فعلا نموذجا في ملف وصف بالسيئ في مجال حقوق الإنسان في المغرب، البعض الآخر في المقابل لا يتردد في اعتباره حالة مضخمة إعلاميا، ولا سيما في الغرب، مهما يكن من أمر فإن السرفاتي ظل قضية قائمة في المغرب سواء عندما كان في السجن أو عندما انتقل منه إلى المنفى، وبعودة السرفاتي إلى أرض الوطن مع وصول الملك محمد السادس إلى الحكم طويت صفحة في هذه القضية، قضية لن يتحدث عنها أحد كما يتحدث عنها صاحبها إبراهام سرفاتي.
إبراهام ألبير سرفاتي.. من مواليد الدار البيضاء في 16 يناير 1926.
خريج المدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، وبدأ عمله في الخمسينات بمناجم الفوسفات.
تولى عام 1958م منصب مدير ديوان كاتب الدولة المغربي للإنتاج الصناعي والمعادن، ثم كلف بمهمة بديوان الزعيم الاشتراكي الراحل عبد الرحيم بو عبيد، وكان آنذاك وزير الاقتصاد الوطني.
في الستينات أصبح زعيما لمجموعة (إلى الأمام) الماركسية اللينينية، ودخل العمل السري إلى حين اعتقاله عام 75، والحكم عليه بالمؤبد.
قضى سبعة عشر عاما في السجن بتهمة الإخلال بالأمن العام، والتشكيك في مغربية الصحراء الغربية، وصار رمزا للمساجين السياسيين المغاربة الذين طرحت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان قضاياهم لسنوات عديدة.
أطلق سراحه عام 91، وأبعد إلى فرنسا بدعوى حمله للجنسية البرازيلية.
عاد إلى البلاد في سبتمبر أيلول عام 99 بعد بادرة من الملك محمد السادس الذي أمن له ظروف إقامة محترمة، وأعاد له جواز سفره، وفي بادرة رد اعتبار عين -مؤخرا- مستشارا لدى المكتب الوطني للأبحاث والتنقيب عن النفط.
محمد كريشان:
سيد إبراهام سرفاتي.. أهلا وسهلا
أكثر من 27 سنة تقريبا لم تتمتعوا فيها بالحرية، سواء اختفاء في مرحلة أولى ثم أكثر من سبعة عشر عاما في السجن، ثم ثماني سنوات من المنفى في فرنسا، ثم الآن تعودون إلى المغرب، كيف وجدتم المغرب الآن؟
إبراهام ألبير سرفاتي [بالفرنسية]:
أولا: أشعر بسعادة كبيرة لعودتي إلى بلادي، وأن أجدها في فترة تنفتح فيها أمامنا أبواب مستقبل واعد، بفضل جلالة الملك محمد السادس، وكذلك بفضل كفاح الشعب المغربي وشهداء السجون عدة عقود، مما فتح آفاقا للديمقراطية ولمجتمع مدني حي، إذن المستقبل أمامنا واعد إن شاء الله.
محمد كريشان:
هل وجدتم المغرب مختلف عن الصورة التي كانت في ذهنك عن البلد الذي لم تعايشه لكل هذه السنوات؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
عندما كنت في المنفى، وحتى في السجن كنت دائما على اتصال بأصدقاء مغاربة، وبما يجري في المغرب، لكن الاطلاع على الوضع مباشرة شيء مغاير تماما بطبيعة الحال، لقد زرت بعض المناطق التي دعيت إليها، وخاصة في شمال البلاد، وكذلك هنا في المنطقة الساحلية بين الدار البيضاء والرباط حيث يوجد تطور عمراني كبير، لكنه متفاوت.. أحياء فقيرة جدا، ومنازل فارهة، وفي الداخل نجد الفوارق الاجتماعية نفسها.
كنت -مثلا- في الحسيمة في منطقة الريف حيث توجد حيوية سياسية وحركة دؤوب ورائعة للمجتمع المدني، ولكن في الوقت نفسه فقر مدقع في البوادي، طبعا مصدر الأمل هو أن هذا المجتمع المدني وهذه الحيوية السياسية يبعثان على الاعتقاد بأن المواطنين سيتولون بأنفسهم قضية التنمية بدعم من الدولة طبعا، إذن هناك أمل كبير في أن تتجاوز البلاد هذه الفترة العصيبة، وهذا التأخر الاجتماعي والاقتصادي الذي عشناه.
محمد كريشان:
سيد إبراهام.. هذا التركيز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفقر يعني هذا واضح أن إبراهام سرفاتي اليساري المهتم بقضايا الناس وقضايا الفئات الفقيرة لم يتغير رغم كل هذه السنوات.
إبراهام ألبير سرفاتي:
لم أتغير على الإطلاق منذ بدأت نشاطي عام 44 وعمري آنذاك ثمانية عشر عاما، لم أتغير، كان نشاطي من أجل الاستقلال وازدهار شعبنا ومكافحة الظلم، لم أتغير منذ ستة وخمسين عاما.
محمد كريشان:
لكن هل -على الأقل- حصلت لديك بعض المراجعات النظرية والسياسية؟ كثير من الأشياء تغيرت -لا نريد أن نعددها- لكنها معروفة، انهيار الاتحاد السوفييتي، سقوط جدار برلين إلى آخر القائمة من التحولات، ما الذي أثرت في نظرتك إلى الأشياء ومن قناعاتك اليسارية؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
سأوضح أمرا، فعندما التحقت بالشبيبة اليسارية سنة 44 كان ذلك في إطار دوغماتية الشيوعية العالمية، طبعا كان دافعي الأساسي هو النضال من أجل الاستقلال وربط علاقات مع الناس ومع الشباب في الأحياء الفقيرة، كانت هناك -لحسن الحظ- حيوية تتجاوز الإطار الدوغماتي وإلى نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات بقيت حبيس هذه الدوغماتية، تأثير الاستقلال في المقام الأول وأزمة الحركة الشيوعية العالمية في بداية الستينيات، لا سيما الخلافات بين الصين والاتحاد السوفييتي، كل ذلك دفعني إلى التفكير بعمق في الفلسفة الماركسية والفلسفة بصورة عامة، كانت لي في الوقت نفسه وظيفة خلاقة حيث كنت مكلفا بالبحوث والتنمية في قطاع الفوسفات، وكنت -بالتالي- أشارك في عملية الإبداع، وقد حدا بي كل هذا إلى تجاوز الدوغماتية، وإلى تعميق المعطيات الفلسفية في الماركسية، وقد ساعدني ذلك كثيرا حين أسست في نهاية الستينات مع أصدقاء لي منظمة (إلى الأمام) ساعدني على تجاوز كل الدوغماتيات، وكل القواعد الجامدة في الماركسية.
لم ينته الأمر عند هذا الحد، فعلاوة على محاولاتنا الدائمة في السبعينيات والثمانينيات الاستفادة من الأخطاء التي يمكن أن نرتكبها في سبيل التأقلم بصورة فاعلة مع ضرورات الكفاح في المغرب، علاوة على ذلك دفعني انهيار الاتحاد السوفييتي عام 91 إلى التفكير العميق في واحد من أسس الدوغماتية الماركسية اللينينية، هو حزب الطليعة الذي كان فشلا ذريعا، فقد قام الحزب البلشفي بثورة أكتوبر، لكن عملية تجسيد الاشتراكية غرقت في أوحال البيروقراطية والديكتاتورية، لا بسبب (ستالين) فحسب، وإنما كان ذلك كامنا في مفهوم الطليعة نفسه، ونتيجة لهذا تخليت تماما في السنوات التالية عن هذا المفهوم، لكني بقيت متمسكا بالماركسية بصفتها منهجا لدينامية المجتمع وطريقة لفهم آلية تقدم المجتمعات، شريطة تطعيمها -أي الماركسية- بتطور العلوم، وخاصة العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والأنثربولوجيا وغيرهما، إذن من هذا المنظور بقيت ماركسيا، لكن وفق هذا المفهوم وبعيدا عن الانطواء والانغلاق في دوغماتية معينة، وسواء تعلق الأمر بالمغرب أو غيره أعتقد أن دينامية المجتمع المدني هي الآن العامل الحاسم في تقدم الشعوب.
محمد كريشان:
ولكن عندما غادرت المغرب خرجت من السجن مباشرة من السجن إلى المنفى في فرنسا، كانت تقريبا نفس التاريخ الذي انهار فيه الاتحاد السوفييتي تقريبا، هل كانت تلك الأحداث بمثابة الصدمة بالنسبة إليك؟ عندما يغادر الإنسان البلد، وفي نفس الوقت يجد نموذجا من التفكير وتجربة كانت في الاتحاد السوفييتي تنهار هل مثل ذلك صدمة بالنسبة إليك؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
بالنسبة إلي صحيح أن التاريخين قد تزامنا تقريبا، ولم يفصل بينهما سوى خمسة عشر يوما، لكن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يشكل صدمة بالنسبة إلي بالمقارنة مع الذين ظلوا متشبثين بالنموذج السوفييتي، فمنذ الستينيات لم أعد أنا ورفاقي في منظمة (إلى الأمام) نعتبر المجتمع السوفييتي نموذجا مع أننا بقينا متمسكين ببعض الأسس والمبادئ، لا سيما من ثورة أكتوبر، لقد كانت الصدمة -إذن- أقل تأثيرا بالنسبة إلي من بعض المناضلين المتمسكين بالنموذج السوفييتي، لأننا كنا قد تجاوزنا هذه المرحلة، وفي السنوات التالية أدركت أنه ينبغي المضي إلى مدى أبعد، وخصوصا إلى درجة التشكيك في مفهوم حزب الطليعة.
محمد كريشان:
ولكن عندما عدت إلى المغرب الآن، ما الذي وجدته قد بقي من تنظيم (إلى الأمام) أو من الفكر اليساري أو من رفاقك الذين كانوا معك؟ هل ما زلت تؤمن بأن الأرضية المغربية والتربة المغربية ما زالت صالحة لفكر ماركسي حتى بهذه التطورات التي أشرت إليها؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
هذا أمر فكرنا فيه كثيرا وليس ابتداء من التسعينيات فحسب وإنما قبل ذلك، فمنذ انطلاق منظمتنا لم نعد حبيسي نموذج محدد أو بلد بعينه، رفضنا الدروس الدوغماتية من أي بلد كان، وانتقدنا الاتحاد السوفييتي دون أن نصبح رهائن للنموذج الصيني، فقد انتقدنا مثلا في عام 71 الموقف الصيني من قضية بنجلادش، كنا دوما أحرارا، وقد اهتممنا بمشاكل الثورة المغربية بصفتنا مواطنين مغاربة أولا، معتمدين الماركسية منهجا لا غير، مع منحنا الأولوية للطبقة العاملة أي للكادحين باعتبارهم محرك المجتمع، لكننا لم نكن يوما حبيسي أي دوغماتية بما في ذلك ديكتاتورية البروليتاريا وما على شاكلتها.
محمد كريشان:
يعني كل السنوات التي قضيتها في السجن، يعني نريد أن نسترجع معك بعض الذكريات التي بقيت في ذهنك من كل هذه الفترة الطويلة، وهل تعتقد بأن مجرد رجوعك من المنفى بعد سنوات السجن يمثل نوع من إعادة التقدير وإعادة الاحترام لشخص (إبراهام سرفاتي)؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
يمكن أن أقول: إن الاستقبال الذي خصص لي عند عودتي، وأثناء الزيارات التي قمت بها لبعض المناطق يفوق بكثير ما كنت أعتقد أنني قدمته للكفاح في المغرب، أنا ورفاق كثيرون، منهم (سعيده منبه) سقطوا للأسف في ساحة المعركة، وكانت الخسائر كبيرة وجوهرية، ما قدمته ضئيل مقارنة بهذه التضحيات، وكان لديّ انطباع بأنني طيلة هذه السنوات قمت بواجبي كمواطن مغربي وكمهندس كذلك، لأني حاولت في الستينيات وبعدها الحفاظ على كرامة المهندسين، بتضامني مع عمال قطاع الفوسفات في عام 68، وأعتقد كذلك أنني أسهمت في حماية ماء وجه اليهود المغاربة الذين كان أغلبهم ضحايا للصهيونية كما تعلمون، وحتى فيما يتعلق بالقضية الأصعب، وهي قضية الصحراء أعتقد -أنا ورفاقي في السبعينيات- أننا حافظنا على كرامة بلدنا بتبنينا الموقف الصحيح الذي يبدو الآن راجحا لحسن الحظ، وهو ضرورة تسوية القضية بالوسائل السلمية لا بالقمع، أعتقد من خلال كل ذلك أننا في آن واحد ناضلنا ولم نخضع للقمع، مع الحرص الشديد على مستقبل البلاد، لكن الاستقبالات التي حظيت بها في كل المناطق تتجاوز بكثير ما كنت أتصوره بشأن إسهامنا من أجل أن يرفع الشعب المغربي هامته، ويصبح على ما هو عليه اليوم، أي تربة خصبة لقيام الديمقراطية بفضل الله.
محمد كريشان:
ماذا بقي في ذاكرة إبراهام سرفاتي من سنوات السجن؟ وهل لديكم نية في كتابة مذكرات مثلا؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
كانت هناك السنوات الأصعب، ومنها الأربعة عشر الأولى في مركز التعذيب (مولاي شريف) ثم ثلاثة سنوات أو أكثر من العزلة في سجن الدار البيضاء المدني، وشيئا فشيئا بدأت الأمور تتحسن، ابتداء من عامي 79 و80، ولم يقتصر ذلك على الالتقاء برفاقي في سجن القنيطرة المركزي، بل اتسع تدريجيا مجال عملنا ونمط حياتنا ليتحول هذا الجو في الثمانينيات إلى ما سميته بفضاء الرجال الأحرار، فقد كانت تلك أول منطقة محررة من المغرب، كنا في مركز القنيطرة المركزي الرجال الأكثر حرية في المغرب مقارنة ببقية المواطنين الذين لم يكونوا في السجون، لكنهم لم يكونوا يستطيعون التعبير، أما نحن فلم يكن باستطاعة أحد أن يسكتنا، وكنا بالتالي فضاء للحرية على مدى عدة سنوات.
والدليل على ذلك المظاهرات الشعبية الحاشدة التي عمت البلاد، في فبراير شباط عام 84، والتي كنا -لا أقول محركها المباشر- وإنما مصدر إلهامها، وقد اعترف بذلك الملك الحسن الثاني نفسه آنذاك، السنوات الأولى كانت في الواقع سنوات جحيم، جحيم لا نهاية له، ومع ذلك كان لا بد من التحمل وصون كرامتنا الشخصية والحفاظ كذلك على نقاء نضالنا، وأعتقد أننا أفلحنا في ذلك.
محمد كريشان:
يعني فيما يتعلق بسنوات الاعتقال، هل تعرضتم للتعذيب فقط في البداية أم استمر أسلوب التعذيب حتى في السنوات المقبلة؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
التعذيب كان بالدرجة الأولى في الأشهر الأربعة عشر الأولى، وخاصة في الأشهر الأربعة أو الخمسة الأولى من هذه الفترة، وقد كتبت بعد ذلك بعشر سنوات نظرا لاستحالة الكتابة حينها، كتبت عن ذلك الوضع، وكشفت مستوى التعذيب الذي كان فظيعا فظيعا جدا، وأوضحت أنه ما كان للمرء أن يتحمل ويقاوم، لولا عدم الخوف من الموت، لأن من يخاف من الموت لا يستطيع المقاومة، وثانيا: وعي المرء لكرامته بصفته إنسانا ومناضلا كذلك وكنا نتعامل مع أناس تحولوا إلى وحوش، وكان لزاما علينا أن نقاوم للحفاظ على كرامة الإنسان، وقد أفلحت أنا وبعض رفاقي في ذلك.
محمد كريشان:
هل تنوون كتابة مذكراتك؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
كنت قد أصدرت كتابات عن تلك الفترة، لي كتاب مشترك مع رفيقتي (كريستين) عنوانه (ذاكرة الآخر)، وفيه يسرد كل منا تجربة السنوات القاسية، كتبت هذه المذكرات التي أعيد نشرها قبل سنة في كتاب أصدرته في فرنسا بعنوان (المغرب.. من الأسود إلى الرمادي)، ويرمز السواد لفترة الرعب، واللون الرمادي للمرحلة الانتقالية التي نعيشها منذ سنوات.
محمد كريشان:
هل هناك مرحلة بيضاء ممكن أن تأتي؟ هل أنت متفائل بمرحلة بيضاء بعد مرحلة الرمادي؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
طبعا خلال السنوات المتبقية من حياتي، يتعين علي -دون شك- كتابة المزيد عن حياتي لكني آمل في المقام الأول أن أسهم في دفع حركة الشعب المغربي، ولا سيما الشباب إلى الأمام، ليس لي أي طموح سياسي، لا أريد أن أكون زعيما سياسيا، لكني بالمقابل أستطيع بالنظر إلى تجربتي ومكانتي، وكوني أصبحت رمزا في هذا البلد أن أساعد في الجهود الرامية إلى أن تتقدم قوى الشعب، وتثق بنفسها، وتتفاعل مع التغيير الذي يحدث على مستوى القمة بفضل جلالة الملك (محمد السادس)، غير أن إرادة الملك محمد السادس لن تكون كافية ما لم يعضدها دعم الشعب، وخاصة المجتمع المدني، إضافة إلى ضرورة تحديد الطبقة السياسية.
محمد كريشان:
أشرت قبل قليل إلى موضوع اليهودية المغربية، هل كان يزعجك أن يوصف إبراهام سرفاتي بأنه يهودي مغربي؟ وصراحة هل تعتقد بأن كان يمكن أن تقف المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان مع إبراهام سرفاتي لو كان مناضلا يساريا فقط؟ يعني هل تعتقد بأن كونك يهودي ومناضل يساري الاثنان معا ساعدك أكثر من حيث تعاطف منظمات حقوق الإنسان الدولية؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
ربما يكون وضعي كمغربي وعربي ويهودي عربي -كما أسلفت- قد أسهم في أن يزداد التضامن الدولي، لكن بالنسبة إلي فإن هذا الوضع تحصيل حاصل، فإلى جانب كوني مناضلا في اليسار المغربي منذ كنت في الثامنة عشرة، لم أفقد الاتصال بجذوري أو أصلي بصفتي مغربيا يهوديا.
لقد كان عمري عشر سنوات في عام 33 حين قال لي والدي ذات يوم في كنيس بشأن رجل يكثر الصلاة لكنه منافق، قال لي: إنه صهيوني والصهيونية لا تمت بأي صلة إلى ديننا، ففي هذا الجو وهذا التصور نشأت في كنف اليهودية المغربية المرتبطة منذ آلاف السنين بروح الأخوة مع الإسلام بشكل عام والإسلام في المغرب بصورة خاصة، ولا يجب أن ننسى بغض النظر عن انتمائي الأسري أننا أيضا منحدرون من الأندلس، ومن ذلك العهد الرائع الذي سادته الأخوة بين الديانات السماوية الثلاث، وتميز بالازدهار الثقافي، كل هذا أثر في حياتي، ولم أكن أتقبل أن تختطف الصهيونية اليهود المغاربة، وتأتي بهم إلى مستوى أدنى في إسرائيل، لقد كنت ضد الصهيونية بصفتي مغربيا، وضدها لأنها اختطفت إخوتي وأخواتي، رفضت ذلك وما زلت أرفضه.
محمد كريشان:
يعني لا تجد أي تناقض في كونك يهودي عربي، مناضل يساري، كل هذه الوصفات لا تجد بينها أي تناقض؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
أعتقد على العكس من ذلك أن هذه الجوانب المختلفة من شخصيتي تتكامل فيما بينها، وإذا كان نضالي قد لقي صدى فإن ذلك لا يعود فحسب إلى كوني مناضلا مغربيا كنت أمثل شيئا ما للمناضلين الشبان في السبعينيات وكانوا يلقبونني بالشيباني لأنني الأقدم، وإنما أيضا لأن في شخصيتي هذا البعد اليهودي المغربي، لقد اكتشفت في يونيو/ حزيران عام 67 الإضافة الكبيرة التي قدمتها الثورة الفلسطينية، تتذكرون أن حركات التحرر العربية في تلك الفترة كانت تطغى عليها الأيدولوجية القومية التي لم تكن تميز بما فيه الكفاية بين اليهودية والصهيونية، وكان أوائل من أدركوا الفرق المناضلون الفلسطينيون، وخاصة مناضلي فتح واليسار الفلسطيني، لقد كانت وما تزال تربطني بالثورة الفلسطينية علاقة عضوية وثيقة، عندما أصدر المستشرق الفرنسي الكبير (جاك بيرك) نداء يقترح فيه إقامة أندلسات جديدة، وعندما كشفت حركة فتح في الأول من يناير/ كانون الثاني عام 69 ذلك الهدف النبيل في إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، وهو ما سيحدث إن شاء الله كان ذلك بالضبط كأنه الأندلس التي انحدر منها أجدادي، وأندلس التعايش السلمي التي هي مستقبل فلسطين والأراضي المقدسة والعرب كذلك، إذن هناك علاقات عضوية بداخلي.
محمد كريشان:
البعض يعتقد بأن قضية إبراهام سرفاتي وقع استغلالها أحيانا من عديد المنظمات للضغط على المغرب في قضايا حقوق الإنسان وموضوع حقوق الإنسان، هل تعتقد بأن قرار الملك محمد السادس بعودة إبراهام سرفاتي فيها تقدير لشخصكم؟ ولكن أيضا فيها نزع لهذه الورقة التي كانت ترفع باستمرار في وجه المغرب؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
أعتقد أنه من جانب الملك محمد السادس لا يعتبر الأمر إذعانا لهذه الضغوط وإلى جانب موضوع عودتي كان هناك تعامل راق يتجاوز كل الحسابات السياسية، أبلغني أولا أن رجوعي أمر بديهي وبدون قيد أو شرط، ثم رد إلي الاعتبار بصفتي مواطنا مغربيا كامل الحقوق خلال الأسابيع الأولى التي تلت عودتي، ويوم أعاد إلي جواز سفري وبطاقة هويتي بعث إلي ثلاثة من أقرب المقربين منه بينهم مدير الديوان الملكي، كي يسلموني هذه الوثائق بأنفسهم ويبلغوني بأنني أصبحت أتمتع بكامل حقوقي، بما في ذلك لقبي كمهندس مناجم، وبأن الملك قد أهداني هذا المنزل، هذه السلسلة من الأعمال الخيرة تتجاوز بكثير الحسابات السياسية، وفضلا عن كونها تشريفا لي فإنها تبعث في نفسي كثيرا من الآمال في مستقبل المغرب بقيادة الملك (محمد السادس).
محمد كريشان:
ما هو شعورك وأنت تستلم هذا جواز السفر المغربي؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
يمكن القول إنه كان يوما عظيما بالنسبة إلي، كان على ما أعتقد يوم الأربعاء الثامن والعشرين من أكتوبر/ تشرين أول، وقد أبلغنا الديوان الملكي أن مدير الديوان ومستشار الملك (أندريه أزولاي) ووالي الرباط سيزوروننا ذلك اليوم، كنا في انتظارهم بطبيعة الحال، وعندما جاءوا سلموني الوثائق، وأخبروني برد الاعتبار إلي في جميع أوجه حياتي، وفي الجانب المهني منها على وجه الخصوص، وقد حكى لي والي الرباط وهو المسؤول الذي وقع جواز سفري أنه كان في بداية حياته المهنية موظفا في مكتب الفوسفات في الستينيات حين أصدرت رسالة تضامن مع عمال مناجم الفوسفات، الذين كانوا آنذاك مضربين عن العمل، قال لي: إن تلك الرسالة أثرت فيه أيما تأثير، وإنه ما يزال إلى اليوم يحفظ بعض فقراتها عن ظهر قلب، إنها شهادة رائعة من جيل يصغرني، ودليل على أن نضالنا كان يلقى أصداء إيجابية في أوساط واسعة من المجتمع لحسن الحظ، لقد كان حينها موظفا مبتدئا، وأصبح اليوم والي العاصمة، ومعينا من قبل جلالة الملك، وما يزال يتذكر تلك الرسالة، لقد فاق هذا كله رد الاعتبار، وتصرفات جلالة الملك لم تكن مجرد رد اعتبار لنضالنا، وإنما إضفاء للشرعية عليه، هكذا فهمت الأمر، وهذا يعني أن هذا النضال عادل، وأنه كان مدخلا لما يحدث الآن، الحمد لله أصبح المغرب ديمقراطيا وعصريا.
محمد كريشان:
سيد إبراهام يعني.. بصراحة.. برأيك لماذا استطاع الملك محمد السادس أن يقوم بالخطوة التي لم يشأ أن يقوم بها الملك الراحل الحسن الثاني؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
كما أسلفت إبان مراسم دفن الملك الحسن الثاني فإنني لا أسمح لنفسي بالحكم على عهد الحسن الثاني، فالتاريخ وحده سيحكم على هذا العهد ويبينه، صحيح أنه في هذا العهد عشت أنا ومناضلون مغاربة كثيرون أوقاتا عصيبة، لكنني أعتقد أن التاريخ سيوضح مدى مسؤولية كل من الحسن الثاني والاستخبارات والشرطة والآمرين بالتعذيب ومن كانوا ردحا من الزمن أداة للنظام. شخصيا لم شعر أبدا بالرغبة في الانتقام من تلك الحقبة، لقد قمت بواجبي، وكنت أعي جيدا ما كان يمكن أن أتعرض له في نضالنا، ولست نادما على أي شيء، الحمد لله أننا الآن نعيش حقا فجر عهد جديد في المغرب بفضل ذلك النضال والبذور التي زرعها في البلاد، وبفضل جلالة الملك محمد السادس كذلك، وأشعر أنه رائع جدا أن أعيش بقية عمري في هذا الجو.
محمد كريشان:
سيد سرفاتي ذكرت بأن التاريخ هو الذي سيحكم في النهاية على المرحلة التاريخية في المغرب، ولكن رغم أنك أشرت بأنك ليست لديك نوازع للثأر، مع ذلك أشرت فيما يتعلق بوزير الداخلية السابق (إدريس البصري) إلى ضرورة المحاكمة، ضرورة محاكمته عن مسؤوليات له في السابق.. هل هناك بعض التناقض من اعتبار ضرورة المحاكمة وفي نفس الوقت القول بأنك لا ثأر بالنسبة إليك؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
فيما يتعلق بي فأنا لا أرغب في الانتقام رغم ما عانيته وما عاناه أهلي، فأختي ماتت بسبب التعذيب، وابني ضاعت حياته إلى الأبد، وفي المقابل أرى فيما يتعلق ببناء البلاد أنه يجب إحقاق الحق وتسليط الضوء على كل ما جرى في الستينيات، وليس هذا من أجل الضحايا أو عائلاتهم فحسب، وإنما أيضا من أجل إرساء دعائم البلاد على أسس سليمة، وأؤكد أن الأمر لا يتعلق بعملية انتقام.
وفيما يخصني أرى أن المسؤولين عن التعذيب وكان (إدريس البصري) زعيمهم الأكبر ومعه عدد قليل من كبار ضباط الشرطة ينبغي أن يخضعوا للمحاسبة لا المحاكمة.
أعتقد شخصيا أنه لا ينبغي أن يقدموا لمحكمة، وإنما للجنة حقيقة ومصالحة كما كان الشأن في جمهورية جنوب إفريقيا، حيث تكشف الحقائق أمام الضحايا وذويهم، ويحاسب مسؤولو الشرطة الأربعة أو الخمسة المعنيون، بغض النظر عما إذا كانوا سيسجنون بعد ذلك أم لا، ويمكن أن يحرموا من حقوقهم المدنية فلا يعقل أن يتمتع المسؤولون عن التعذيب والإهانة بالحقوق نفسها التي يتمتع بها بقية المواطنين، لا أعتقد أنه من الضروري أن يسجنوا، لكن يجب أن تعلن الحقيقة، أما المتعاونون من الدرجة الثانية فيجب أن يسهموا في إظهار الحقيقة، دون أن يتعرضوا لعقوبات.
ينبغي أن نحارب شهوة الانتقام، وأن نبني بلدنا معا، وألا يكون هناك شعور بأن فلانا مذنب، وأن فلانا آخر قد أخطأ أو ارتكب جريمة، ينبغي أن نتجاوز كل هذه العقبات ونبني البلاد، وأن ننصف الضحايا وعائلات الضحايا، وتدفع تعويضات للضحايا أو لذويهم، لكن بعيدا عن أسلوب الانتقام.
محمد كريشان:
يعني لجنة للحقيقة والمصالحة، هل يمكن أن ترى النور في المغرب؟ هل يمكن أن نرى ذلك؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
جلالة الملك محمد السادس أنشأ في آب/ أغسطس من العام الماضي لجنة تتمثل مهامها الأساسية في دفع تعويضات للضحايا أو عائلاتهم، إنه أمر مهم، لكن ينبغي أن نتجاوز هذا الحد إلى تشكيل لجنة تسند رئاستها إلى شخصيات رمزية رفيعة المستوى، تحق الحق وتسمو على الحقد والقصاص وما إلى ذلك، هناك اليوم مطالبة ملحة في هذا المجال من الضحايا أو أسرهم، يجب إذن العزوف عن فكرة القصاص، لكن مع تبيان الحقيقة الكاملة.
محمد كريشان:
يعني مثلا بالنسبة للتعويضات، ما الذي يمكن أن يعوض مثلا شخص مثل إبراهام سرفاتي؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
شخصيًّا -وقد قلت هذا من قبل- لا أريد أي تعويض باستثناء العودة إلى نشاطي السابق، وهذا حق ثابت وأساسي، لقد كنت مسؤولا سياسيا، وكنت أدرك تماما ما يمكن أن أتعرض له، ففيما يتعلق بنفيي عام 91 سأطالب ربما بدرهم رمزي تعويضا عما لحق بي من أضرار معنوية، لأن الإجراء لم يكن قانونيا، أما التعذيب فكان غير شرعي، لكن التعرض له جزء من مفهوم النضال، لذا فإنني لا أطالب بتعويضي عن ذلك، وأما المناضلون الآخرون فينبغي فعلا أن يحصلوا هم أو عائلاتهم على تعويضات.
محمد كريشان:
كيف تابعتم موضوع تكريم حكومة السيد (عبد الرحمن اليوسفي) لوزير الداخلية (إدريس البصري) إحدى الصحف اعتبرت ذلك نوع من المسبة (insult) هل لديكم نفس الرأي؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
لقد كنت أكن قدرا كبيرا من الاحترام لعبد الرحمن اليوسفي، فقد كانت حياته نضالية شبيهة إلى حد كبير بحياتي، كان يستحق الاحترام نظرا لوطنيته ونضاله، وكونه يساريا واشتراكيا، وللأسف أساء إلى نفسه بدعوته لإدريس البصري لذلك الحفل التكريمي إذا جاز أن تنطبق تلك التسمية على إدريس البصري، هذه هي الحقيقة للأسف، وسيتحمل مسؤولية نفيه لنفسه وإساءته إليها وهو في الخامسة والسبعين من العمر، لا أدري كيف سيقضي بقية عمره، أما عن انعكاسات ذلك على الحياة السياسية المغربية وعلى الحكومة وحزبه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإنه ليس لي أن أصدر حكما مسبقا عن ذلك، مع أنه قضى على حياته للأسف.
محمد كريشان:
هل هذا سيؤثر بشكل كبير في مستقبل التجربة، تجربة حكومة التناوب؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
في الواقع كانت حياتنا تعاني من عجز سياسي خطير جدا، وكان بإمكان المرء أن يتصور في عهد الملك الحسن الثاني أن العراقيل ناجمة عن النظام الحكومي التقليدي المخزن، الذي كان قويا في البلاد حينها، ومنذ تولى العرش محمد السادس لم تعد هناك تلك العراقيل لقد كان مأمولا أن تنهض الحكومة بمسؤولياتها بعد مغادرة إدريس البصري لها، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، بالنظر إلى مظاهر شلل الحياة السياسية المغربية حتى على مستوى قوى المعارضة السابقة، أي الكتلة الوطنية الديمقراطية التي تشكل أحزابها الجزء الأكبر من الحكومة، عواقب هذا الوضع ليست بالهينة، وإن كانت هناك لحسن الحظ حيوية المجتمع المدني حتى داخل الأحزاب المشاركة في الحكومات الحالية، وهناك أيضا إرادة جلالة الملك، وأعتقد أن الحكومة بصورتها الحالية، أو بعد إجراء تعديل محتمل عليها مطالبة بمواجهة كل هذه التحديات، إنها مرحلة صعبة، وليست هناك وصفة سحرية لتخطيها.
محمد كريشان:
إذا جمعتك الصدفة يوما ما مع إدريس البصري، وجلست معه وجها لوجه كما نجلس الآن نحن، ما الذي يمكن أن تقول له؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
لا أعتقد أنني سألتقي بإدريس البصري، وإذا جمعتني به في قاعة واحدة فإنني لن أبقى في هذه القاعة ثلاثين ثانية بكل تأكيد.
محمد كريشان:
هل تنظر ببعض الخوف للتجربة الواعدة مع الملك الشاب محمد السادس؟ يعني لديك آمال كبيرة على الملك الجديد؟ هل تخاف على أية مشاكل ربما تبرز في المستقبل؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
المشكلات التي تواجه المغرب وجلالة الملك محمد السادس صعبة للغاية، وأرى أنه ينبغي أن تتحد جهود المجتمع المدني مع إرادة جلالة الملك، وأن تتدارك الطبقة السياسية عدم الانسجام بينها وبين هذا الاتحاد، لقد لاحظت خلال زياراتي لبعض المناطق أن المجتمع المدني متقدم أكثر مما كنت أتصور، الأمر الذي يبعث على كثير من الآمال، ويجب أن نكون واعين بأن المعركة ضارية وعنيفة وأن نظل يقظين وألا نسترخي لحظة واحدة أمام قوى الماضي، وهذه القوى لا تقتصر على جهاز المخزن الذي زرع الرعب في قلوب المواطنين على مدى عدة عقود، هذه القوة موجودة كذلك في طبقة أرباب العمل أو على الأصح، في جزء من هذه الطبقة، التي ينتمي بعضها في الواقع للعصور الوسطى.
لقد ذهبت مرة لأهنئ عمال مناجم جبل عوام في وسط المغرب على نضالهم الاجتماعي البطولي في السنوات القليلة الماضية، لقد أفلحوا في فرض وجهة نظرهم بإعادة افتتاح المنجم، لكن بإشراف أرباب عمل يستعبدونهم، ففي العامين الأولين مات عشرة عمال، ستة في السنة الأولى، وأربعة في السنة الثانية، إنه أمر لا يعقل، ويعود بنا إلى العصور الوسطى، في الوقت الذي شرعنا فيه قوانين اجتماعية متقدمة في عهد (عبد الرحيم بو عبيد) غداة الاستقلال، لكنها لم تطبق، لقد قلت إنه على أرباب العمل هؤلاء أن يغيروا أسلوب معاملتهم، أو يزج بهم في السجون، ويوق الناس شرهم، لأنه مستحيل أن نتقدم بأرباب عمل من هذا النوع.
محمد كريشان:
يعني لديك تخوفات حقيقية على الديمقراطية والمجتمع المدني في المغرب؟ أيضا من أوساط الرأسمالية؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
لدي هذا التخوف من أرباب عمل العصور الوسطى، لأن منهم من لهم شركاء في أجهزة الشرطة، لقد حضرت ذات مرة محاكمة نقابي مغربي، هذا النقابي كان يعمل في مصنع في الرباط، مالك المصنع مفوض سابق في جهاز الشرطة، وقد قام بزج عاملين وعاملات لديه في السجن، وذلك لأنهم انخرطوا في العمل النقابي، هذا المفوض السابق أودعهم السجن مستفيدا من تواطؤ جانب إلى الشرطة، وآخر من جهاز العدل، وهذه أمور غير مقبولة على الإطلاق.
محمد كريشان:
يعني حضرت محاكمات، ذهبت إلى المناجم، يعني إبراهام سرفاتي ليس موجودا في المغرب ليعيش التقاعد يعني متابع بشكل جيد؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
أريد المشاركة في مزيد من هذه النضالات ما وسعني ذلك، رغم تدهور صحتي سأقوم بما يمكنني القيام به، لأنني لا أستطيع التغاضي عن الاستغلال الظالم والوحشي الذي كانت تعاني منه الطبقة العاملة في بلادنا، فالمغرب لن يتقدم ما لم تقم فيه العدالة الاجتماعية.
وأنا على يقين من أن إرادة جلالة الملك هي قيام هذه العدالة، وأن كثيرا من المثقفين والكوادر وبعضا من أرباب العمل المغاربة يؤمنون بهذه القيم، لكن يتعين أن يزاح أرباب العمل المنتمون للقرون الوسطى.
محمد كريشان:
سيد إبراهام.. هناك البعض عقد مقارنة Comparision بين عودة إبراهام سرفاتي من المنفى، وبقاء الشيخ عبد السلام ياسين في الإقامة الجبرية، هل هذه المقارنة تزعجك؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
أنا في المقام الأول مدافع عن حقوق الإنسان، ولا يستساغ من وجهة نظر حقوق الإنسان أن يظل الشيخ عبد السلام ياسين رهن الإقامة الجبرية في بيته، وأرى أن النضال السياسي والأيدلوجي ضد الأفكار الرجعية التي يمكن أن يتبناها بعض المفكرين الأصوليين والإسلاميين وارد ووجيه، لكني كنت شخصيا قد حاورت في سجن القنيطرة وفي ظروف قاسية نشطاء إسلاميين مسجونين، لقد كانوا شبانا، وما دفعهم إلى الانخراط في التيار الإسلامي هو غياب العدالة الاجتماعية، أما وقد أصبح بإمكاننا أن نقيم العدالة الاجتماعية في المغرب إذ أن لنا -لله الحمد- ملكا متمسكا بقيم الإسلام، ويعتبر عنوانا للعدالة الاجتماعية فإنه يصبح من السهل تجاوز أسس الأصولية، وأن يعود الناشطون الإسلاميون للإسهام في بناء البلاد إلى جانب بقية المواطنين.
محمد كريشان:
يعني هذا الحوار الذي كان لك مع بعض الإسلاميين في السجن، هل أنت الآن مستعد رغم كل ظروفك الحالية أن تواصله خارج السجن الآن مع قوى أخرى؟
إبراهام ألبير سرفاتي:
أنا مستعد للحوار السياسي، وأعتقد أن قوة الفكر أعلى من اختلاف الطبائع والعادات بين البشر، وأنه بإمكاننا دائما التوصل إلى حلول بناءة، إذا ساد الاحترام المتبادل وجمع بيننا حب الوطن، فيما يتعلق بالتيار الإسلامي فإن قضية المرأة تبقى بالنسبة إلي مصدر قلق، ولحسن حظنا يوجد في المغرب حاليا مشروع للأحوال الشخصية خاص بالمرأة، وهو المدونة التي ترمي إلى إشراك المرأة في مسيرة التنمية على قدم المساواة مع الرجل، وقد بين جلالة الملك في خطاب عشرين أغسطس/ آب من العام الماضي الطريق بصفته أميرا للمؤمنين وحاميا للدين في البلاد، ويمكن أن نمضي في نهج الحوار الديمقراطي في ظل الاحترام المتبادل، كي ندفع عجلة التقدم في بلادنا.
محمد كريشان:
سيد إبراهام السرفاتي.. شكرا جزيلا.
إبراهام ألبير السرفاتي:
شكرا لكم.. شكرا لكم
الحزيرة









.jpg)





















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق