من يتحمل مسؤولية انتكاسة الحراك التعليمي ؟!قاشا كبير
من يتحمل مسؤولية انتكاسة الحراك التعليمي ؟!
إن الدافع لهذه المساهمة في قراءة الحراك أضحت فرض عين على كل مناضل نقابي في هذه المرحلة، لأن هذه الانتكاسة التي لحقت الحراك لن تدفع الشغيلة التعليمية وحدها ثمنها، بل ستكون دروسا قاسية وتجربة مكلفة لنضالات أخرى لسنين عديدة، فما يحصل في التعليم ليس مقطوع الصلة عما يحصل في الصحة أو الجماعات المحلية أو الفلاحة أو في نضالات شعبية أخرى، الأمر الذي يستلزم منا الوقوف على ثغراتها ونقط ضعفها بغية تصويبها واستنهاضها والاستفادة كذلك من دروسها للمستقبل.
يمكن القول عموماً ان حراكنا التعليمي ظهر وكأنه لم يستفد شيئاً من كل نضالات الماضي، سواء من حيث فقدانه لقيادة موحدة بمطالب واضحة، أو عدم قدرته على تعيين خططه، وتحليل استراتيجية العدو الطبقي الذي استفاد من تأخرنا خطوات كبيرة أو حتى تدقيق اللحظة التي كان علينا فيها التراجع ككتلة صماء واحدة أو غيره، ولذلك فإن الحماسة المفتقدة للاتجاه والبوصلة شكلت في حراكنا التعليمي العظيم أهم عوامل قصوره و حلقة الضعف فيه، فالحماسة وحدها قد تتحول لتهور يدفع للأعمال الإنتحارية، هذا التهور ليس مزاجا فقط خاصا بطبقة اجتماعية، بقدر ما هو معطى موضوعي ناتج عن البناء الذي وضعه المقامرون بالشغيلة بوعي أو من دونه لأدوات نضالها، وذلك باشتراطهم التخلص من كل المناضلين الحاملين لمسؤوليات نقابية إقليمية أو جهوية أو وطنية من هياكل بعض التنسيقيات و اجهزتها الوطنية، بمسوغات لايمكن ان يقال عنها إلا أنها مسوغات بليدة وساذجة، أفقدت الحراك خبرة الأطر الأكثر تمرسا و وعيا، ومن بين الشعارات التي أدت لهذه الخطيئة نجد:الاستقلالية و"تطهير" التنسيقية، وهذه الأخيرة مستقاة من معجم الميز العنصري البائد، زيادة على ديمقراطية استبيانات و نضال "العينة/المؤسسة" دون حتى الأخد بعين الاعتبار عدد الأساتذة في كل مؤسسة، وهذا كله بلا جموع عامة حقيقية ولا نقاش ولا حوار ولا إقناع ولا اقتناع، بل بملء خانة التصعيد والضغط على زر التمديد لأي سبب، ولو كان من أجل عيادة قريب أو الحضور لمناسبة عائلية تستدعي الغياب، زيادة على تجييش الفايسبوك بحسابات وهمية، وأحيانا بحسابات فايسبوكية للتلاميذ الذين انخرط البعض منهم افتراضيا في تقرير المعارك ومددها.
ومن المضحكات المبكيات في الحراك شعارات لايعرف أي أحد كيف تسللت لتجد لها مشايعين من فئة بعينها، وعلى رأسها شعار (تحصين الإطار ولا لتهجين السلك) وغيره من العبارات الجوفاء التي صعبت تقارب فئات الشغيلة، شعارات لايمكنها إلا التشتيت و خلق النفور من صائغيها والمدافعين عنها، شعارات عدائية لا تستطيع إقناع عاقل فبالأحرى أن تحشد للمعركة وأن تبني شروط الانتصار ، إنها شعارات الدرك الأدنى من القعر الذي وصله القطاع الذي يفصل بعض بؤسائه نضاله عن نضالات باقي شركائه في البؤس، أو ينظر بعين حقودة و بروح الضغينة لحل مشاكل بعض الفئات، وهذه الروح المسمومة هي التي جعلت بعض الفئات التي تعد نفسها (عليا ونبيلة) متشبثة بضرورة اقصاء تلك الفئات (الدنيا )، بالإضافة إلى رفض البعض الاختلاط مع الآخر كما حدث في معركة البرلمان والوزارة حين كان أنصار تنسيقية معينة يمنعون مناضلي النقابة من الإلتحاق بهم بمبرر:( نحن من دعا للاحتجاج هنا لا أنتم)، وهذا ما زكى و شجع الفئوية المقيتة التي تناهض أهم مبدأ نقابي وهو التضامن الذي كان كفيلا بجعل الحراك ذي مضمون أعمق من مجرد شعارات سرعان ما انكشفت حقيقتها للرأي العام الذي قرر التراجع عن دعمه لنا، وهي نفس الشعارات التي لازال البعض يلوكها لحد الساعة متكورا حول مطالبه الضيقة الصغيرة.
عموما فالاستقلالية المفترى عليها بالنسبة لبعض التنسيقيات كانت مبررا للتخلص من خيرة المناضلين و الخبرات المناضلة التي بمقدرتها وحدها دون غيرها قيادة متبصرة للحراك، بالنظر لتجربتها وما راكمته من فن وعلم، وهي أشياء لا تستطيع أن تتوفر كمعجزة لدى من لم يسبق له يوما أن باشر أو انخرط في أي معركة ولو مع ساكنة حيه من أجل تحويل مكان وضع حاوية أزبال، ولم يفاوض يوما ما ٱخر موظف في السلم الهرمي لرجال السلطة في ملف مطلبي، بل إنه عداء مجاني غير مبرر وغير مفيد ولم يستفد منه في النهاية سوى المخزن، لذلك بالإمكان القول بأن عناصره المتدنية الأخلاق النضالية والتي تتغذى بهذه الثقافة المنحطة هي التي دفعت في هذا الاتجاه سواء في الميادين أو حتى على طاولة التفاوض مع الوفد الحكومي حيث انبرى البعض للهجوم على الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي داخل قاعة الاجتماعات منتشيا بدوخة أمواج الحراك التي رفعته لقاعة الحوار قبل أن يطرد لاحقا ليذرف الدموع أمام باب الوزير محملا النقابة مسؤولية جهله، خصوصا وأننا عاينا جميعاً كيف كانت قواعد كل تلك التنظيمات تستشعر حاجة ماسة للنقابة وتدفع هؤلاء لطرق أبوابها مساء كل يوم تتعرض في صباحه لتعسف من الوزارة أو غيره.
لقد دفعت هذه الاختيارات التي لايمكن ان نصدق بأنها اختيارات الشغيلة التعليمية الواعية لانتمائها الطبقي ودورها المجتمعي لانتكاسة الحراك، وقد ظهرت هذه الاختلالات في منعرجاته التي كانت تستوجب تغييرا في تكتيكاته، وعدم مواصلته بنفس الصيغ والتحليلات المبتسرة لواقع غني ومعقد، ناهيك عن عدم القدرة على القيام بجرد دقيق لميزان القوى لتجنب ما حصل و ادخار القوة التي بدأت بالنفاذ من أجل جولة نضالية اخرى، زيادة على الاستخفاف بجهاز شرس كان يتربص الوقت المناسب لتحطيم المعنويات وتقديم الدروس لتململات نضالية في قطاعات أخرى.
لقد كان مطلوبا منا التخلص من العفوية والعشوائية والتخلي في مراحل من حراكنا على حاملي هذا النفس، والذين تهمهم ذواتهم الصغيرة أكثر مما كان يهمهم مستقبل نضالنا ومستقبل نضال شعبنا في مواجهته للعدوان المخزني المرعب على كل خدماته ومرافقه، إن هذا الانتقال من العفوية إلى العمل المنظم المتراكم لم يتحقق لعجزنا عن بناء وعي بالمشكلات المطروحة وتحديدا بينا للأولويات ورؤية واضحة لصيرورة الواقع وفهما للخطوات، وبذلك ظل نضالنا ممارسة تقنية ذيلية تابعة نكست راية النضال وبددت و سرحت جيوشنا في الوقت الذي كان فيه مطلوبا منا إعادة تنظيمها.
إن هذه الحماسة المتهورة والمغامرة بدون أدنى وعي أو حس بالمسؤولية بنضال الشغيلة التعليمية، قدمت خدمة مجانية للمخزن ، جعلته يصفع هذه الحماقة لتستفيق من أحلام يقظتها، مكلفا إيانا جميعا 545موقوفا و موقوفة، بحيث كان بالإمكان أن يتحول هذا العدد المهم من الموقوفين لقوة دفع جديدة للحراك، و انطلاقة أقوى، ولكنه تحول بقدرة ((وسطاء متعاونين)) لحجرة عثرة وانتكاسة، خلقت إحباطا و ارتباكا في الصفوف، في الوقت الذي كان عدد الموقوفين في الدفعة الأولى والذي لا يتجاوز بضعة عشرات كفيلا برفع إيقاع الاحتجاجات و خلق مفاجٱت، ولأن دماغ الأشكال التنظيمية لتأطير الحراك كان مشلولا، فقد أنجب الشلل والجبن والتخاذل في الرد، فتمكنت بذلك وزارة التربية الوطنية من إضافة لوائح جديدة للموقوفين، و إجبار الجميع على بلع لسانه، في الفضاءات المفتوحة وحتى المغلقة بدرجات ، بل حتى من الموقوفين أنفسهم من لم يعد يستطيع التضامن مع نفسه ولا تجسيد خطوات تضامن مع ملفه.
إن الصيغ النضالية التي ارتضاها البعض لمعالجة هذا الملف، تكشف بأن الانتصار لايمكن ان يتحقق بالمواقف الإندفاعية التي لا تتنبأ ولا تستشرف ولا تملك تصورا ولا رؤية ولا راية بقدر ما تتقاذفها الأحداث في منعطفات اتخاذ القرارات الحاسمة، بل لا يمكنه أن يكون كذلك إلا بنقابات قوية وتعزيز الاتجاهات المناضلة داخلها، وقوتها تبدأ بضرورة تحمل الشغيلة التعليمية لمسؤوليتها في الانخراط فيها، وعدم اعتبارها مؤسسة لمنح بوليصة تأمين، ولا مكتب محامي نلجأ إليه بعد ارتكاب المخالفة أو لاتقاء شطط ....
قاشا كبير
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق