عن الرفيق الفقيد رؤوف فلاح مرة أخرى ..الرفيق محمد بولعيش
عن الرفيق الفقيد رؤوف فلاح مرة أخرى ..الرفيق محمد بولعيش
كان الرفيق الراحل رؤوف فلاح من حين لآخر يصر عل تصنيفي بلغته الفرنسية البليغة (ألم يكن أستاذا للغة موليير ؟) قائلا : "tu es mon alter ego" ، كنا حقا نكاد لا نفترق منذ التقينا في صفوف الجامعة الوطنية للتعليم/ا.م.ش ، بدءا بالنقابة الوطنية للتعليم الثانوي يوم كانت الجامعة تضم خمس نقابات وطنية .
بعد مرحلة القطاع الطلابي والمؤتمر الوطني الخامس عشر لأوطم والفترة التي قضاها بالقنيطرة وما تلاها من محن ، التقينا نقابيا بالدار البيضاء في منتصف السبعينات . كان قد سبقني في المسؤولية الوطنية داخل النقابة بحكم علاقته السابقة في الرباط بحسن بنعدي الذي التجأ مبكرا إلى "حماية" المركزية النقابية ، تدرجنا في المسؤولية في النقابة الفئوية والجامعية زمن كان حسن بنعدي كاتبا عاما لها أو بعد طرده زمن أصبح امحمد غيور لها أمينا عاما ، حيث انتهى بنا المطاف في المكتب التنفيذي ثم الأمانة الوطنية للجامعة (كنت نائبا للأمين العام) . لم نكن نعرف للراحة طعما ما بين التواجد المنتظم في مقر الجامعة والاتحاد وبين المهام التنظيمية التي كنا ننجزها بنجاح نظرا لثقة المناضلين بنا وانفضاح زيف البدائل النقابية ، وشهدت الجامعة عودة كثيفة للمناضلين إليها من الجهات الأربع ، ففي ظرف أقل من سنتين تمكنا من تنظيم 43 فرعا جديدا بعد أن كانت الجامعة تلامس القعر التنظيمي ..
كانت لنا لقاءات ثنائية أو مع رفاق آخرين تحتضنها فضاءات مرس السلطان ، نناقش ونبحث ونتداول ونخطط ، نتفق مرارا ونختلف أحيانا ، لكن العلاقة لم تنقطع إطلاقا .
ذات مرة أقترح علينا المحجوب أن نتفرع للإشراف على مجلة كان ينوي إصدارها "شؤون عمالية" أو "ثقافةعمالية" ونترك الجامعة لغيرنا يدبرون أمرها ، أجبنا بأننا نستطيع الجمع بين العمل في الجامعة والمجلة ، فغضب منا وانسحب .
بدأت المناوشات والعراقيل تقام في وجهنا ، كان الراحل غير متسرع في ردود فعله وكان يطالبني بالتفكير قبل الفعل ، بل بالابتعاد التكتيكي واتخاذ مسافة للتفكير في القادم ، بينما طبعي لم يكن يميل للمهادنة والابتعاد ، وبدأ الخناق يضيق . في سنة 1996 بعد عودتي من تونس لحضور أشغال مجلس اتحاد المعلمين العرب وقد تمكنت من إرجاع الجامعة إلى حضن الفدرالية الدولية للنقابات التعليمة (كان يرأسها شيوعي فرنسي كان حاضرا في المجلس بتونس) التي طردت منها الجامعة منذ 1976 وعوضتها النقابة الوطنيةللتعليم/كدش ، وحملت معي دعوتين ، إحداهما باسمي ، لحضور مؤتمرها ببراغ . ظاهريا ثمن المحجوب هذه الخطوة وقرر أن يرسلنا أنا والفقيد عبد اللطيف منصور لتمثيل الجامعة . ذهبنا إلى تشيكوسلوفا قبل انقسامها ، وعدنا وقد نجحنا في المهمة .
لكن عند العودة - وقد هيأت تقريرا حول الموضوع - اتفقت مع منصور وهاتفت فلاح لنلتقي ونسلم التقرير جماعيا لأمانة الجامعة ، كانت المفاجأة صادمة حين وجدنا أقفال الجامعة قد غيرت ، اتصلنا بالمحجوب وقال لنا بأنه لا يتدخل في شؤون الجامعات !! بعد ذلك جاءت محاولة اغتيال عبد اللطيف منصور الذي كان ينشر مقالات بجريدة البيان بالفرنسية حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مما أثار غضب قيادة المنظمة التي تعتبر الموضوع من الطابوهات ، وكان ذلك بمثابة انذار لنا ، وابتعد الرفيق الراحل رؤوف ، ودأبت على الحضور للمقر بعد فتحه (ظل مغلقا لما يفوق شهرا ونصفا) ، إلى أن نصحني أحد الأصدقاء بالتسريع بالاستقالة قبل أن يتم طردي في اجتماع المجلس الوطني المقبل كما فعلوا مع حسن بنعدي وحسن البزوي وآخرين .
بعد تأكدي من الأمر قدمت الاستقالة حفاظا على سلامتي الجسدية ، وانخرطت في تأسيس النقابة المستقلة للمهن التعليمية مع عدد من الرفاق منهم محمد شرادو والحميد زفزاف ومحمد سلمام وآخرون ، لم يكن فلاح متفقا على هذه الخطوة لأنها مناقضة لقناعتنا بوحدة الطبقة العاملة والصراع من أجل الوحدة ، وحين سألته هل يمكننا أن نغير شيئا بعد الذي وقع وما قد يقع سكت ولم يجب إلا بابتسامته العريضة المألوفة .
ظللنا نلتقي من حين لآخر في فضاء مرس السلطان كعادتنا ، يسألني عن تطورات النقابة المستقلة وعن الحركة من أجل الديمقراطية ثم لاحقا عن اليسار الموحد ومقاطعتنا لمؤتمره التأسيسي وعن الإشتراكي الموحد بعد التحاقنا به ، كان يريد أن يعرف ما يجري ولم أكن أبخل عليه بشيء . وآخر لقائي به كان في افتتاح المؤتمر الوطني للنهج الديمقراطي ، وكان قد دخل في صيرورة مرضية مأساوية اضطر معها للزوم البيت إلا للضرورة إلى أن وافته المنية ودفن بمقبرة الغفران . لقد افتقدتك كثيرا رفيقي ، اشتقت لمعاكساتك الجميلة واستفزازاتك المقصودة وابتساماتك المحرضة ونقاشاتك بلغة فرنسية كنت أجد متعة في تلقيها والإنصات إليها . على روحك الطاهرة السلام والسكينة رفيقي الرائع .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق