عبد اللطيف زريكم الغائب الحاضر*الرفيق محمد فكري
عبد اللطيف زريكم الغائب الحاضر*الرفيق محمد فكري
من البادبة جاء إلى هذا العالم وفي ثراها كان مستقره الأبدي
من الصعب الحديث عن رفيق قضيت معه ردحا من حياتك بين جدران صماء، وأبواب حديدية صدئة، وشاهدة على مرور أجيال من خيرة أبناء المغرب من هناك، عقب حقب تاريخية مختلفة من نضال شعبنا من أجل الحرية وحياة كريمة في وطن حر ومزدهر.
جمعتني بالرفيق الراحل عبد اللطيف زريكم، وآخرين غيره، وشائج حب الكادحين والوفاء لمن يحمل الفأس والمعول يقلب بها أرضه ويستنبتها نباتا حسنا ليخرج من بطنها قوته وقوت أبنائه، كما جمعنا حب الوطن والنضال من أجل رفعته، أعطينا كل شيء لوطننا ولم ننتظر منه أن يعطينا شيئا، عانينا من السجون وبرودة الزنازن ومن رطوبة مخافر الشرطة، العلنية منها والسرية، فلم ينل ذلك من عزيمتنا ولا فت من عضدنا أو يجعلنا نحيد عن الطريق الذي اخترنا السير فيه بمحض إرادتنا وبوعي منا وعن معرفة مسبقة بوعورة منعرجاته ومشاق مسالكه، لم نساوم أو نتنازل عن قيمنا ومبادئنا، من أجل منفعة مؤقتة أو حتى مكسب دائم. أحسسنا ب"الحكرة" في فترة من فترات حياتنا، ولكننا قاومنا وصمدنا واستطعنا العبور بأسرتنا لبر الأمان.
حياتي تتشابه في الكثير من مراحلها مع حياة رفيقي عبد اللطيف، تختلف في بعض تفاصيلها، ولكنها تتشابه في المسيرة والهدف، اختطفنا في اليوم نفسه تقريبا، وإن كان سبقني ببعض السويعات، بقينا في درب مولاي الشرف، السيء الصيت، المدة نفسها، حكمنا بنفس سنوات السجن، قضينا جلها بالسجن المكزي بالقنيطرة وغدرناه في نفس اليوم والشهر والسنة، واجهنا حياة السجن الكبير كل بطرقته.
الرفيق المرحوم عبد اللطيف زريكم بدأ حياته النضالية مبكرا، منذ كان تلميذا بثانوية أبي العباس السبتي، المشتل الذي أعطى الكثير من المناضلين الذين كلنوا في مقدمة النضال من أجل غد أفضل وأصبح من بينهم قادة يساريون تركوا بصماتهم في الساحة النضالية، سواء محليا أو وطنيا.
كان لرفيقنا المرحوم من مناضلي النقابة الوطنية للتلاميذ داخل ثانوية أبي العباس السبتي ومن قادتها محليا. في ن.و.ت تفتح وعيه على الفكر التقدمي اليساري الاشتراكي، وتشبع بقيم ومبادئ النضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فكان من أحد مؤسسي اليسار الجديد في البلاد، مجادلا ومفتحا، وليس متزمتا، بل مؤمنا بالحق في الاختلاف ومن حق أي زهرة أن تتفتح، وكان يسعى دائما من أجل الوصول لقواسم مشتركة وحدا أدنى من أجل الاتفاق وجمع الشمل بذل التشرذم والشتات.
رفقينا المرحوم ربط دائما بين النفكر والممارسة، بين القول والفعل، وهذا ما جعله ينال ثقة ساكنة الجماعة التي مثلها في مجلسها وقد كان دائم الحضور في اجتماعاتها يجادل ويناقش ويقترح، مدافعا باستماتته عن مصالح الساكنة، وكان حضوره فاعلا ومؤثرا، وهذا ما جعل علاقته متسنة ومستمرة بالسكان، نال ثقتهم وعطفهم ومعهم حقق مكاسب لهم ليست بسيطة.
رفيقنا العزي كان إنسانا طيبا وكريما لا يمكن أن تلجأ إليه ويردك خائبا، فكثيرة هي المرات التي قال لي فيها اعتبر "جيبي هو جيبك" خين كنت التجئ إليع وقت الشدة.
سامحني رفيقي العزيز، تخونني الكلمات وتخنقني العبرات ولا أستطيع الاسترسال في الكلام. خطفك مني الموت قبل أن نلتقي في مسكنك بتملالت، فطالما ألححت علي أن آتي لزيارتك وأطلعك على مشروعك الذي بدأته من الصفر واستطعت إنجاحه بالرغم من كل المثبطات والعراقيل التي واجهتها وتغلبت عليها بعزيمتك الصلبة وقوة إرادتك وتصميمك على النجاح.
نم قرير العين، رفيقي العزيز، يكفيك فخرا أن بناتك شققن طريقهن ونجحن في حياتهن، وأنهن سيحمين والدتهن، تلك المناضلة التي رافقتك وشقت معك الطريق الصعب بصبر وثبات. فتحية لهذه السيدة الصابرة المحتسبة وصبرا جميلا لها ولبناتك العزيزات ولنا جميعا نحن رفاقك.
رفيقك محمد فكري الذي لن ينساك أبدا ولنا لقاء هناك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق