عن الرفيق الراحل غاموس كمال...سعيد رحيم/زهير فخري.
ذكرتني تدوينة زهير فخري Zohair Fakhri عن الرفيق الراحل غاموس كمال ابن درب لعفو بالدار البيضاء، بلحظات لا تنسى أبدا. كمال طالب خريج كلية العلوم بالرباط، عليل البنية الصحية والذي راح ضحية ما قاساه من برودة وآلام سجن لعلو عام 1984 ومن إهمال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان على عهد المرحوم أحمد حرزني.
نحن في ثمانينيات الالماضي.
رفيقان مرحان خفيفا الروح والظل.. وخفيفان على القلب اختُطفت روحهما هكذا تحت جبروت جلاد لا يرحم لا يعي ما يفعل ببطشه الجنوني الدموي سوى خنق العصافير وكي كبد الأمهات...
هل تتذكر يا كمال! التحقت بك بدوري بعد أسابيع على مغادرتي قلعة سجن لعلو.. كنا نتردد على بمقهى يحمل اسم أحد جبال الأطلس المتوسط بدرب الكبير على رصيف شارع مديونة المقابل لقيسارية الحفاري في بداية أشهر الخريف من عام 1988، فإذا بالشهيد عبد الحق يبعث من ظله بقامته الطويلة أمامنا بضحكته العريضة المعتادة ودراعيه المنفتحين لكي يجمعنا في عناق واحد وهو يهتف "توحشتكما يا ريفيقاي توحشتكما كثيرا".
تعانقنا.. كان بيننا وبينه أزيد من أربع سنوات لم نلتق. وكان هو مبحوثا عنه لا يستقر في مكان.. يتابع أخبارنا ونحن نتابع أخباره بين القضبان وعبر الرسائل المتطايرة كظله.. وأنا أعي منذ فقدت عبد الحق شباضة تعرى جانب من كتفاي إلى أن تغطى من تلقاء ذاته بعد حين لكن بقي الفارغ في مكانه شاغرا كما حال باقي الشهداء والذين غادرونا على غفلة من الزمان ..
حمل عبد الحق السر معه.. كان حذرا جدا.. ومع ذلك غامر في ذلك اليوم لكي يأتي يجالسنا.. وحده كان يعلم هزة الشوق.. كان العناق والكلام والفرحة تأخذنا في لحظات متسارعة قصيرة طويلة خالدة في نشوة لم يعلم سرها إلا نحن الثلاثة وسط زحام المارة والجالسين على كراسي رصيف المقهى.
وللوعة اشياقنا بأستمرار بقائه بيننا. وبحكم ما دمغه سياط الجلاد على ظهورنا نصحناه بالتواري مجددا، لكي يستمر في ظله بعيدا عن أعين قراصنة أحلام الحرية.
لقد كانوا متربصين به تلك الأيام في كل الأمكنة المحتملة، أو كما نقول يبحثون عنه "بالريق الناشف"، يقلبون التراب والأعشاب والأحجار وبين رذاذ الماء المالح بحثا عنه. كان عبد الحق مستوعبا لتلك اللحظة فطار واختفى من أمامنا تاركا في قلوبينا خطفة ورعشة من الحب الرفاقي المبلل بسنوات الرصاص والإضطهاد والعنف المفرط الذي لا ينفع معه سوى التحمل إلى أقصى ما كان يمكن أن يكون..
وبعد أيام لم يتركوه.. جاء الخبر الصاعقة في ذات صيف قارط.. كنا نعلم شدة اللحظة.. ثم أيام فيما بعد وسط عرق زنازن لعلو سيفرضون عليه شروطا لا يقبلها عقل فانتفض ضد واقع الظلم والقهر لكي يتزعوا منه ما يشاؤون إلا كرامته وعنفوانه وكبريائه الإنساني الأبدي المتعالي في تلك القلعة التي تختزن أسرار الطغاة الذين بنوها وشهامة معتقلي الحرية الذين حطموا أسوارها وهي شاهدة عليهم بشجاعتهم أحياء أو شهداء.
ظل عبد الحق شباضة وكمال غاموس وشمان في ذاكرة زمن ما انقضى ولا توارى ولا هما أنحنيا أمام بطشه وجبروته ولا أمام وشاته القادمين من خلف الصفوف المتهالكة ولا حتى من مقدمتها المنكسرة.. هما شارتا نصر على قوة الضعف الاجتماعي الغادر وانتصاران في معارك غير متكافئة على ظلام كثيف مازالت عثمته تصر على خنق الحرية.. لكنهما منارة لكل من أضاع الطريق.
سعيد رحيم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق