جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

بصدد العلمانية: الناظم والمحدد، المعالجة والمواقف 1-2 عبد السلام شاوش

 بصدد العلمانية: الناظم والمحدد، المعالجة والمواقف



أولا: طرح الإشكالية:
1) لازالت العلماينة تطرح في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي كإشكالية كبرى بين معاديها ومؤيديها في مستويات اعتدالية متوازنة ومتشددة صارمة متوازية.
وهي تنزل اليوم بقوة أكثر في ظرفية الدينامية السياسية والحزبية التي تشهدها مناطق الامتداد الجغرافي حيث تتعايش شعوب عربية ومستعربة تغطيه (الامتداد) لواءات انتشار إسلامي (66 دولة) ذات صبغة إسلامية تتخللها بقع تواجد أقليات مسيحية ويهودية وغيرها ممن لا يعتنق الديانات السماوية بالمنطوق السائد لها وعليها.
2) وبالتأكيد، إن طرفي المنازعة من مؤيد ومعارض للعلمانية يلقى دعما وسندا: غربيا أو شرقيا من خارج المنطقتين العربية والإسلامية، بخلفية حقوقية، حرياتية، أو لاسترجاع التأثير الذي حرمت منه كيانات داخل دول طبقت منذ زمن منظومتها الدستورية والسياسية بناظم العلمانية.
ثانيا: العلمانية في حد ذاتها:
1) العلمانية كمفهوم في حد ذاته مشتقة من العلم بشقيه:
* العلم كما هو معلوم من العلوم الحقة كالرياضيات وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية.
* ثم العلم بالشيء أو الحدث الذي يعني التوفر على المعلومة اليقينية أو القريبة من يقينيتها بتطبيق معيارية النسبية العلمية.
فالعلم وعاء العلمانية ومصدرها عقل الإنسان خاصة الواعي والمدرك للحد الأدنى من المعارف، بما في ذلك النقل بمستوييه الاثنين:
* نقل منقول عن سلف، وهو قد يؤخذ كما هو في المبنى والمعنى أو تتم قراءته وتحليله أو تحيينه في الزمان والمكان أو إخضاعه (المنقول) لنقده بالتقليد أو الارتقاء والتجاوز.
* والنقل غير الإنساني أي المنزل من السماء وهو نفسه يخاطب العقل للتعامل مع نصوص النقل والمنقول بالاستيعاب والتفعيل.
2) إن العلمانية ليست نزعة مذهبية أو إيديولوجية، وهي إن اقترنت بالتحليل العلمي فهي لا ترقى إلى منهج إن لم تقرن بقوانين تربطها بالمجتمع والمنظومة السياسية في السياق التاريخي والتطور المادي الملموس، رغم أنها تقوم على تجريب الفرضية وممارستها ليصبح موضوع الفرضية مسلمة مسندة قانونا مطمئن إليها في المعالجة والاعتماد.
ثالثا: العلمانية لذاتها
1) هي مستوى أرقى مما تستبعده بعض المؤثرات السلبية ضدها وعلى مجالاتها المتعددة وأحيانا المركبة.
ومجال العلمانية هنا هو كل ما له علاقة بما يوصف بكونه:
أ- التلمس والملموس حاضرا ومستقبلا ولو قبل المشاهدة والمعاينة كمن لم يزر سابقا سمرقند ذات الحضارة أو لم يزر بعد ستالينغراد ضحية الغزو النازي أواخر 1941 أو لم يزر السويد كنموذج لاحترام حقوق الاختلاف وضمان حياة الإنسان الكريمة في أرقى نسبية الكرامة.
ب?- الاستيعاب والفهم، ثم التحليل والتفسير والتأويل، ثم الفعل بالارتقاء والتجاوز.
2) من المعلوم أن للعلمانية كناظم دولتي ومجتمعي مناقضات متعددة تناقض العقل وقوة استيعابه كما تناقض خلاصات العلم ومقوماته.
أ- إن متناقضات من هذا الحجم لا تبرز إلا عند ضعف العمليات الذهنية التي يحتضنها ويؤطرها عقل الإنسان.
ب- أو عندما تنكسر أو تتراجع الإمكانات المتاحة للعلم بما في ذلك قوة البشر العلمية على مستوى الذات الفاعلة في إنتاج العلم.
ت- كما أن العجز أمام الزحف للاكتشاف وانتشار الحضارة يكون نقيضا للعلمانية وحكم العقل.
فاللا علم هو كل فعل أو اعتقاد لا يعكس الضوابط العلمية المنتجة.
واللاعقل هو كل ما لا يساير منطق المتفكر فيه بالعقل، ابتداءا من المخيال الذهني إلى المحسوس العلمي.
أمام هذه الانهزامية البشرية في القرار والصنع والاكتشاف والمواجهة يلجأ البشر إلى الاستكانة والاستسلام أمام الخصم المجسد أو المتخيل لديه (المستسلم)، يلجأ إلى بدائل يطمح في أن تنوب عنه لإخراجه من مأزومه ومأزقه.
غير أن قليلا من المستسلمين للفشل المحدد قبله يفرض عليه اللجوء لتلك البدائل من خارج إرادته الضعيفة أصلا لضعف ذهنيته وبالتالي عقله وابتعاده عن العلم والممكن.
قد يقال إن كثيرا من عقلاء الزمن وحكام الدول وٌأقطاب السياسة والاقتصاد كذلك يلجؤون إلى مطبات السحر والسحرة وليس فقط من ذكر قبله من البؤساء عقليا وعلميا، صحيح ذلك، لأن المستقوين سياسيا واقتصاديا إنما يريدون الاستراحة النفسية لهم باللجوء إلى الكهنة والسحرة لكن بتمويلهم لهم إنما يكرسون ضمان استمرار هذا الوهم لدى المستضعفين للحؤول ضد توعيتهم السياسية والنظرية والوعي بالمصالح الطبقية لديهم ضد خصومهم في المصالح والمطامح.
رابعا: صمود العلمانية وارتقاؤها:
إن تاريخ الاثنولوجيا والتيولوجيا لمشترك من خلال ضرب الأقداح لإنقاذ روح على حساب روح بشر آخر، كان تمهيدا لحماية نبي أو رسول أو سلفه، كما رواه ساردي أخبار الناس ويفهم من مخلفات نوفل وابن الهيبان الشامي.
وفي المقابل حكم الإسلام على الفكر السحري وممارسته بالإعدام المؤجل تنفيذه بخلاف الكفر والشرك ضد التوحيد.
وإنه بذلك تم الإبقاء على الجهل والجهالة فقط ليبقى حكم النقل ساري المفعول بشكل مطلق مادام هناك وحي يتنزل باستمرار خاصة وأن مدارس تلقي العلم وشحن العقول لم تكن إلا لنشر النقل المنزل ثم النقل المنقول مع شحنه من طرف ناقلي النقل ذاتهم.
إن هذا الوضع الشاذ تجاه عقل صنع الفصاحة والشعر وأدبيات وصف وقائع الحياة والصراعات الدينية والمصلحية ومواجهة الطبيعة إنما كان المراد تقزيمه ليتلقى ما يوحى إليه تراتبيا، فهيمن النقل على العقل إسلاميا وذلك لكسب معارك حربية ضد الأليوسيين والمجوس بمفاهيم ذلك الزمان.
وعليه فإن الأخطر من السحر والتلاعب بالأديان هو الجهل والتجهيل الممنهج الممارس من طرف ذي المصالح ضد المستضعفين في حقوقهم وحرياتهم الفردية وخاصة الجماعية.
رغم استمرار نهج الخرافات والأسحار بشكل موازي غير متنافي مع استغلال الأقوياء للأديان السماوية، فإن تطور العلم ومرجعه العقل البشري وحتى الخليقي قد تجاوز بالحتمية الناجعة ما يعارضهما، ومن يحاربهما.
فاستنادا إليهما (العلم والعقل) يعرف حاضرنا أوج ما بلغاه وهو قابل للتطوير إنه السيبيرنيقية وتحليل الأنظمة »Théorie cybernétique et analyse des systèmes «.
وهي منهج تتداخل موضوعه مع منهجيته وبذلك تجاوز المنهج التحليلي البنيوي الوظيفي الذي كان تطويرا للتحليل البنيوي فقط لمحاربة المنهج المادي التاريخي الجدلي أو ما يعرف بعلمية المنهج الماركسي أو الاشتراكية العلمية كمنهج للتحليل بهدفه المميز.
أمام كل هذا وذاك فالعلمانية تبقى ناظما محددا لأنجع الحلول خاصة وهي غير مغلقة، فهي منظومة مفتوحة ومتفتحة للتعامل مع مختلف المرجعيات المحتضنة للعلم والعقل أو القابلة للتعامل معهما.
والعلمانية ناظم لتفسير الحاضر والمستقبل الملموسين ولتغييرهما للتطور الكمي والنوعي الشامل، بخلاف المرجعية الدينية التي تعتمد الترشيد في الحاضر في أفق عالم الغيب الموعود به.
خامسا: العلمانية والدين:
1) عبر تاريخ البشرية وقع تداخل بين مقومات الأديان وأسس العلم والعقل.
* لقد تم توظيف العقل استنادا إلى وقائع الحياة والحركية البشرية لرفض هذا الدين أو ذاك.
* كما تم توظيف العقل والمعرفة دائما لاختيار الأنسب والأنجع لتحقيق مصالح شخصية أو جماعية.
* غير أن فشل أصحاب هذا الاتجاه الأخير في تحقيق الأهداف ولعدم قدرتهم على مسايرة قوة الاكتشافات،
ثم نتيجة للانكسارات التي يصابون بها في إثبات الذات الشخصية أو الجماعية الخاصة بهم، فإنهم غالبا ما يلجؤون إلى لبوسات دينية في استغلال لقدسية الدين ولسرعة اٌلاقتناع به وبارتباطهم بذلك الدين باعتباره القادر على الإرشاد إلى إنجاز ما فشلوا فيه هم كبشر.
هذا التمحور حول الذات وجعل الدين واجهة أمامية لجرافة تدوس أية فكرة أو رأي لدى حتى من يتقاسم معهم الشرائع والعبادات، هو الذي يدفع إلى ردود فعل متعددة من داخل الدين ومن خارجه وعلى هوامش تأويلات الدافعين بالدين.، فيصبح كل من ليس من زمرة راكبي جرافة الدين هو ضد الدين وتحكم عليه تلك الزمرة بالملحد أو الكفر أو الردة.
فالإلحاد قد يكون سلوكا أو موقفا غير مفكر فيه ولا به، فهو ليس إيديولوجية أو ناظم سياسي أو أخلاقي، كما أن الدين هو وضع فردي لا جماعي، (من يأتي بدين غير الإسلام فلن يقبل منه) بصيغة المفرد.
فرعون الذي كان يملك قوة حضارية منظمة كان له منطقيا أن يرفض اعتناق ديانة موسى العبراني كأمثال سابقة عليهما وكذلك فعلت كنيسة الإغريق وروما الحضارتين مع يسوع المسيح ولو كان الرفض آنذاك بإيعاز من أحبار اليهود قارون زمانهم ماليا وثراء.
فالضعيف والمستضعف فاقد القوة المادية والمعرفية هما اللذان غالبا ما يبحثان عن قوة خارقة للتعويض كما يلجآن إلى الروحانيات للاستقواء والاستفراد بها لذلك لما ضعفت الكنيسة اعتنق الملوك والقساوسة الديانة المسيحية، ولما استقوت الكنيسة بالدين بجعله مصدر الثراء أصبح هذا التكتل معرقلا للتطور المادي الحضاري والديمقراطي اجتماعيا وسياسيا فكان من الضروري إبعاد أقطاب التكتل الكنسي عن مجالات الحياة الخاصة للأفراد والشؤون العامة للجماعات البشرية التي تتطور في تنظيمها القانوني والحقوقي والحرياتي وسياسات تدبير قضايا استراتيجية داخل الأوطان وخارجها.
فالمجتمع الأمريكي من أكبر المجتمعات تشبثا بالمسيحية ولكن نظام الدولة السياسي مدني، كما هو الشأن بالنسبة لبريطانيا التي تتقاسمها الكاثوليكية والبروتستانتية والمجتمعات الشرقية اكبر خزان للباباوات وأحبار اليهود رغم تاريخها الشيوعي بما يفند مزاعم محاربة الشيوعية للدين بينما حقيقة علمانية الشيوعية تكمن في احترام حرية الفرد مع عدم إقحام الدين في تدبير الشأن العام.
ومن المعلوم كذلك أن هذه الدول حكمها ويحكمها ناظم العلمانية الذي ضمن ويضمن سيادة القانون المجرد والعام والملزم لجميع أفرادها وكذا الحقوق والحريات الفردية والجماعية، لكن المهم أن هذا الناظم هو المحدد للتنمية والتطور ويساهم في توفير شروط كل ثورة.
يذكر للتأكيد على ذلك أن مقاومة غطرسة وانغلاق المسيحية مورست من الداخل من طرف تيارات دينية بقيام البروتستانتية ضد حدة الكاثوليكية ثم تيار اللوثرية وكذا فلاسفة مثل توماس الإكويني وأوغستين وغيره ، وكان ماكس فيبر قد أوضح علاقة الدين بتطور التنمية الشاملة إلى درجة اعتبر أحسن من أدلج الليبرالية.
سادسا: العلمانية والإسلام
الإسلام بدأ دعوة ثم دولة فاستبد به سياسيا حكام ودول وفقهاء ومذاهب وأفراد بصفتهم الشخصية أو الحزبية، خاصة في حاضرنا المعاصر وإياكم.
فلولا العقلانية والعقل وعلوم التاريخ وتداول الأخبار والفلك وغيرها من العلوم وبلوغ معلومات الأرض والطبيعة والأجواء لما انتشر الإسلام وتولدت بداخله المذاهب والتيارات على قاعدة تعدد الاجتهاد وتنوعه والتوسع في القياس.
بمجرد انقطاع الوحي وتوقف النقل أصبحت الدولة الناشئة المنشوءة منذ يوم القسامة (وفاة الرسول) تعتمد العقل والعلم وما هو معلوم بالتجربة على الوقائع والأحداث المستجدة والمشاورة في القرار دون إقصاء للاختلاف، فأصبح الإرشاد والفعل والحركية ملك للإنسان وعقله وعلمه وصنعه تحت طائلة المسؤولية والمحاسبة على فعله يوم القيامة ليبلي كل واحد بأحسن عمل أتاه استنادا إلى عقله.
فلو كانت هناك إرادة ربانية لتم استخلاف الرسول بابنه أو بأسباطه الذين قتلوا سياسيا لتطهير أهل البيت من مغارم تدبير شؤون العامة والعمومية لرعايا ذلك الزمان ومواطني هذا العصر.
فبانتهاء المرحلة الانتقالية التأسيسية للدولة، ابتدأ زمن الاستبداد بالإسقاط المعمم للمرجعية الدينية لا يحق لأحد التفكير والتعبير أو التأسيس أو التوجيه أو التقرير إلا من داخل المنظومة الدينية وكذلك الجزاء والعقاب.
إن تاريخ الدولة الإسلامية السياسي يؤكد استفراد الحاكم فيها بالقرار ضدا على مبدأ الشورى والتشاور رغم أن المعنيين بهذا المبدأ محدودين جدا من حيث العدد حتى عند مهد الدولة، وهو المبدأ الذي سرعان ما تم تغييبه بشكل مطلق.
فلم يعد لدى المفكرين المسلمين «وعلماء» الدين إلا التماس حد أدنى من الحاكم المستبد في أن يكون صاحب فكر و»علم» كما أوضح ذلك الماوردي وغيره لكن دائما من داخل المنظومة الدينية.
إن نظام الحكم هذا إن كان توفق في استمرار الدعوة المقرونة بالانتشار العسكرتاري مع جانب من تعريب المعارف والأفكار والمعلومات السابقة عن الإسلام، فإنه في نفس الوقت وابتداء من 1243 ميلادية وخاصة عند القرن السادس عشر كانت باقي الأمم تميل إلى تطوير العقلانية والعلم وتمهد لأرقى مراحل النمو المادي والحضاري النوعي إلى درجة سيقترن التطور والقوة المتنامية والشراكة بالعقل والعلم، بينما التصق الجمود والتخلف باعتماد النقل المعرقل سياسيا لأي تطور ورقي وتفتح على الجمهور وإرادته في التقرير.


بصدد العلمانية: الناظم والمحدد، المعالجة والمواقف


سابعا: العلمانية ضحية سياسية
للهيمنة والوصاية الدينية:
سواء خلال مرحلة الدعوة أو زمن الدولة الإسلاميتين يمارس مباشروهما هيمنة حادة مادية ملموسة على المسلمين ومعنوية قاذفة تجاه غير المنضوين تحت مرجعيتهم.
من أدوات الهيمنة: السلطة المالية وقوة الجماعة وسلطان الدولة، بالإضافة إلى أدوات تمارس داخل حقل الحقوق الاجتماعية كالمدرسة والتعليم والمساجد والخطاب الديني الترغيبي والترهيبي وعبر الخدمات المشروطة لديهم.
إن قوة أدوات الهيمنة الدينية هاته تكمن في مكنونها وطابعها السياسي مما يحول الحقل السياسي إلى مجرد وسيلة لتحقيق أهداف دينية لا واقعية ولا ملموسة ويسلب الإنسان إرادته في المبادرة والقرار والاختيار بينما تتفق الديانات بما فيها الإسلام على أن الإنسان يحاسب عند ربه على أفعاله فيما أنذر بشأنها بكتاب ورسول، وهذا يفترض أن الإٌنسان من تاريخ رشده إلى مماته مسؤول لوحده على فعله وفكره بدون راهب أو رهبانية، ولعل ذلك هو التعامل الإيجابي للعلمانية تجاه الدين، على الفرد تجاه دائنه وفق المنظومة الدينية التي يفترض أنه معتنقها كليا أو جزئيا.
يذكر أنها اخطر هيمنة على المواطن والمجتمع ومؤسسات الدولة وعلاقاتها المتعددة هي هيمنة الدين إذ يسيطر أصحابها على المادي والمعنوي والسياسي والروحي هؤلاء المهيمنون يستحضرون مرحلة الدعوة الدينية ولاسيما الإسلامية قواعدها في الغنيمة من الحروب والغزوات والجزية والقضاء على أسواق يوم الجمعة وتجارتها بترجيح الديني عليها، فتتوقف المعاملات ودينامية الاقتصاد والنمو، وكان بالإمكان عزل العبادات في حدود ميقاتها دون المساس بالانشغالات اليومية المعاملاتية وهي الضوابط التي تعتمدها العلمانية.
إن هؤلاء المهيمنين دينيا باستحضارهم ذلك يمارسون وصاية المنظومة الإسلامية وهي بريئة منهم بدءا من الله ورسوله وخلفه.
إنها في عمقها وأبعادها وصاية سياسية تدمج التنظيم بالنظام بالإطار المرجعي المنقول بانتقاء واصطناع، لاستعداء الآخر كأغياره وكل استعداء هو سبيل لإقصاء واستقواء للذات المستعدية.
التنظيم:
يعمد المتملكون للإسلام في الزمن المعاصر إلى أدلجة الإسلام برواية القصص والأحداث سواء التي وقعت فعلا أو التي يتم تأليفها كذبا داخل تنظيم الجماعة، ثم يذكر الأحاديث ومواقف المذاهب مع ربطها بأسباب النزول صحيحة كانت أم لا مسندة كانت أو غير مسندة.
أما رقابة الحضور والمتابعة لا تنصب على مدى التزام بالعبادات وحسن المعاملات بل على مدى القيام بمهام الاستقطاب للجدد من المريدين والأتباع وتحصيل المداخيل وضبط الخصوم ونشر ثقافة التنظيم المشفوعة بالوعيد في الدنيا قبل وعيد الدعوة في آخرة الغيب التي لا يغيبها العلماني لكن همه الأساسي ينكب على عقلنة الموروث وعصرنة العتيق وتحديث المتجاوز في تفتح على الكوني دون وجود منغلق معطوف على التليد السلطاني المستبد.
النظام:
يراد لنظام الحكم أن يشكل بالضرورة امتدادا حيويا لتنظيم الجماعة أو التنظيم الحزبي، فالإسلاميون لا عقدة لديهم في عقلنة التنظيم الحزبي على قواعد علمانية رغم عبارات البسملة والحمدلة ودعاء التوفيق، كما هو الشأن لديهم بالنسبة لتسمية وهيكلة الدولة الإسلامية من حيث علمنة المؤسسات في شكلياتها، حتى في علاقاتها الدولية، فمرسي وإخوان مصر يراسلون رئيس الكيان الصهيوني العنصري وكذلك إخوانهم في البيجيدي التركي وعلاقتهم المتينة اقتصاديا وتعليميا وسياسيا مع نفس الكيان كما أن البيجيدي المغربي لا يخرج عن القاعدة.
لكن في نفس الوقت فالهيمنة والوصاية الدينية يمارسونها على قطاعات التعليم والوظيفة بالإدارة والمؤسسات من خلال نقل شخصنة التنظيم إلى شخصنة نظام الدولة ومؤسساتها بإعادة انتشار أفراد التنظيم داخل أجهزة الدولة استفرادا عن كفاءة باقي المواطنين وبأقوى وأنجع سبل الهيمنة وممارسة الوصاية المذهبية الدينية فهم يكرسون الفعل السياسي على صعيد المجتمع بالمساجد وحلقات المناسبات الدينية وغير الدينية، وبالمدرسة الخصوصية وحتى العمومية خاصة مع هيمنة التنظيم بإدارة المدارس وهيئة التدريس وعبر نقابات التعليم والجمعيات الشبابية والرياضية لاسيما الرياضات الدفاعية العنيفة، بموازاة مع ذلك تكرس الهيمنة والوصاية على وسائل الإعلام:
بالمال واقتناء صفحات على جرائد لا تربطها علاقة مباشرة بالتنظيم أو عبر نظام الدولة الإعلامي.
استنادا لما ذكر فإن استملاك الدين وارتهانه من طرف أعضاء الإسلام الحزبي من غير باقي المسلمين والمؤمنين يضيفون إلى نفوذهم امتلاك وسائل الاستقواء السياسي بالمرجعية الدينية نفسها.
لذلك نصبح أمام معادلة معكوسة: أقلية في تنظيم ديني مهيمنة على الدولة والمجتمع ونظام الحكم في التشريع والتنفيذ والقضاء.
وأغلبية من خارج ذلك التنظيم يمارس عليها رعب سياسي شامل وعام ليس فقط في الوجود الحاضر وإنما كذلك في مستقبل ملموس وعالم الأجيال المقبلة.
هو الرعب نفسه يذهب ضحيته ناظم العلمانية المقبول من طرف الجميع الذي تقوم على أساسه دولة حقوق الإنسان الأصلية والمساواة بين المرأة والرجل وسلامة التنشئة بخلاف دولة الإسلام السلطانية القائمة على الفرز والعزل والتسلط، وجعل المرأة مجرد مكملة فرعية للرجل كأصل.
لعل من مكامن اختلال الإسلام الحزبي هو التناقض الذي يلبس منظومتهم بين استظهار الأخذ بواقعية أنظمة الدولة والتنظيم ذات الارتباط بالعقل والعلم وبين التكريس الفعلي لنقائضهما بما يهمش الطبيعة الحتمية للتطور والتغير وترجيح التقهقر والرجوع إلى الخلف وهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا من أداءات وجودهم في مؤسسات الدولة ذات الدستور الوضعي.
إن وحدة المتناقضات لدى الإسلام الحزبي تؤكد على الطابع اللاعلمي في مختلف العمليات التواصلية والتدبيرية لقضايا تهم غيرهم أكثر ما تعني منخرطي تنظيمهم.
والإسلام الحزبي في تاريخيته هو سياسيا في خدمة السلطة والتسلط ونافع ماديا لمنخرطيه، سواء في التنظيم أو في الدولة الدينية.
وكما سبق فالدولة اللادينية لا تمحو بالضرورة مؤسسات الدين أو منع ممارسة شعائره بل أكثر من ذلك فقد تأخذ من شرائعه فالدولة الفرنسية اعتمدت في تشريع قانونها للعقود والالتزامات على قواعد المذهب المالكي.
وعلى العكس من ذلك فالدولة الدينية سياسيا هي دولة إقصاء وتسلط وقمع إعمالا بمقولة: عرفت فالزم ! ضدا على حرية التعبير والحق في المعلومة.
ثامنا: بالمغرب أية دولة في خضم هذه المعادلة ؟
يذكر أن المجتمع المغربي متعدد مركب في تكويناته وإكراهي في طبيعته. وأفراده مستلبون من حيث الثقافة الحضارية وأغلبهم مستغلون اقتصاديا وسياسيا، وقد تسببت عوامل في هجانة الدولة أهمها: ازدواجية تكوينها بين الموروث السلطاني العتيق المستبد وهيكلتها التي أحدثها الاستعمار خلال القرن الماضي.
وكان من الانصهار الظاهري للعنصرين أن طبع نظام الحكم بالنمطية المخزنية القائمة على سلطة تنازلية من الحاكم إلى أسفل قاعدة الدولة في صنع القرار وتنفيذه وتشكيل أو تنصيب المؤسسات التي هي في ظاهرها عصرية انتخابية وفي عمقها تعيينية تابعة للخاصة السلطانية كما ظهرت بداية الحكم الأموي وما تلاه.
إن هذا الوضع السوسيو/سياسي يوفر الشروط المناسبة لفائدة تنظيم الإسلام الحزبي على حساب متطلبات التغيير نحو المستقبل الملموس الذي تستهدفه العلمانية من خلال دولة تقوم على الحقوق المدنية والسياسية والثقافية النقدية المفتوحة والمتفتحة للتطور والتغيير الطبيعيين وفق حتمية التاريخ ومقومات فاعليته.
وبمراجعة تاريخ الدولة الإسلامية فإما هي كذلك بالاصطلاح فقط دون بلوغ علمانيتها خاصة في الأزمنة المعاصرة وبالمواقع الأقرب للدول غير الإسلامية في الشمالين الشرقي والغربي. وإما هي دولة إسلامية تحكمها الأفكار الطوباوية وهي خارج تاريخيتها لتطورها اللا عادي واللا طبيعي لاعتماد ما هو قسري على الشروط الموضوعية.
إن ما يسعى إليه الآن المدافعون عن الدولة الدينية هو إسقاط مرحلة الدعوة على الدولة بظاهر الإجراءات الوضعية وعمق ديني معولم باعتماد الشرعية بالشريعة وتعميم الصراع مع ناظم العلمانية ضمن صراع الحضارات وتصدير الصراع المجتمعي إلى حروب مع الشعوب والأمم، وفي ذلك تمثل مشابه لدى الكيان السياسي العبري المقحم بالقطر الفلسطيني الذي هيمن الطابع الديني الإسلامي على الجزء الهامشي من مشروع الدولة الفلسطينية المنشودة، وفي درجة أرقى تغلبت الدولة الدينية بتركيا على علمانيتها، فأصبحت الدولة / النموذج لباقي الدول الإسلامية في إطار ما ذكر من العولمة السياسية للدولة الإسلامية بدعم من الرأسمال العالمي وضد الحكم العسكري.
هذه الرافعة هي التي توضح أن الصراع مع العلمانية هو صراع في الجوهر مع نقائض الرأسمالية ذاتها.
ولأن الدولة الدينية تعتمد الفيض الإلهي للسلطة والاستخلاف في الأرض فإن صراعها مع العلمانية هو صراع ضد الديمقراطية وإرادة الفرد والشعب في تقرير المصير السياسي والاقتصادي والمدني والثقافي والحقوقي والحرياتي.
إن الدولة الإسلامية تستقوى في زرع الرعب السياسي بادعاء اليقين وتفعيل حكم المطلق لمواجهة الدولة العلمانية القائمة على اللا يقين والنسبية مع اعتبار هذا المفهوم أو الوصف بالدونية اللصيقة بالإنسان العلماني المؤهل لارتكاب الموبقات.
بذلك تحول الدولة الدينية عموما الصراع الثقافي إلى صراع إيديولوجي بالشكل الذي ذكر قبله حول اقتران الدين بالرأسمالية مرحليا أو دوما. إن هذا الاستنتاج لا يتعارض بالضرورة مع خلاصات فيبر فإما أن هذا أخطأ ولو جزئيا أو أن الاقتران السياسي الملاحظ حاليا بين الرأسمالية العالمية والدين هو مجرد لمرحلة متحكم فيها، على أن الملتقى واحد، فالرأسمالية المتوحشة الاحتكارية هي معرقلة للتنمية والتطور للاقتصاديات الجنوبية كما أن الهيمنة الدينية على الدولة والمجتمع تصرف سياسيا عرقلة قوية للتطور والتغير السياسي والاقتصادي ومن ثم
إجهاض محاولات التنمية العامة وتعبئة مختلف مواردها لتحقيقها.
كل ذلك بما يعاكس الشروط الايجابية التي توفرها العلمانية، فغلاة العداء للعلمانية ينطبق عليهم:
قل يا قوم اعملوا على مكانتكم، إني عامل، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون.
تاسعا: الدولة المغربية
بين أسلمة العلمانية وعلمنة الإسلام:
كرس دستور 2011 من جديد مأسسة الدين الإسلامي ضمن مؤسسات الدولة المتمحورة حول الملك، وهو أسلوب عرفته الدولة الإسلامية منذ نشأتها خاصة مع العهد الأموي فكان مجال يقوي تسلط السلطان المستبد بدعوى رعايته للجماعة ووحدتها، فالتصريف السياسي من طرف الحاكم للمرجعية الإسلامية يخوله ممارسة الاستبداد بما يتعارض مع قواعد الدولة الدستورية الديموقراطية المعاصرة القائمة على الانتخاب وتحديد الاختيارات لتدبير الشأن العام والمراقبة والمحاسبة.
يذكر أنه سنة 1981 أعلن الملك الحسن خروج برلمانيين عن الجماعة إثر انسحابهم من البرلمان، وخطاب سياسي هكذا يكشف مدى تعارض ضوابط الديموقراطية مع إحدى الآلية السياسية المستبدة التي يستغلها الحاكم من الإسلام في علاقة الحاكم بالشعب مصدر السلطة. فالإسلام إذن كمؤسسة سياسية في الدولة يكون مرجعا احتياطيا لمحاصرة أي تهديد للنظام باستخدام ضوابط الديمقراطية شكلا وتهميشها في الجوهر بتوظيف الحمائية الدينية للحاكم خاصة أمام كل انتفاضة جماهيرية.
إذا كان نفس الدستور يخول لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية (المادة 3 من دستور 2011) فإن هذا الواحد غير معلوم ما بين قاطني المغرب أم مواطنيه أم زواره لمدة محدودة ثم عن أية شؤون دينية ؟ سماوية فقط أم غيرها ؟
يظهر أن تفسير ذلك يرجع إلى ما يحدده الإسلام نفسه كدين الدولة.
وعموما، من المنطقي أن يضمن الدستور ذلك فحرية العقيدة واردة في المواثيق الدولية كإحدى مصادر الدستور نفسه.
إن هذا الإطار الديني يهيمن دستوريا على الدولة هو الذي يكرس رعبا على الضمير الجمعي للمجتمع والمواطن المغربيين ويرفع الإرث الثقافي الإسلامي إلى المستوى السياسي والإيديولوجي القمعيين بما يعكس الأزمات الاقتصادية في الإنتاج والمبادلة والتداول والخدمات القطاعية كالتعليم والصحة والشغل والعدالة.
فالدولة تعطي قوة لهذا الهرم الديني المهيمن، الشيء الذي يحاصر العقل والعلم والنقد والانتقاد،
كجزء لا يتجزأ من ذلك الهرم الديني الدولتي نجد أحزاب وجماعات دينية بأبعاد وممارسات سياسية تستغل هذه الأوضاع لتحويل الهيمنة الإسلامية إلى وصاية سياسية بلبوسات دينية تكرس الإكراه الديني من البسيط إلى المركب ومن العبادات إلى تقرير الإقصاء السياسي إلى دونية المرأة وبتر الأيدي والإعدام خارج المحاكمة العادلة، إلى الحرمان من الحريات الفردية والجماعية المقبولة من طرف الجميع في طبيعتها وإنسانيتها.
لقد كان من نتائج بلوغ الإسلام الحزبي المسؤولية في الدولة وحصوله على أغلبية المقاعد الحكومية مع رئاستها أن أصبح المدافع الأول على مركزة السلطة التنفيذية لدى الملك.
فهذا الحزب لا يخرج عن كونه يستظل بظل الملك لينشر إيديولوجيته ومعتنقيها عبر أجهزة الدولة والمجتمع دون أن يحقق مكاسب هامة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفق المنصوص عليه على الأقل في دستور 2011، ألا يكرس هذا وذاك التبعية للرأسمالية المتوحشة التي شجعت على وصولهم الحكومة بالمغرب وغيره على امتداد المنطقة ؟
منذ نشوء الدولة ذات المرجعية والطبيعة الدينية حولت قواعد الدعوة الموضوعية إلى أسندة التسلط والاستبداد ونهجت سياسات التفسير والتأويل لمصالحها الشخصية والطبقية كما تعامل الفريسيون مع شرائع موسى، إنها علمنة سلبية لتكريس الاستبداد والاستغلال والاستلاب على حساب المستضعفين من المؤمنين سواء الممارسين لشؤونهم الدينية أو لا يمارسونها وهم من الموحدين.
إن العلمانية كناظم مجرد تقدم قواعد معيارية غير عازلة بين المواطنين المؤمن الموحد المتعبد والمواطن المؤمن الموحد غير متعبد لا يملك أي منهما سلطة ربانية لمحاسبة الآخر في هذا الفرز الزمني.
وهي الآخذة بالمساواة الملموسة في مجالات الحياة دون هيمنة أو وصاية مع ضمان كافة الحقوق والحريات اللصيقة بطبيعة الإنسان.
أما التوظيف الديني لبعض الحالات الشاذة، فإن العلمانية كناظم بدون مضمون إيديولوجي لا يعنيها عدم الصيام أو عدم الصلاة أو عدم الزكاة، فجزاء ذلك عند الله، كشأن من يقرر جعل حد لحياته ولو أن على الدولة مسؤولية ذلك لعدم توفيرها الشرط الضروري والكافي ليتفادى ذلك الشخص ما يقدم عليه في سرية على القانون والشرع والمجتمع مثل الثنائية التماثلية الجنسية الخارجة عن الطبيعة البشرية المشروعة فهي كنشاز مخلة بالقانون الوضعي بعدما لم يعد ينفذ دهريا العقاب الرباني كما ترويه قصص الغابرين لتكون عبرة في الحاضر.
إن العلمانية اكبر من ذلك، كناظم لتأطير الدولة والمجتمع نحو المستقبل الملموس الأمجد كدولة ديمقراطية وطنية بمضامين حقوقية مدنية وسياسية توفر الشرط الضروري والكافي لحياة كريمة لكل مواطنة ومواطن ولهما المساهمة في التقرير والاختيار والمراقبة والمحاسبة، بما يناقض دعاة الاستبداد الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *