بني ملال : حوار مع معتقل الملوك الثلاثة محمد بوكرين2009
بني ملال : حوار مع معتقل الملوك الثلاثة محمد بوكرين
نشر في بني ملال أون لاين يوم 15 - 01 - 2009
كرسي الاعتراف مع معتقل الملوك الثلاثة محمد بوكرين
محمد بوكرين المقاوم ،والمعتقل السياسي الذي قضى16 سنة في السجن خلال حكم الملوك الثلاثة (محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس ) شارك في الاعداد للثورة المسلحة الأولى ببني ملال بعد الاستقلال سنة 1960، واعتقل في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي قبل أن يتم اعتقاله في سنة 2007 ،يعتبر من أشرس المعارضين في تاريخ المغرب المعاصر الذي لم تزده السنون إلا إصرارا على مواقفه مزيد من الدفاع المستميث عن قناعاته ،فتح قلبه ل"المساء" في كرسي الاعتراف وكان الحوار التالي :
من هو محمد بوكرين ؟
ولدت في نونبر من سنة 1935 في منطقة سكورة بزاوية آيت سيدي علي بآيت شخمان أغبالة ،كان تاريخ القبيلة معروفا في الاطلس بالمقاومة التي واجهت الاستعمار كما واجهت فيما بعد المخزن ،شهدت عدة ثورات كان أشهرها ثورتهم ضد المولاي سليمان التي تجلت في معارك سراتة سنة 1988 ، ولأنني كنت منذ طفولتي اهتم بما يدور حولي خاصة بعد خروجي من القبيلة وانتقالي للدراسة سواء بآزرو أو قبل ذلك بالقصيبة لذلك انتميت في شبابي المبكر للعمل السياسي ،انتسبت بداية لحزب الاستقلال ،موضة العصر آنذاك ،بل كان كل من لاينتمي لحزب الاستقلال ،ينظر له على أساس أنه خائن ، وبعد التغيرات والتحولات وحالة التذمر التي عاشتها الأطر الحزبية قبل 1959 ،خاصة أمام السلوكات التي كانت تصدر عن القيادات بالحزب ،سواء على المستوى المحلي أو المركزي، استمر هذا الوضع إلى أن قام الاخوة في إملشيل محمد بنراضي وزايد أوميدو بتعليق لافتة لجيش التحرير بجانب مقر حزب الاستقلال ،فقامت السلطات باعتقالهم ، وأذكر آنذاك أنني سافرت برفقة المهدي بن بركة إلى عين المكان وحدو حسن ،اتجهت منذ البداية للتخطيط والتنظيم حيث كنا نتحرك بدينامية عجيبة وكثيرا ما شارك معنا المهدي بن بركة في محاضرات في أعماق الأطلس ، وأذكر أن المهدي كان أيضا ينظم محاضرات ولقاءات كثيرة بالأطلس وذات مرة استقبلته أنا والخليفة آنذاك المشهوري (والد الوزير السابق مصطفى المشهوري ) مباشرة بعد لقاء نظمه بإملشيل وجاء معنا للقصيبة .
لكن ماذا عن مشاركتك قبل ذلك في جيش التحرير ؟
لقد أسسنا جيش التحرير بالأطلس قبل جيش التحرير الذي كان معروفا فيما بعد بقيادة عباس المساعدي ، كنا قد خططنا للهجوم على 26 مركزا فرنسيا ،انطلاقا من كلميم بالجنوب لكننا فشلنا بعدما اعترف أحد المشاركين بعد اعتقاله قبل أسبوع من انطلاق الهجوم ، كان ذلك في منتصف مارس من سنة 1954 ،ثم تأسس فيما بعد جيش التحرير بالشمال في 2 أكتوبر 1955 ،أفلتت آنذاك من الاعتقال بأعجوبة لأن من كان سيعترف علي قام خاله بإرشاء أحد الفرنسيين وأطلق سراحه ،وانتميت للمنظمة السرية التي كان يقودها الشهيد الزرقطوني ، وليس منظمة اليد السوداء التي كانت تابعة لحزب الاستقلال ،فالكثير من الجرائد أخطأت ونسبتني لمنظمة اليد السوداء لكن في الحقيقة أنا كنت في المنظمة السرية ، تعاونا فيما بعد في دعم جيش التحرير بتدبير بعض الأسلحة والمؤونة واستمر الوضع إلى حدود سنة 1960 سنة اعتقالي الأول .
لنتحدث عن ظروف الاعتقال الأول لمحمد بوكرين في عهد الملك محمد الخامس ؟
كما هو معروف في بداية الستينات كانت هناك ثلاثة قوى متصارعة حول الحكم ،القوة الأولى مثلها القصر ومن والاه آنذاك ، والقوة الثانية كانت تتمثل في حزب الاستقلال ،والقوة الثالثة كانت تتشكل من رجال المقاومة وجيش التحرير والقوة العمالية ، ومعروف أيضا أن الصراع الداخلي في حزب الاستقلال بين القوى المحافظة بقيادة بلافريج وعلال الفاسي كانت تتصارع الحزب في مواجهة المجموعة التي ستؤسس فيما بعد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ،و بعد عقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في شتنبر 1960 تم تحرير لائحة سوداء ،كانت تضم 400 شخص بالمغرب منهم 8 أشخاص بمنطقة تادلة وأزيلال ،كنت أنا بالإضافة إلى كل من القائد الممتاز ببني ملال البشير بن التهامي ، وحاكم السداد محمد المذكوري، والتاجرين حسن العريبي وحماد أوبوجو ، وحدو امحى نايت التوس أوداد شيخ زاوية أحنصال ،وسيدي موح أحنصال من تاكلفت (توفي السنة الماضية) ، وفي أكتوبر وبعد مضي شهر واحد من عقد المؤتمر التأسيسي بدأت الاعتقالات فاعتقل الفقيه البصري ،وبعده قادة المقاومة وجيش التحرير، فتم اعتقال سعيد بونعيلات ،والمتوكل بوجدة،والسكوري بتطوان ومولاي عبد السلام الجبلي ، وشنت الدولة حملة اعتقالات ومطاردات لكل عناصر الحزب ، أصدر حزب الاستقلال جريدة كان يديرها حسن التسولي اسمها "الأيام" حيث كان كل من ورد اسمه في الجريدة إلا ويعتقل في الغذ ، فكانت بمثابة الموجه لعمل البوليس ،بل وكانت تعلن أن هدفها الإطاحة بحكومة عبد الله إبراهيم ، لذلك بمجرد ما سقطت حكومة عبد الله إبراهيم توقفت عن الصدور، طبعا لم نبقى مكتوفي الأيدي فقررنا للدفاع عن أنفسنا ، أن نقوم بانتفاضة مسلحة في كل التراب المغربي في شهر مارس ، من ذكريات هذه الفترة أن عبد السلام الجبلي القائد الوطني الكبير كان مختبئا في دار أحد الشيوخ بسيدي عيسى بإقليم بني ملال ، وكنا نعقد معه اجتماعات شبه يومية في حين تعبت مصالح الأمن في البحث عنه في كل التراب الوطني .
لكن ما علاقة ذلك باعتقالك واتهامك بمقتل عميد الشرطة أقبلي ؟
عميد الشرطة أقبلي كان من الخميسات موطن القائد البشير بن التهامي ،هذا الأخير توسط له في الانتقال إلى مدينة خنيفرة قبل ان يتوسط له من جديد مجموعة من الإخوان للانتقال إلى بني ملال ، لكنه سوف يصبح متآمرا علينا ويتجسس على اجتماعاتنا ،حدث ذات مرة أن جاء الفقيه البصري لبني ملال وعقدنا لقاء معه استطاع من خلاله عميد الشرطة أقبلي أن يدس وسطنا مخبرا استقدمه من البيضاء ،فكنا نعتقد أثناء الاجتماع أنه من مرافقي الفقيه البصري في حين يعتقد هو أنه من مناضلي بني ملال ، وكانت النقطة التي أفاضت الكأس عندما شهد عميد الشرطة أقبلي ضد الفقيه في محاكمته وكان من شهود الإثبات ، فعزمنا بعد ذلك على تصفيته ،فكان ذلك ما حدث بالضبط حيث نفذ العملية كل من القائد البشير والقائد بن حمو ،تمت العملية في رمضان وانطلقت في نفس اليوم الانتفاضة المسلحة التي كان متفق عليها مسبقا ،لقد تم الترويج آنذاك أن مقتل عميد الشرطة أقبلي كان سببه الصراع حول إحدى نساء مدينة بني ملال ،لكن حقيقة المشكل كانت تجسس العميد أقبلي على المقاومين وعلى المناضلين وإساءاته المتكررة لهم . اعتقلت مباشرة وأنا في الطريق إلى الجبل للمشاركة في الثورة التي أعددنا لها مسبقا .
انطلقت بعد ذلك ثورة 1960 المسلحة ببني ملال هلا قربتنا من الأحداث التي وقعت بالضبط ؟
كما أسلفت كنا سنعتقل في كل الأحوال ،لذلك عملنا على التخطيط للثورة الشاملة في كل مدن المغرب ،كنا بمنطقة الأطلس نوزع الأدوار بيننا ،فكنت أنا والذهبي اللاص نلقي محاضرات بالجبال قصد تهيئ الناس للانتفاضة ، وكان الآخرون يقومون بالمهمات الموكولة لهم أحسن قيام رغم علمهم بمخطط الاعتقال وباللائحة المعدة لذلك سلفا ،على المستوى المحلي قسمنا قواتنا على أربع قيادات هي أنركي وتاكلفت وآيت عبدي وتيلوكيت ، ثم بعد ذلك إلى قيادتين الأولى بقيادة القائد البشير بن التهامي والثانية بقيادة القائد بن حمو ، كنا مكلفين بإنجاح ثورة الأطلس فيما كان آخرون مكلفون بالثورة في مناطق أخرى ،وللأسف أن منطقة بني ملال وأزيلال ومنطقة مراكش فقط من نفذتا الثورة، فيما اتصل حسن الأعرج المعروف بصفي الدين بالمنتفضين في المناطق الأخرى من المغرب وأعلمهم بإلغاء ذلك في آخر لحظة ، ورغم كل الظروف والإمكانيات الضئيلة التي كان المنتفضون يتوفرون عليها في مواجهة جيش نظامي مدجج بجميع الأسلحة ،إلا أن ذلك لم يمنع من نجاح الثورة في بدايتها، بل أقام المنتفضون جمهورية عابرة لأربعة أيام بأنركي بإقليم أزيلال تحت قيادة موحى أوحسين ،في الوقت الذي كان يقود فيه الجيش الملكي الكولونيل شنا صهر أوفقير ومولاي حفيظ العلوي .
كم استمرت الثورة وماهي أسباب فشلها في نظر بوكرين ؟
خططنا جيدا للثورة وقسمنا المهام بشكل دقيق جدا ، حيث كلفنا كل واحد بمهمة محددة ينفذها مهما كلفه الأمر ،كان هذا بعد دراستنا المعمقة لكل التوقعات والخطط بدا من تأطير المشاركين وتهيئهم إلى الاستيلاء على أسلحة من الثكنات العسكرية ووصولا إلى تدبير الثورة ، لذلك كانت استجابة السكان تلقائية مباشرة بعد اجتماعهم بقيادة الثورة ، من الثكنات التي كان مقررا اقتحامها والاستيلاء على الأسلحة بها ثكنة تاكلفت ،والتي تمكن الثوار فيها من 20 بندقية وثلاثة مدافع ، ورشاش ، و2000 خرطوشة و5 قنبلات يدوية ،استمرت الثورة شهرين تقريبا وانتهت باعتقال القائد البشير بن التهامي ، وقد سبق اعتقاله اختلاف وسط القادة الميدانيين للثورة ، حيث أصبح مستقبلها مجهولا لأنها كانت منعزلة على عكس ماكان متفقا عليه في كل ربوع المغرب ، أصبح القائد البشير والقائد بن حمو يفكران في الهرب لإسبانيا وهو مارفضه ضمنيا القادة الآخرون خاصة حدو آيت التوس ،بعد اعتقال القائد البشير وجرح القائد بن حمو واعتقاله أيضا توقفت الثورة ،استمر اعتقال الثوار في سجون متفرقة في حين كنت أنا معتقلا في سجن اغبيلة ،وبعد خوضي لإضراب عن الطعام سنة 1962 تم جمعنا بسجن لعلو ،واستمر الوضع خمس سنوات قبل أن يصدر العفو ،مكثت بعده سنتين بالسجن وأطلق سراحي بعد الحكم علي بالبراءة لفائدة الشك . وقد ربحت القضية نظرا لحضور المحلفين الذين كانوا يدلون بآرائهم في المحاكمات .
بعد ذلك اعتقلت للمرة الثانية عقب أحداث مولاي بوعزة سنة 1973 ماعلاقة بوكرين بهذه الأحداث ؟
بعد خروجي من السجن اقترح علي مجموعة من الاخوان الخروج للجزائر لكنني رفضت لاقتناعي أن الثورة تقام بالداخل وليس بالخارج ، لم أكن مشاركا في أحداث 1973 مشاركة مباشرة ،عندما التقى الفقيه البصري وبنونة والتوزاني بالخارج حددوا المناطق التي ستكون فيها الثورة ، وتقرر حزبيا أن يكون إقليمي بني ملال وأزيلال قاعدة خلفية للثورة ،وذلك بمد الثوار بالخرائط والمؤونة وكل مايحتاجونه وبإيوائهم بعد الثورة ، المهم بعد وقوع الأحداث التي كان سببها في نظري ارتكاب الحسن الثاني عدة أخطاء منها حل منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، وإعدام ضباط انقلاب الطائرة ليلة العيد ،لذلك تقرر كيفما عكر علينا الأجواء لابد أن ننغص عليه أجواء عيد العرش ، لذلك بعد دخول الإخوة المدربين بكل من سوريا وليبيا ، وتقسيمهم على مناطق مختلفة قاموا خلالها بتدريب الذين سيقومون بعمليات الهجوم ، وهنا لابد أن أذكر أن أخطاء عديدة ارتكبت آنذاك بعدم احترام منطق حرب العصابات ، سواء من حيث اتخاذ الاحتياطات الأمنية اللازمة أو من خلال عدم تنفيذ ماكان مخططا له ، وكما أسلفت أن بني ملال وأزيلال كانتا قاعدتين خلفيتين للثورة ،فكان طبيعيا أن يلجأ الثوار لبني ملال ،واتصل ثلاثة منهم بمحمد بنراضي ومنير عمر بالفقيه بن صالح ، وبعد الاتصال بي حاولنا تدبر الأمر بما أمكن ،لكن أحد الثلاثة كان قد اختار عكس ماهو متفق عليه وبعد اعتقاله مباشرة اعترف علينا نحن الثلاثة ، ليتم اعتقالي فيما بعد رفقة محمد بنراضي ومنير عمر في 12 يونيو 1973 .وبعدها صهري مصطفى العمري وزوجته وابنه وصهره .
ماهي أهم الأحداث العالقة بذهنك من هذه المرحلة ؟
لقد ذقنا عذابا مريرا آنذاك أقساه علي كان يوم جردوا حماتي من ملابسها قصد الضغط على زوجها ، والضغط علي أيضا ،لقد تحملت كل صنوف العذاب لكن ماقاموا به آنذاك لتلك السيدة التي كانت لاتنظر حتى لضيوفها كان شيئا خارجا عن المألوف وعن أخلاق الصراع ، أما عن صنوف التعذيب فيكفي أن نقول أن عدد الضحايا في أقل من سنتين فاق عدد ضحايا تازمامارت في 18 سنة حيث توفي 26 شخصا بسبب ظروف الاعتقال ، واذكر أن المرحوم حسن أعيوط الذي كان يشترك معي في قيد واحد مات والقيد بيده ، عذبنا في معتقل سري قرب قصبة تادلة بضيعة تسمى "مازيلا "ثم نقلنا إلى الكوربيس حيث دخل الحسن الثاني بضع مرات لرؤية المعتقلين الذين كانت رؤوسهم مغطاة لكن كوة كانت في الغطاء الذي وضعوه على رأسي مكنني من رؤيته ،والحقيقة أنه لم يكن يمكث كثيرا خاصة وأن النتانة الشديدة للمكان تمنع أي واحد من المكوث أكثر من دقائق معدودة، أما حسني بن سليمان وادريس البصري والدليمي وغيرهم فكانوا يأتون تقريبا كل شهرين .أثناء هذه الفترة وبمناسبة انعقاد مؤتمر للمحامين العرب بالمغرب استغلت زوجتي الوضع خاصة بعد علم العائلة بوجودنا على قيد الحياة فبعثت رسالة إلى وزير العدل نشرتها جريدة المحرر آنذاك وكانت سببا في خروجنا من المعتقل السري إلى العلن ومحاكمتنا بعد ذلك ،أثناء هذه الفترة فقدت ابني البكر"هزرمر "،وأثناءها أيضا وبسبب الجحيم الذي كنا نعيشه في المعتقلات السرية احترقت رئتي اليسرى بعد أن امتلأت بالمياه ، وأتذكر أنهم بعد عرضي على قاضي التحقيق كانوا يحملونني على فراش للوضعية الصحية المتردية التي كنت عليها ،حتى أنني كنت أصاب بإغماءات افقد فيها الذاكرة .إلى أن أفرج عنا في غشت 1976.
أعلنت في سنة 1977 حسبما نشرته جريدة المحرر آنذاك أن هناك معتقلا سريا بتازمامارت كيف اكتشفت هذا المعتقل ؟
لم اكتشف معتقل تازمامارت وحده بل اكتشفت عدة معتقلات سرية ،حيث كنت أتجول لشهور في بوادي ومداشر المغرب البعيدة وكانت لي معارف كثيرة وسط رجال الدرك والعسكر، وهكذا بعد تازمامارت اكتشفت بجبل العلم قرب سيدي ايفني معتقلا سريا كان يوضع فيه أحد الضباط المشاركين في انقلاب الطائرة يسمى قصيصر عمر من مكناس وتوكنيت و أكدز ،لأنني كنت مكلفا في لجنة حقوق الانسان برصد الخروقات ،وعرضها على ممثلي المنظمات الدولية الحقوقية للوقوف على فظاعة الخروقات التي يرتكبها النظام المغربي.كانت لجنة حقوق الانسان و الخروقات تضم عدة شخصيات منها الوزير السابق بوزوبع والسفياني وغيرهم.لكن كنت أنا وبنعمرو من يقوم بأهم الأعمال داخل هذه اللجنة .
هل كان ذلك هو السبب في تأسيسكم للجمعية المغربية لحقوق الانسان ؟
بالفعل فمجهوداتي أنا وعبد الرحمان بنعمرو توجناها بتأسيس الجمعية وكان برفقتنا عمر الخطابي ، لكن عندما بدأنا في التحضير للاعلان عنها رفض عمر الخطابي الاستمرار احتجاجا على وجود الوديع الآسفي الذي كان صديقا لعبد الرحيم بوعبيد ،فرفض الخطابي انضمام مايسميه هو ب"الحاخامات " للجمعية ،استمررنا في البحث عن أعضاء مؤسسين وكل من اتصلنا به كان "المخزن "يستقطبه،وبعد مخاض كبير انتخبنا رئيسا لها علي أومليل لقناعتنا أن الأهم أن يكون على رأسها شخصا يحضى باحترام اتجاهات متعددة، وجاء التأسيس الذي كان فيه أيضا الحيحي ،وغيرهم ،عرفت الجمعية بعد فترات جمود خاصة بعد اعتقالي أنا وبنعمرو في بداية الثمانينات،واليوم أشعر بالفخر والرضا أن عملنا لم يذهب سدى خاصة لما تقوم به الجمعية اليوم من أدوار مهمة .
بعد فترة السبعينات اعتقلت للمرة الثالثة سنة 1981 ،مالذي وقع من جديد ؟
تم تشميع مقر الحزب بالفقيه بن صالح ،بعد أن نسي الإخوة تعليق صورة الملك في المقر في عيد العرش ،قمت بالإجراءات القانونية خاصة بعد لجوئي للمحكمة ، لكن بعد تأخر تنفيذ الإجراءات اقتحمنا المقر ،ليتم اعتقالنا بداخل المقر بعد عقد اجتماعنا ،تم اعتقال 51 شخص ليتم الاحتفاظ بأربعة أشخاص فقط ،وتم إرجاع الآخرين إلى مقر سكناهم ،حكم علي بعدها بسنة سجنا ،وبعد خروجي من السجن بدأ الصراع يطفو على السطح داخل الاتحاد الاشتراكي ،خاصة بعد مسألة الشيك الذي تلقاه بوزوبع عبد المجيد بالعراق والذي بلغت قيمته 165 مليون سنتيم على أساس أن يسلم للحزب،لكن تم توظيفه في شراء مجموعة من المناضلين لصالح جناح عبد الرحيم بوعبيد ،وطبعا الصراع امتد إلى مقرات الحزب ،حيث قام لطفي بالاستيلاء على مقر الحزب ببني ملال، وكان بوعبيد قد بعث قبل ذلك برسالة لكل من والي الأمن وعامل بني ملال يؤكد فيها أن لطفي ومن معه من يمثلون الحزب ببني ملال ، طبعا بعد اقتحامنا للمقر ببني ملال تم اعتقالنا من جديد وحكم علي بالسجن من جديد لمدة سنة أيضا .
إذن بدأ الصراع داخل الاتحاد الاشتراكي بين اللجنة الإدارية والمكتب السياسي كم لبثت من جديد ليتم اعتقالك في قضية هذا الصراع؟
بعد خروجي من السجن ب15 يوما اعتقلت من جديد ،حيث رفض جناح المكتب السياسي حضورنا نحن أعضاء اللجنة الإدارية للمؤتمر وتفاصيل ذلك كتب عنه الكثير حيث من المفارقات أننا اعتقلنا 34 شخصا في حين كوفئ جناح المكتب السياسي بدخول 34 شخصا للبرلمان ،في هذه الفترة قضيت ثلاث سنوات من جديد بالسجن .
بعد 21 سنة وبعد رحيل الحسن الثاني اعتقلت من جديد في عهد الملك محمد السادس هل تعتقد أن مشاركتك في الوقفة الاحتجاجية ومساندتك للمعطلين هي السبب في اعتقالك ؟
ليست الوقفة هي السبب ولكن إفسادنا لمخطط المصالحة كما يريدون ،وكنت في البداية أظهر وكأنني متطرف في نظر مجموعة من الاخوان ،لكن الوقت أكد أنني كنت على حق ، وبالفعل اعتقالي لم يحرج النظام وحده ،بل الإحراج وقع لحزب الطليعة وللمنتدى المغربي للحقيقة والانصاف وللكونفدرالية وللجمعية المغربية لحقوق الانسان ،وبالمقارنة مع دوري في الوقفة مع ماقام به المشاركون يعتبر لاشيء ،أعود وأقول أن الكشف عن مجموعة من الملفات وعن تاريخ المعتقلات السرية وبعض المقابر الجماعية ،كان عكس ما يقدمه النظام من نموذج للمصالحة ، إذن كان رفضي للمصالحة بالطريقة المغربية والتصدي لها هي السبب الحقيقي لها ، حتى أصبح النظام محرجا من ذلك ،جاءت الانتخابات فقيل قد أفسدها من جديد فكان خيار اعتقالي وليس المشاركة في الوقفة التضامنية التي نظمت للتضامن مع معتقلي فاتح ماي ،قدمت ضريبة عن مواقفي لكن نتائجها كانت أكبر من اعتقالي إذ أصبح يناقش من جديد موضوع المقدس في المغرب ، ورفع مستوى النقاش السياسي مجددا.
منطقة تادلة أزيلال من المناطق التي شهدت محطات كبرى من تاريخ المغرب كيف تقيم تاريخها خاصة وأن أغلب المحطات والاعتقالات التي تعرضت لها كانت بهذه المنطقة ؟
منطقة تادلة أزيلال معروفتان بالنضال،أولا لأنها جاءت في منطقة وعرة ،بالإضافة إلى وعي ساكنتها ،وأقصد رجل الشارع بالمقارنة مع نظيره في مدن أخرى من المغرب، فالمنطقة مسيسة في الغالب ،بالإضافة إلى أن ساكنة المنطقة حافظوا على شهامة أهل الجبل وتعلموا حيل وألاعيب السهول،فرجل الشارع بإمكانه أن يناقشك في القضايا الكبرى للبلاد ،لكن المؤسف أن أبناء المنطقة لايكتبون تاريخهم الغني والمجهول في أغلبه عند غيرهم، لقد طالبنا أن يشمل هذه المناطق التعويض المناطقي نظرا لما عاشته من تهميش وانتقام من ساكنتها بسبب غضب النظام عليها ،والدليل أن لامشروع كبير أقيم بالمنطقة ،لكن فكروا بالمقابل في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ليست سوى عملية ترقيعية ،بدل المبادرات الحقيقية المبنية على قواعد صحيحة ،فماذا سينمي صندوق نحل أو 5 نعجات لأسر تعيش تحت عتبة الفقر ؟
لماذا لم تطالب بالتعويض عما لحقك خلال سنوات الرصاص ؟
مسألة طبيعة أن لاأطالب بالتعويض لأكون منسجما مع نفسي وقناعاتي ،لكن ما أؤاخذ عليه مجموعة من الإخوان أنهم يريدون المصالحة مع النظام بالطريقة المغربية .نحن جزء من العالم الذي يعيش موجة من الدمقرطة ،لكن المصالحة عندنا يراد لها أن تكون مغربية في كل شيء وذلك بمنح مايشبه الصدقة للمتضررين دون الشروط التامة للمصالحة ،العالم عرف محطات انطلقت بمرحلة جبر الضرر ووصلت للاعتذار ثم العدالة الجنائية ثم أخيرا العدالة الانتقالية ، هذه الأخيرة تقتضي أن يطلب الجلادون لصفح ويعفو عنهم الضحايا ،مع استثناء أن من لايريد الصفح له الحق في اللجوء للعدالة ،فاتفاقنا على العدالة الانتقالية في المصالحة لايعني تعويض المتضررين فقط بل يجب أن يعتذر النظام أيضا عن جرائمه وما ارتكبه في حق الشعب المغربي ، وهو مايرفضه النظام ، الذي لم يحاكمه الشعب ولم ينزع منه السلطة فقط نطلب منه الاعتذار عن جرائمه ، وعندما نطالب باعتذار الملك فهذا هو السقف الأدنى للمصالحة كما هو متعارف عليه دوليا ،لابد للصالحة أن تكون حقيقية وليس بشراء الذمم بالأموال ،وأنا شخصيا لست مستعدا أن أتلقى أموالا دون تحقق المصالحة الحقيقية ، قد أبدو للبعض متطرفا لكن هذه حقيقة الأمور لذلك أرفض التعويضات المالية لأبقى منسجما مع قناعاتي وفق ماتقتضيه الأخلاق .
ماتعليقك على ما نشرته بعض الجرائد من أن الملك لايعرف بوكرين وان إحدى الشخصيات السامية من توسط لك لطلب العفو عنك ؟
هذا ليس صحيحا ولكنه أسلوب لتصريف الأزمة التي وقع فيها النظام باعتقالي ، قضيتي معروفة دوليا ، وما لقيته قضيتي من مؤازرة ومن تعاطف و ضغوطات دولية وتعبئة وطنية هي التي عجلت بإطلاق سراحي، لقد قام وفد من القضاة بأوربا بزيارة للقصر وطرحوا عليهم قضيتي ،فالقول إذن بتدخل إحدى الشخصيات والتوسط لي لدى الملك الهدف منه حفظ ماء الوجه ليس إلا .
كيف تقيم مشاركة حزب الطليعة لأول مرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟
أنا من مؤسسي حزب الطليعة ، ولايمكن أن أقوم بتكسير ماقمت بالمساهمة في تأسيسه ،لكن هذا لايمنع من القول أن الاخوان ارتكبوا خطأ جسيما في حق الشعب المغربي بالمشاركة في الانتخابات ،وعليهم ان يقوموا بالنقد الذاتي ،فالمشاركة في ظل الدستور الحالي عبث ،بعد مضي 50سنة على الاستقلال ماالذي تحقق لاشي وهذا أمر لايعقل ،ولست أعني حزب الطليعة لوحده ،ولكن آن الأوان لتقوم الأحزاب التسعة الديمقراطية بأن تقدم نقدا ذاتيا كبيرا لأنها أجرمت في حق الشعب المغربي بما فيها حزب الطليعة ،فالكل أجرم في حق الشعب ،لأن الكل يعرف أن الدستور الحالي يمنعك من تحقيق أي شيء من وعودك للناخبين ولو فزت بكل المقاعد داخل المجالس المنتخبة وداخل البرلمان ،نعم قد يكون التواصل في الحملات الانتخابية من وسائل تأطير الجماهير ،لكن المشاركة في الانتخابات مصيبة أكبر لأنها تزكية للعبة ، ومزيد من منح المشروعية لما هو قائم .
عشت عشرة أشهر عصيبة داخل السجن كيف كان الوضع بالسجن وأنت في سن الثالثة والسبعين ؟
لقد استفدت كثيرا من عشرة أشهر التي عشتها داخل السجن ،اكتشفت عالما جديدا في المغرب الحديث ، زنازن ضيقة جدا لاتحترم شروط الآدمية واكتظاظ كبير يكذب التصريحات الرسمية التي أدلى بها وزير العدل عبد الواحد الراضي ، ففي الزنزانة التي كنت بها كنا 18 فرد في زنزانة من 18 متر مربع(طول الزنزانة 6 أمتار وعرضها 3 أمتار) وقد كنا محظوظين بالمقارنة مع عنابر وزنزانات أخرى حيث كنا نتوفر على شبر لكل معتقل وفي أحسن الأحوال على مقدار قبر"شبر وأربعة أصابع" أما المعتقلون الآخرون فكانوا يتوفرون على أقل من شبر لكل معتقل ،ففي سجن بني ملال تركت ما يقارب 690 سجين في سجن طاقته الاستيعابية لا تتعدى 186 حسب ما هو مصرح به رسميا .،كما أن وضعية السجناء كارثية بترويج "كوارث " والمتاجرة بها داخل السجن ، والغريب كما سبق وقلت أن مؤسسة سجينة تضم مئات المعتقلين ،لا وجود لقلم جاف واحد ،واستغربت أن المعتقلات التي مررت منها في السابق سواء في بداية الستينات والسبعينات والثمانينات كانت الأقلام والدفاتر موجودة بوفرة ،أما اليوم وكأنك تبحث عن شيء عزيز المنال ما علاقتي بالسجناء فإن أكثر ما فاجأني تعاطفهم معي ،بل كان تعاطف بعضهم أكبر من تعاطف المناضلين ، كانت لحظات وداعهم لي أثناء استكمالهم عقوبتهم لحظات إنسانية لا تنسى .
بعد تجربة طويلة هل ندم بوكرين على شيء قام به وتمنى عودة الزمن لتداركه؟
بالعكس لست نادما على أي شيء ،أما بخصوص الأخطاء ،فمن لايخطئ من يرتدي منامته ويلبث في بيته ، لقد كنت في تنظيم سياسي انضبط لقراراته ولما اتفقنا عليه ، لكن هناك أخطاء عامة وقعت منها أخطاء الفقيه البصري الذي ارتكبها عن سوء تقدير ،حيث ضيعت مناوشاته مع النظام فرص عديدة على المغرب في محطات كبرى .
المحكمة ترفض ملتمس المحامين بتمتيع بوكرين بالسراح المؤقت
الدفاع يقدم دفوعات شكلية تستغرب تمييز بوكرين عن باقي المعتقلين
الدفاع يقدم دفوعات شكلية تستغرب تمييز بوكرين عن باقي المعتقلين
المصطفى أبو الخيرنشر في المساء يوم 31 - 08 - 2012
محمد بوكرين المقاوم، والمعتقل السياسي الذي قضى 16 سنة في السجن خلال حكم الملوك الثلاثة (محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس)، فسمي معتقل الملوك الثلاثة،
وشيخ المعتقلين السياسيين بالمغرب، شارك في التخطيط لعمليات جيش التحرير في فترة الاستعمار الفرنسي والإعداد للثورة المسلحة الأولى ببني ملال في مغرب الاستقلال سنة 1960، اعتقل مرات عديدة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قبل أن يتم اعتقاله في سنة 2007، وهو في سن الثانية والسبعين. كان أول من أعلن عن وجود معتقل سري اسمه تازمامارت. يعتبر من أشرس المعارضين في تاريخ المغرب المعاصر، الذي لم تزده السنون إلا إصرارا على مواقفه ودفاع مستميت عن قناعاته، إلى أن توفي في خامس أبريل من سنة 2010. عاش برئة واحدة بعدما فقد الأولى بسبب التعذيب في المعتقلات السرية، نعيد رسم مسارات الرجل ولمحات من حياته في هذه الحلقات:
كان ملتمس أحمد بنجلون فرصة مناسبة ذكّر فيها بماضي رفيقه محمد بوكرين، متّهما النيابة العامة بالجهل بماضي الرجل ومؤكدا أن ما اعتبرته النيابة العامة سوابق، وكان في كل مرة يُلمّح إلى موقف حزبه بقبول المشاركة في الانتخابات وبكون القضية فعلا ستؤثر على صورة الحزب بين مناضليه أولا والمتعاطفين معه.. خاطب بنجلون الرئيس قائلا «السيد الرئيس، بوكرين وفاضل يعرفان أنهما شخصان ناضجان وليس كما يحاول البعض تصويرهما. السيد الرئيس، لقد مررنا إلى مرحلة أخرى هي.. وهذا الملف سيؤثر على العديد من القضايا»..
فنّد أحمد بنجلون، في ملتمسه، الدفع في الاتهام بحالة العود، مؤكدا أن ما اعتبرته النيابة العامة سوابق خرج فيها محمد بوكرين بالبراءة مثل أحداث ثورة القائد البشير، رغم قضائه سبع سنوات في السجن، «ثم تأتي بعد ذلك أحداث 1973.. هذه القضايا كان فيها فعلا ما كان ولكن قلنا إنّ هذه جنح وليست جرائم. ثم إذا تكلمنا عن حالة العود فهذه فيها تقادم، ومنها أيضا 1981 وآخرها 1983، وحتى أنا كنت فيها مع بوكرين من بين المعتقلين، فحالة العود تكون في ملفات معينة، والحالة التي أمامنا فيها تقادم، إضافة إلى أنها جنح وليست جرائم».
طالبت ممثلة النيابة العامة بتأخير الجلسة في بدايتها من أجل إدلاء بعض المتّهمين بملف السوابق العدلية، وهو ما دفع أحمد بنجلون في ملتمسه إلى الاستغراب، متحديا النيابة العامة أن تستطيع الإتيان في ملف أحداث ثورة القائد البشير «بأي وثيقة تثبت أن هذه من السوابق، بل أتحدى أيا كان أن يأتينا بوثيقة تخص هذا الملف وتؤكد أنه من السوابق العدلية، ثم إن هذا الملف كان جنحة ولم يكن جريمة».
وفنّد بنجلون تحجج النيابة العامة ب«حالة العود، التي وضعت خصيصا لبوكرين».. وقال بنجلون، مخطبا رئيس الجلسة: «يجب اعتماد قرينة البراءة، هذا الرجل تتعامل معه النيابة العامة باستثناء، بوضعه في السجن، ثم البحث له، بعد ذلك، عن تُهَم تناسبه، والنيابة العامة لم تراعِ هنا أيّ ظرف، سواء السياسية أو القانونية أو حتى أوامر من تأتمر بأوامرهم.. وإذا كان هناك من يحترم القضاء فهو بوكرين، ولكنْ «غيرْ هو تيهضرْ بواحدْ الطّريقة فجّة شي شْوية فالهضرة»..
كان آخر ما قاله أحمد بنجلون في ملتمسه يومها: «لكي أختم، سأذكّر بحادثة وقعت في سطات قبل سنوات، في سنة 87 تقريبا، لن أقول شيئا، سأترك الإخوان يُقدّمون دفوعاتهم الشكلية ويُغَنّون حتى صباح الغد.. ولكنْ سأقول إن مناضلا حضرتُ محاكمته الاستئنافية، فقلت حينها للرئيس، أنا جئت ضيفا عندكم إلى الشاوية، وأريد شيئا وحيدا، أريد أن أرجِعَ معي هذا الرجل إلى أبنائه، وذلك ما تم في آخر الجلسة.. واليوم، أعيد نفس الطلب: السيد الرئيس، ألتمس، نظرا إلى سن هذا الرجل وظروفه الصحية، قبل أن توجّهوا له التّهم، أن تقرروا متابعته في حالة سراح، كبقية المتابَعين في نفس الملف».
رفضت النيابة العامة ملتمس الدفاع بتمتيع محمد بوكرين بالسراح المؤقت، قبل أن ترفض هيئة المحكمة نفس الطلب.. كانت الجلسة الأولى يوم 11 يونيو 2007، وشهدت المحاكمة حضور عدد كبير من المحامين من جل هيآت المغرب، حيث سجل 133 محاميا مؤازرتهم للمتابَعين في هذا الملف.. ولم يتمكن النقيب عبد الرحمان بنعمرو وأحمد بنجلون وعبد الفتاح زهراش وأحمد الصبار وغيرهم من إقناع هيئة المحكمة في بداية الجلسة بتغيير القاعة الصغيرة التي احتضنت أطوار النقاش الأولي قبل بدء الدفوع الشكلية، ليتم تأخير الملف إلى آخر الجلسة، التي استمرت أزيدَ من ثلاث ساعات، حددت الجلسة الثالثة للمحاكمة بعد أسبوع، كان ذلك يوم الاثنين، 18 يونيو 2007.
وسط حرارة مفرطة وفي قاعة ضيّقة انطلقت جلسة المحاكمة الثانية يوم 18 يونيو 2007 بداية من الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال. كان عدد المحامين داخل القاعة الصغيرة رقم 3 أكثر من 50 محاميا، قدِموا من مختلف المدن والهيآت، الرباط، خريبكة، مراكش، بركان، وجدة، طنجة، الجديدة، آسفي، الناظور، الرباط، الدار البيضاء وفاس، إضافة إلى هيأة بني ملال، التي تضمّ أقاليم أزيلال والفقيه بنصالح.
كانت أولى المفاجآت التي تنذر باستمرار الوضع تخلُّف الشاهدين عن الحضور. كان أحد الشاهدين «عون سلطة» يدعى محمد فوزي، بينما كان الشاهد الثاني مواطنا من قصبة تادلة. رفض عون السلطة استلام إستدعاء الحضور للجلسة. طالبت النيابة العامة بالإدلاء بالبطاقة الوطنية للمعطلين الأربعة المتابَعين، إضافة إلى إسماعيل أمرار، ليشرع القاضي في
التأكد من هوية جميع المتابعين. تقدم الدفاع بملتمس، مطالبا بتغريم الشاهدَين لعدم حضورهما طبقا للقانون. كما طالب النقيب بنعمرو بالاطّلاع على الوثائق المضمنة في المحاضر وعلى وثيقة الأمر بالاعتقال. وسجَّل غياب الإرسالية ذات اللون الأصفر، التي تحمل رقم: 4088/ 5 -6 -07 من الملف، وسجل أسفه واحتجاجه على الظروف التي تمر فيها المحاكمة، والتي تميزت بكثرة المحامين وبارتفاع عدد الجمهور المهتم المتابع لأطوارها، الشيء الذي يفترض توفير شروط مريحة، في مقدمتها قاعة تليق بحرمة القضاة وبراحة المحاماة. احتج الدفاع على منع حضور عضوين من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان انتدبتهما الجمعية لمتابعة أطوار المحاكمة..
بعد النقيب بن عمرو، تدخل المحامي علي عمار، عن هيأة الرباط، متسائلا عن علنية الجلسة، التي لم تكن متوفرة، وعن حق الدفاع. تدخل المحامي محمد طارق السباعي، من هيأة الرباط، ركز في مرافعته على الظروف الاستثنائية التي تمر فيها المحاكمة وبالإنزال الأمني وتطويق للمحكمة ومحاصرتها وعن انتقاء الحضور..
وتعقيبا على المتدخلين السابقين، اعتبرت النيابة العامة أن مطلب الدفاع بدخول منتدبي الجمعية أمرٌ خارجٌ عن اختصاص الهيأة ولا علاقة له بالقضية المطروحة.
واعتبر النقيب الحلماوي، من هيأة بني ملال، تدخل النيابة العامة مفاجئا، عندما ادّعت عدم الاختصاص، عكس ما يثبته القانون الجنائي، وذكّر ب»الحصار المضروب حول المحكمة وبكون المحاكمة سياسية ومحاكمة رأي، لذلك فالجلسة خارجة عن شروط القانون، بجعلها سرية».
وذكّر الأستاذ محمد الضو، من هيئة بني ملال، في دفوعاته ب»نية الدولة في الاعتذار عما وقع في الماضي باعتباره تجاوزات، فكيف يعقل، إذن، أن يعتبر سوابق ما تم الإقرار بكونه تجاوزات، تستند إليها النيابة العامة لمتابعة الموكلين؟»..
اعتبرت هيأة الدفاع، أثناء تقديم الدفوعات الشكلية المتعلقة بالحراسة النظرية لمحمد بوكرين، أن حالة التلبس منعدمة، على اعتبار أن المتابعين -حسب المحاضر- اعتقلوا جميعا يوم 6 يونيو بين ال10 صباحا والسادسة مساء وليس يوم 5 يونيو، مما يتنافي وشروطَ حالة التلبس. كما تم تقديم محمد بوكرين للمحاكمة في حالة اعتقال، بمبرر غياب ضمانات حضوره، مما يطرح التساؤل حول الضمانات التي استندت إليها المحكمة، والمتوفرة في المتابَعين الآخرين، والتي منحتهم فرصة المتابعة في حالة سراح، والتي لا تتوفر بالنسبة إلى بوكرين»..
وقد ضمّت لائحة المتدخلين من هيأة الدفاع، يومها، كلا من عبد السلام الشاوش، من هيأة الرباط، والأستاذ برزوق، من هيئة آسفي، والأستاذ الغنوس، من هيئة مراكش، والأستاذ الشنتوفي.

.jpg)


.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق