الظاهرة الدينية*الرفيقة حكيمة الشاوي
يقول كرامشي : " ان كل دين .. هو في الواقع عديد من الأديان المختلفة والمتناقضة غالبا .. "
وهذا راجع اساسا لان الظاهرة الدينية هي نتاج للبناء الفوقي للمجتمع الذي تواجدت فيه وانعكاسا للواقع الاجتماعي .. مما يمنحها الطابع المتناقض والذي يخضعها للتأويل .. فينتج عن ذلك اختلاف وتعدد الرؤى والتصورات .. يصل حد التناقض احيانا داخل الدين الواحد .. فنجد أنفسنا أمام أديان ..
والتأويل الديني نوعان أساسيان :
* وتأويل يهدف إلى تفكيك التناقض ، وتغيير الوعي ، من اجل تغيير الواقع ..
تبعا لهذا يصبح التأويل الديني أداة في يد كل طبقة ، توظفه في صراعها الطبقي من اجل بلوغ أهدافها، كما عبر عن ذلك إنجلز حين قال :
" وان كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها .. ولا أهمية تذكر لما اذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التي يتبناها كل منهم ام لا .. "
لهذا ينبغي أثناء تحليلنا لظاهرة التأويل الديني ، التركيز على مصدر التأويل اي الطبقة او الفئة او الجماعة أو الأفراد الممارسين للتأويل.. وهدفه.. هل هو تغيير الواقع ؟ ام تبريره .. حسب المصلحة الطبقية لهم ..
وبما أن المصلحة الاجتماعية والطبقية تكمن وراء التأويل الديني ؛ فإن الصراع يكون حاضرا بحدة .. واحيانا شرسا ، ويلجأ فيه الأطراف المتشددة إلى الخطاب الديني المتطرف ، وإلى الفتاوى الدينية / السياسية ، وإلى التكفير والاغتيال ، وهناك سلسلة من الشهداء في التاريخ العربي الإسلامي ، تشهد على ذلك ، منهم : ( ناجي العلي ، وفرج فودة ، وحسين مروى ، وعمر بنجلون وغيرهم كثيرين .. )
وعليه فإن ما يهمنا اليوم ، ودورنا كقوى تقدمية ويسارية في العالم هو إخضاع الدين لمنهج التحليل المادي الجدلي التاريخي .. اي "نقد الدين" في جانب الممارسات الطقوسية الخرافية ، والثقافية والفكرية والسياسية ، والمؤسسات الاجتماعية ، والمجموعات البشرية الدينية ، نقذها بهدف فضحها ، وازالة القداسة عنها ، وتغييرها .. لأنها ليست ثابتة ..
في هذا الصدد يقول حسين مروة في مداخلة تحت عنوان :
" مقدمات أساسية لدراسة الإسلام " :
" انه في الارتباط مع الثرات هناك اتجاهان في هذا الموضوع ، أولهما يقدس الماضي لذاته لانه ماضي وحسب .. والاتجاه الثاني ، اتجاه نقدي ثوري يعارض نزعة التقديس للماضي، بل ينظر إليه في إطار القوانين العامة لحركة التطور التاريخي .. "
فأين يتموقع اليسار التقدمي المناضل من هذا .. ؟
وما هو دور الحركة التنويرية الدينية في ذلك .. ؟
وللحديث بقية ، في تدوينات لاحقة ..
حكيمة الشاوي
نقد الدين ، بين الماركسيين وفلاسفة التنوير : ماهي نقط الاختلاف ونقط الالتقاء بينهما .. ؟ لقد خاض فلاسفة التنوير خلال القرن 18 في فرنسا ، حربا شعواء ضد الدين ( المسيحي ) ، باعتباره كان يشكل عقبة أمام العقل ، وعائقا نحو آفاق الحرية.. وقد انصب ذلك النقد على جانبين مختلفين ومتكاملين : 1) النقد الفكري والمعرفي للدين باعتباره يغدي الجهل ويعتمد عليه ، ويكرسه ، فيصيب بالشلل الفكري ، والابتعاد عن التحليل العلمي .. لان منهج الوصول إلى الحقائق مختلف بين العلم والدين : الاول يعتمد الملاحظة واستعمال العقل .. والثاني يعتمد النصوص المقدسة.. ولهذا ربط التنويريون بين نقد الدين ونشر الثقافة العلمية.. 2 ) النقد الأخلاقي والسياسي لدور الكنيسة الكاثوليكية المتحالفة مع النظام الإقطاعي والتي تستعمل الدين لإرهاب العلماء والمفكرين الأحرار ، وتنشر أغلال الفكر الغيبي والخرافي ، وتمنحهم املا زائفا في النعيم في الحياة الأخرى، يلهيهم عن تغيير ظروف حياتهم التي يعيشونها .. ولهذا اعتبر فلاسفة التنوير محاربة "الظلامية الدينية" هي شرط لتحرير الإنسان.. وقد شكل الفكر التنويري رافدا من الروافد لفكر ماركس وانجلز .. مع اختلاف كبير في النقد الماركسي للدين الذي كان أكثر عمقا وجذرية وأكثر تسامحا : 1 ) الدين ليس قوة تاريخية مستقلة في حد ذاته ، وإنما هو نتاج المجتمع ، ولا ينبغي التعامل معه بمعزل عن بقية جوانب الواقع المادي والاجتماعي .. 2 ) يتفقان في كون الجذور الأولى للعقيدة الدينية تعود إلى خوف الإنسان من الطبيعة وعجزه أمامها وجهله بها ، لكن الدين في الماركسية هو تعبير عن اغتراب الإنسان حين لا يستطيع تجاوز القيود التي يفرضها المجتمع الطبقي على وجوده وحياته .. فيصبح الدور الرئيسي للدين عادة هو إضفاء الشرعية على العلاقات الاجتماعية القهرية القائمة في المجتمع.. الا ان الامر اعقد من ذلك .. ففي مجتمع ينال فيه الدين تأييد المضطهدين ، يمكن لحركات التمردية او حتى الثورية ان تتخذ صبغة دينية عن طريق تطويع الأيديولوجيا الدينية بما يتلاءم مع مصالح الجماهير .
"الدين افيون الشعوب"
انها العبارة الشهيرة التي كثيرا ما تم فهمها سطحيا ؛ وتشويه معناها الحقيقي من طرف اعداء الماركسية سواء المتدينين او غير المتدينين معا ..
ان هذه العبارة كثيرا ما فصلت عن سياقها العام وفهمت على انها رفض كلي للدين ولدوره الجدلي ..
وقد وردت العبارة في مقالة ماركس تحت عنوان : نحو نقد لفلسفة الحق الهيجلية سنة 1844 ، جاء فيها :
" ان الهم الديني ، هو في نفس الوقت تعبير عن هم واقعي ، واحتجاج على هم واقعي ، ان الدين هو آهة الخليقة المضطهدة ، هو قلب عالم لا قلب له ، مثلما هو روح وضع بلا روح ، انه أفيون الشعوب " .
فالدين وفق هذا المفهوم ، بقدر ما يعكس واقعا معينا ويبرره وربما يضفي الشرعية عليه ، فهو أيضا يمثل احتجاجا وثورة على ذلك الواقع ورفضا له ..
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك موقف متناقض من الدين ، إلا أن ذلك يرجع بالأساس إلى الطابع المزدوج والمتناقض للظاهرة الدينية عامة ..
فالمسيحية مثلا كما لاحظ ماركس وانجلز ، كانت في الأصل حركة المضطهدين ظهرت في أوساط الفقراء والعبيد المحرومين من الحقوق في الإمبراطورية الرومانية ، قبل ان تتحول إلى قلعة الإقطاع في أوربا القرون الوسطى..
وقد صاغ ماركس عبارته السابقة خلال تحليله للحركة الفلاحية الثورية المعادية للاقطاع في القرن السابع عشر ، والتي اتخدت شكل الهرطقة الدينية .. لان الشيوعية لم تكن ممكنة من الناحية الموضوعية في ذلك الوقت ، ولأن الصراع من أجلها بالتالي لم يكن ممكنا ان يتحقق في المستقبل ..
يبدو اذن ان الموقف الماركسي أكثر تفهما وتسامحا إزاء الدين من الموقف التنويري ، وايضا أكثر جذرية منه ..
وسوف أعود لتوضيح ذلك في تدوينة مقبلة ..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق