جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

موجع رحيلك، لا يمكن تقبله وإن حاول الزمن عبثا أن يفعل فعله.الرفيقة الفى بعزاوي عن الرفيق برهان بعزاوي

 موجع رحيلك، لا يمكن تقبله وإن حاول الزمن عبثا أن يفعل فعله.الرفيقة الفى بعزاوي

عندما سمعت الخبر، عجزت حرفيا عن الكلام ولم أتمكن حتى من كتابة بعض الأسطر لأعبر عن حجم خسارتنا جميعا، وكأني بالكلمات كلها لن توفيك حقك ولن تعيد الواقع أدراجه.
عشت وإياك تجربة رائعة على المستويين الذاتي والموضوعي نحتت جزءا من الأنا التي صرتها اليوم. كيف لا وقد كنت تركيبة استثنائية و معقدة بشكل جميل.
برهان، الرفيق الذي جعل التنظيم كل حياته والنضال نمط عيش. برهان، الرفيق الذي لا يقبل أن يكون حزبه غائبا عن أي محطة نضالية وإن أتى على نفسه وطوع الظروف للتمكن من ذلك. برهان، الرفيق الواضح والمباشر إلى حد يصل إلى سلاطة اللسان عند البعض،كيف لا وأنت القائل " أمام المواقف لا نطلب ود أحد" ؟ برهان، الرفيق وإن اختلف في موقف أو تكتيك، تشبث بشراسة بحقه في النقاش دون أن يتوقف عن الممارسة... برهان، الرفيق الذي كان يلتهم الكتب التهاما فكان عندما يتعب من قراءة كتاب نظري ما تكون رواية من روايات أدب السجون أو الواقعية الاشتراكية متنفسه لتكسير النسق والعودة بنهم للكتاب الأول. برهان الذي كان حريصا على رفاقه للقراءة والتكوين، فيكاد لا يمر يوم دون أن يقترح علينا كتابا أو نصا للقراءة، وإن كتب في موضوع ما طلب رأي رفيقاته ورفاقه بقطع النظر عن تجربتهم وسنهم، فالكل رأيه مهم. برهان الأممي بامتياز، كان يتابع بكثب كل المستجدات في جانبها السياسي والفكري أيضا، فكان يرسل لي في كل مرة نصا ويلحقه بالرسالة التالية " ترجميلي خلي نقرا".
برهان، ذلك المثقف العضوي الذي طالما ربط القراءة بالنضال، والفكر بالممارسة فكان يعيش ويمارس قناعاته وفكره في حياته اليومية ليكون بذلك الرفيق الإنساني حد النخاع.
أذكر يوما أن أحد رفاقنا الشباب كان مهددا بالطرد من منزله حيث لم يوفر الإيجار فأصر برهان على دفع المبلغ المالي عنه وبعد أسبوع عند الاجتماع في منزله وجدنا الكهرباء مقطوعة لأنه لم يسدد الفاتورة. برهان كان ذلك الانسان الذي يحرم نفسه حتى يكون رفيقاته ورفاقه مرتاحون قدر الإمكان. كان محبا للتسوق، ففي كل "سوق ثلاثاء" كان يخرج باكرا ويتجول فرحا بتواجد ذلك الكم من الناس مجتمعين في نفس المكان، وكان في كل مرة يختار شيئا نادرا ليكون عشاء للرفاق كل ثلاثاء، فمرة كانت " دوارة" ومرة كان " ولد بحر" وأخرى " ببوش بحر" ووو
برهان الذي حرمته ظروف النضال والسرية من العائلة واضطرته للغياب عن جنازة أمه، جعل من رفيقاته ورفاقه عائلة موسعة ورد الفعل على قسوة ما مر به بأن تحول إلى إنسان يغدق من يحيط به حبا وإحاطة. كم كنا نجتمع حوله ليلا ونرجوه للحديث عن تجربة السرية والسجن، فكان تواضعه - تواضع الشيوعي الذي يرى أن تجربته ما هي إلا امتداد لتجارب الشيوعيين حول العالم، وأن ما قام به ليس سوى واجبه- يجعله يرفض في البداية ثم يرضخ أمام بريق الفضول في أعيننا وتعطشنا لمعرفة تفاصيل هكذا تجربة معتمدا أسلوبا هزليا يغطي به أوجاع التجربة مع شيء من حياء المتواضع المتحدث عن ذاته. وكانت كل هذه الحكايات تنتهي إلى شحن الرفاق واستنهاض العزيمة للمواصلة ولاستكمال مسيرة أجيال ممن قدموا التضحيات ولازالوا. كل من يعرف برهان، يعرف مدى صدقه وقناعته عندما قال " حتى الموت شيوعيون، والقادم ثورة". كم أشتاق لنقاشاتنا التي تصل حد "العرك" في أغلب الأحيان وتعود القلوب لصفائها حال انتهاء النقاش. كم أشتاق جنونك وأنت تغني في شوارع المدينة بأعلى صوت أغاني البحث ومارسيل والشيخ وسميح شقير وتقول " هم يفرضون نمط عيشهم، فلنواجه بثقافتنا البديلة"...
برهان الصادق والنقي على كل المستويات، حتى في الحب. وكانت قصائد درويش ومعين ومظفر واللغماني وغيرهم - وهو الذي أحب أبياتهم وحفظ الكثير منها- هي بمثابة قصائد حب، فهو لم يرى الحبيبة خارج صورة الرفيقة الاستثناء التي تقاسمه الحب والحلم بالثورة. وطالما انتقد ما اعتبره جفافا ولم يستوعب قط أنه كان رومنسيا بالشكل الفريد خاصته، وهل هناك أجمل وأعمق مما قال عن الحبيبة " وأتوه في درب وتبقى هي الدرب"؟
برهان، هذا الكل الذي إن عايشته عن قرب، وبقطع النظر عن طبيعة العلاقة، فلن تتمكن من تقبل رحيله...
تتزاحم الذكريات وأنا أخط هذه الأسطر... تتدافع... وفي خلفيتها صورتك بتلك الابتسامة الجميلة، الساخرة، الحالمة والمتخنة بالثقة والقناعة. وتنتهي جميعها إلى معاهدتك بالثبات واستكمال المسيرة.
مازالت كلمات أختك الصغرى والمقربة جليلة منذ أربع سنوات حين قالت " ما تنسوشي، وكملو لي بداه برهان" يتردد صداها في أذني ولازلت أجيبها يوميا "ذكراه فينا مقاومة"...
مازال في الدرب درب، عزيزي الرائع.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *