الحلقة الثانية من دراستي حول مفهوم التحرر الوطني.. وتطبيقاته على الوضع العربي الراهن...:غازي الصوراني
الحلقة الثانية من دراستي حول مفهوم التحرر الوطني.. وتطبيقاته على الوضع العربي الراهن...: ...........
مع قيام ثورة يوليو في مصر، ثم قيام الثورات او الانقلابات الوطنية (البرجوازية) في الجزائر والعراق وسوريا واليمن والسودان ، بدعم صريح من النظام الناصري الذي كان له دوراً رئيساً في الدعوة الى إزاحة وتفكيك الاقطاع المحلي ، ومجابهة الاستعمار والنظم الرجعية العربية ، الى جانب الموقف ضد الدولة الصهيونية ، وقد تميزت تلك المرحلة بحالة من المد القومي العفوي والرومانسي بتأثير كاريزما الزعيم الراحل عبد الناصر ، كما تميزت بشعاراتها السياسية الفاقدة للرؤى والأفكار والبرامج الاقتصادية التنموية والاجتماعية النهضوية التقدمية الديمقراطية بسبب هيمنة البرجوازية الحاكمة وحلفائها على قيادة حركة التحرر القومي ، الى جانب استمرار قمع واعتقال القوى اليسارية ومن ثم غياب دورها وتأثيرها على الرغم من تأييد الاتحاد السوفياتي غير المحدود لعبد الناصر و قضايا التحرر العربي ، وذلك انطلاقا من قناعة السوفيات بدور جمال عبد الناصر الوطني والقومي التقدم المعادي للإمبريالية واسرائيل من ناحيه ، ودوره في تطوير قدرات المجتمع المصري الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والسياسية الى جانب دوره في دعم حركات التحرر الوطني من ناحيه ثانيه ، وبالفعل كان دور القائد الراحل عبد الناصر متميزا في رؤاه و مواقفه الوطنية والقومية التقدمية بمثل تميزه في النهوض ببلده مصر و تقدمها الصناعي والاقتصادي والثقافي والسياسي ودورها العربي الريادي ، لكن القوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية انطلاقا من حرص هذه القوى على مصالحها في بلادنا ، وقفت بالمرصاد ضد كل ممارسات الراحل عبد الناصر بهدف افشال سياساته وبرامجه الوطنية والقومية التقدمية ، ذات الطابع الفردي غير الممأسس تنظيمياً وفكرياً ومجتمعياً ، الأمر الذي وَفَّر عوامل نجاح المخطط الامبريالي الصهيوني لإسقاط النظام الناصري ، وكانت هزيمه عام 1967 تتويجاً وتنفيذاً لكل تلك المخططات التي وجدت بالطبع العديد من الثغرات السلبية في البنيه السياسية والاجتماعية الحاكمة لنظام عبد الناصر خاصة بعد ان تفاقم دور البورجوازية الصغيرة العسكرية خصوصا التي شاركت في النظام الحاكم ، ومن ثم تطور دورها عبر متغيرات طبقيه انتهازيه بالتحالف مع البيروقراطية الطفيلية وبقايا الاقطاع والفئات العليا من الرأسمالية الرثة التابعة ، الأمر الذي ادى الى توفير المناخات المعادية لعبد الناصر والتي كانت احد اهم عوامل انتصار العدو الصهيوني في حزيران 1967 واضطرار الراحل عبد الناصر بعد تلك الهزيمة الى اجراء بعض التغييرات في مواقفه السياسية تجاه انظمه الرجعية العربية الى جانب استعداده للتوصل الى تطبيق ما سُمّي بـ شعار "السلام العادل" وقبوله بقرار مجلس الامن 242 ..الخ ، وفي نفس الوقت حرصه الشديد على بناء الجيش المصري بدعم غير مشروط من الاتحاد السوفياتي ، ولكن رحيل القائد الخالد في سبتمبر 1970 عن دنيانا فتح الباب مشرعاً امام القوى والأنظمة اليمينية والرجعية العربية ، خاصة السعودية ودويلات النفط ، باسم الانفتاح وتكريس التبعية الكاملة للمخططات الأمريكية/الصهيونية ، وصولاً الى اتفاق كامب ديفيد 1978 ، الأمر الذي عزز حالة المأزق في مجابهه حركات التحرر العربية عموما والفلسطينية بوجه خاص .
وبالفعل نجحت الامبريالية بالتعاون مع عملائها حكام النظام العربي في حصار وخنق حركات التحرر في بلداننا العربية وتفكيكها في شروط تُحاصَر فيها الثورة التحررية الوطنية والقومية الديمقراطية في بلادنا، سياسياً وإيديولوجياً وثقافياً وأمنياً عبر وسائل القمع والاضطهاد الممتدة حتى اللحظة في المشهد الراهن الذي تسيطر عليه القوى الكومبرادورية والبيروقراطية والطفيلية المتخلفة والتابعة (في ظل تراخي وغياب القوى الماركسية الثورية) ، وأصبح هذا المشهد – في فلسطين وكل بلدان الوطن العربي زاخراً بصور الهزيمة والهيمنة الأمريكية الصهيونية على مقدرات شعوبنا من جهة، الى جانب مظاهر الاضطهاد والاستغلال والفقر والجهل والتخلف في ظل مظاهر البذخ والفساد والامتيازات والثروات غير المشروعة للشرائح والطبقات الحاكمة من جهة أخرى.
ففي ظل استمرار سيطرة شروط محاصرة الثورة في هذا المشهد العربي المحكوم بأنظمة الاستبداد والتخلف والتبعية والتطبيع والخضوع، مع استمرار غياب التأثير الفعال للقوى اليسارية، وتزايد وتكاثر مظاهر الهبوط السياسي والانتهازية والتكيف والخضوع -في معظم أحزاب وفصائل اليسار العربي- تحت مسميات براقة وخادعة باسم الليبرالية أو الواقعية المستسلمة لشروط الواقع المأزوم والمهزوم، حيث يتم خلط المبادئ والأفكار الثورية وإفراغها من مضامينها ، بدءاً من ماهية التحرر الوطني والديمقراطي، والمشروع الوطني وثوابته وصولاً إلى الهبوط بالقضايا المجتمعية والمطلبية ، والهبوط بالرؤية الفكرية للنظرية الماركسية ومنهجها ، وانحسار النضال والصراع ضد الإمبريالية والحركة الصهيونية ، وقضايا النضال والصراع الطبقي ... الخ، وهو مناخ حاولت (وما زالت) فيه الرأسمالية وبرجوازيتها الرثة أو أدواتها التابعة في بلادنا فرض الاستسلام والركود على جميع ساحات الحياة، في كل أرجاء الوطن العربي .
وبالتالي فان دروس وعبر المجابهة والتحدي في هذه المرحلة المنحطة تتجلى في تعميق الوعي الثوري من أجل التغيير المنشود وتحقيق الأهداف الوطنية والقومية التقدمية الكبرى في التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من منظور طبقي ملتزم بالماركسية ومنهجها، لكن ذلك الهدف مرهون في تحققه بقوة الالتزام والانتماء، حيث لا يستطيع العضو الحزبي، والكادر بالذات الاستمرار بالعمل الثوري إن لم يُعلِّم نفسه ويرشد الجماهير ويسترشد بها ويتعلم منها، وإن لم ينظر للوعي بالنظرية الثورية والوعي بالواقع من اجل تغييره على أنه جزء لا يتجزأ من النشاط التنظيمي .
السؤال هنا ما هو مفهوم حركة التحرر القومي العربية وما طبيعة ازمتها وواقعها ، وبماذا يتسم هذا الواقع اليوم ؟ للإجابة عن هذا السؤال ، فإن من أولويات حركات التحرر القومي التقدمية العربية ، أن تبدأ بالواقع التاريخي الحديث للأمة العربية . وتنطلق من الملاحظة التاريخية بأن الأمة العربية جابهت الإمبريالية الغربية منذ البداية مجزأة متخلفة عارية سياسياً .
لكن على الرغم من ذلك -كما يقول د.هشام غصيب- "فإن بذور حركة التحرر القومي العربية موجودة في حركة المقاومة العربية : في مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني، وفي المقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية، وفي مقاومة الجيش العربي السوري للإرهاب المعولم ومموليه وداعميه، وفي مقاومة الشعوب العربية للنيوليبرالية وإملاءاتها ، لكن تلك المقاومة ما زالت محدودة وما زالت تفتقر إلى المضمون الاجتماعي الثوري العميق والمشروع التاريخي البديل، فمع أنه ليس هناك أمة في العصر الحديث قاومت المحتل وقدمت من الشهداء بقدر ما قاومته الأمة العربية وما قدمته من شهداء، إلا أن أمتنا أخفقت حتى الآن في تحويل حركات المقاومة العربية إلى حركة تحرر قومي عربية نهضوية تنموية شاملة، على غرار ما حدث في روسيا والصين وجنوبي شرقي آسيا وكوبا".
بالإضافة الى ذلك فإن "الامبريالية لم تكتف بإعادة رسم الحدود، وإنما خلقت أيضاً آليات في كل قطر عربي وعلى الصعيد القومي لتجديد حالة التجزئة والتبعية والتخلف، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. بيد أن الكيان الصهيوني نما محلياً وعالمياً، فأضحى مركزاً إمبريالياً في حد ذاته واكتسب دوراً أيديولوجياً عالمياً، أي أضحى تجسيداً محلياً للجناح الأكثر ظلامية في الإمبريالية العالمية. وأخذ يخطط لنظام جديد للتجزئة في الوطن العربي، فهو يسعى إلى بلقنة الوطن العربي على أسس إثنية وطائفية وقبلية ضيقة ومغرقة في تخلفها ورجعيتها . والنتيجة هي ما يحصل في العراق ولبنان واليمن وفلسطين ومصر والسودان والجزائر، والحبل على الجرار. وقد تم ذلك من أجل ترسيخ الكيان الدخيل في الأرض العربية ولجم تطور الأمة العربية والتحكم في الموارد العربية ونهبها" .
من ناحية ثانية ، "أمسك المفكر القومي الماركسي الراحل ياسين الحافظ بمفهوم التأخر التاريخي للمجتمع العربي، الذي يتجلى سياسيا بغياب الرأي العام وبكونه صاغرا وعزوفا، ويتجلى اقتصاديا بكون الاقتصاد العربي مندلقا نحو الخارج وتابعا، ويتجلى اجتماعيا بسيطرة بنى اجتماعية ما قبل قومية (طائفية، عشائرية، عائلية، محلية..)، ويتجلى فكريا بسيطرة فكر تقليدي تمتد جذوره إلى العصر الوسيط. لذلك فهو ينتقل من نقد "السطح السياسي" إلى نقد "العمق الاجتماعي" الذي يصوغ الحيز السياسي ويفرزه" ، وعلى أساس هذا الوعي فـ"القومية هي الحركة التاريخية التي ترفع سديما بشريا إلى كتلة متجانسة، متلاحمة، مندمجة، تستحق اسم الامة".
لقد انتقد ياسين الحافظ الايديولوجيا المهزومة "التقليدوية الجديدة" التي توهمت إمكانية دخول العصر بِتَجَنُّب الثورة القومية الديمقراطية أو "المنظور النهضوي" ، والقفز إلى تبني "المنظور التنموي"، فقال: "ما من شعب حقق تقدما اقتصاديا دون أن يكون قد حقق تقدما مجتمعيا وثقافيا وسياسيا".
كما كان الحافظ رائدا في التقاط عوامل هزيمة المشروع القومي العربي، حين استعاد الإشكالية المركزية للنهضة عبر سؤال "التأخر"، باعتباره ليس تخلفا اقتصاديا يمكن تجاوزه عبر التنمية، وليس مسألة فقدان أصالة الذات التاريخية التي زُلْزِلَت موضوعياً أمام التوسع الكولونيالي ، بل المسألة تكمن في التأخر كفوات حضاري يشمل كل بنى المجتمع العربي ، حيث اعتبر الحافظ التأخر هو المسألة المركزية في الواقع العربي المعاصر، لذلك انتقد الأحزاب الشيوعية ومنظروها الذين توهموا بإمكانية دخول العصر و"تجنب الثورة القومية الديمقراطية التي دشنت العصر الحديث من خلال قلبها وتصفيتها المجتمع التقليدي القديم، وعبر هذه التصفية أمكنها أن ترسي بنى المجتمع الحديث المجتمعية والأيديولوجية والسياسية وإطلاق قواه الإنتاجية".
في هذا السياق أكد المفكر ياسين الحافظ على مفهوم الوعي المطابق، أي تملك السياسات العربية للوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها، وهو وعي لا يمكن أن يتكون إلا على أرضية الحقيقة الواقعية، وليس الحقيقة التي تنطوي عليها النصوص في اكتمالها المنهجي الداخلي الذاتي. وهو ذو ثلاثة مستويات: أولها، هو وعي كوني. وثانيها، هو وعي حديث. وثالثها، هو وعي تاريخي .
والواقع -كما يقول ياسين الحافظ- "أن الليبرالية والاشتراكية ، على ما بينهما من تكامل وتناقض، وبخاصة الماركسية، ماركسية ماركس، هما الايديولوجيتان الحديثتان اللتان تقدمان مناهج وأدوات وقيم تسهل امتلاك الوعي الكوني المنشود". وحينئذ لا بد من الارتقاء من الواقع الأقوامي المفتت إلى واقع الأمة الذي يحقق الاندماج القومي، وينتج وعياً مواطنياً جديداً يستجيب لصورة الأمة/ الدولة الحديثة، في صيغة وعي قومي – عقلاني- ديمقراطي – علماني- حديث" ، فلا يمكن امتلاك وعي مطابق بدون امتلاك الحداثة ، وتطبيق مفاهيمها وأسسها حول المواطنة والحرية والديمقراطية والعلمانية والعدالة ، حيث لا يمكن الامتداد مكانياً في العصر دون الامتداد زمنياً في امتلاك وعي العصر ضمن دولة الأمة أو الدولة القومية ، بما يحقق مضامين الحداثه القادرة على التمفصل في بنية المجتمع العربي للاستجابة إلى حاجات تقدمه، عبر استلهام وتطبيق مبادئ عصر الأنوار، والثورة الفرنسية ، والمجتمع الصناعي ، والنهوض الوطني الديموقراطي السياسي والإقتصادي والاجتماعي...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق