جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

"الجثة الملغزة" .. كوكاس يقتفي أثر "خيوط العنكبوت" في ملف بن بركة

"الجثة الملغزة" .. كوكاس يقتفي أثر "خيوط العنكبوت" في ملف بن بركة

ينكأ الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، في الذكرى السادسة والخمسين لاختطاف و”اغتيال” المهدي بن بركة، جرحا مغربيا وإنسانيا كبيرا، بمحاولة اقتفاء أثر هذه الجريمة، التي مازالت كثير من البياضات الكبيرة تمنع استجلاء الحقيقة الكاملة بشأنها.

في الجزء الأول من هذا المقال الطويل، يتوقف كاتبنا عند الطعم الذي وضع لاصطياد المهدي، وعن الخطة التي طبخت على نار هادئة، وعن التقاء مصالح استخبارات عالمية متعددة، وعن مشاركة مجرمين وحماة مفترضين للقانون في هذه الجريمة.

الجزء الأول

في أي محاولة لبناء معرفة مدققة بالشهيد المهدي بن بركة يحتاج المرء إلى الكثير من الموضوعية والصدق وإلى ما تسميها زكية داوود “البراءة” في محاولة كتابة حياة هذا الزعيم السياسي الذي وشم مرحلة بكاملها، لكن كيف يمكن للمرء أن يكون موضوعيا وبريئا أمام لغة ليست محايدة، فكلمات: “شهيد، مناضل تقدمي، اختطاف، اغتيال”.. تجعل المرء متورطا في السياق السياسي الذي مازال يجذب إليه أحياء عديدين، إذ مثلما استنتج دانييل غيران في قراءته لسيرة المهدي: “هذا الميت ستكون حياته صعبة، هذا الميت ستكون له الكلمة الأخيرة الحاسمة”، لكن هل مات المهدي بن بركة حقا؟.

فللموت طقوس، شهادة وفاة وجثمان وقبر .. والأسرة لم تتسلم جثة ولا أقامت مأتما حول الجثمان، لذلك فموت بن بركة يظل موتا افتراضيا معادلا لطبيعة جريمة الاختطاف وسياقها، حتى بعد مرور كل هذا الزمن، ولهذا الغياب الطويل، ولعل هذا ما جعل زوجة بن بركة السيدة غيثة تصرخ: “هذا الانتظار تقريبا منهك”، وهو ما دفع الوزير الأول اليوسفي في استجوابه مع القناة الفرنسية “تي في 5” يوم 13/09/99 إلى القول: “لا أعتقد أن ما نعرفه الآن حول قضية المهدي بن بركة من الحقيقة المؤكدة في شيء. رأيي الشخصي هو أن المعطى الثابت والموضوعي هو أن بن بركة ركب سيارة مع لوبيز..كل ما تبقى يظل في رأيي مجرد سيناريو تم رسمه من طرف السيد لوبيز”.

ما طبيعة السيناريو الذي رسمه لوبيز؟ وما هي الاجتهادات التي حاولت بناء سيناريو الاختطاف بناء على تصريحات الشهود وعلى تأويل ملفات القضية؟ في السياق التالي نحاول رسم سيناريو عملية الاختطاف وملابساته بناء على ما تداولته العديد من الكتب التي اهتمت بالقضية في تفاصيلها، والأطراف المخططة والمنفذة ونحاول تسليط الضوء على بعض الخطوط الدقيقة في ملف اختطاف الزعيم المغربي.
العميل الشتوكي يلقي بالطعم..

بعد فوزه في انتخابات ماي 1963 بمقعد برلماني بالرباط، وبعد السياق الذي عاشه الحقل السياسي، يقرر المهدي بن بركة مغادرة المغرب يوم 15 يونيو 63. لم يكن الكثيرون يتصورون أن لحظات الوداع الأخيرة لهذا الفارس قد زفت.. متنقلا عبر عدة عواصم دولية، ظل المهدي يقود حركته المبادرة إلى تقوية التقارب بين الأنظمة التقدمية العربية وجر قاطرة المنظمة الأفرو-أسيوية والتنسيق بين حركات التحرر، إعدادا لمؤتمر القارات الثلاث بمدينة هافانا في يناير 66.

مثل بطل تراجيدي كان المهدي يسير نحو موته كقدر شخصي، لم يراوغه يوما حتى بعد حادث قلب الصخيرات، ظل يتحرك بديناميته المعهودة ومرحه المشبوب برائحة الطفولة؛ كان حلمه أقوى من كل الفخاخ المنتصبة أمام ناظريه، في الوقت ذاته كانت خيوط عملية الاختطاف تُنسج بدهاء في الأروقة السرية لأجهزة الاستخبارات الفرنسية والمغربية والأمريكية والإسرائيلية أيضا، كانت لكل طرف دوافعه، ومنذ النصف الأول لعام 65 ستبدأ أولى عمليات تعبيد الطريق لتنفيذ خطة الاختطاف، من خلال اتصالات العميل الغامض “العربي الشتوكي” الذي يرمز له تارة بـ (ه ت)، مدير أمن سابق بوجدة، وتارة بـ”الميلود. ت”، فيما يسميه لوبيز “عباس”.

هذه الاتصالات سيجريها “الشتوكي” مع فيليب بريني، الصحفي العامل بمجلة “مينوت” الذي كانت له علاقات مع زعماء الحركة الوطنية.. في مقهى السلام، سيتم إغراء الصحفي بـ40 مليون فرنك لإنشاء وكالة الصحافة التي كان يحلم بها مقابل استدراج المهدي للقاء الجنرال أوفقير. وسيقترح الشتوكي مناسبة المؤتمر الأفرو-أسيوي بالجزائر لتمرير بن بركة عبر الحدود المغربية، بدعوى أن السلطات الجزائرية ستُغمض العين مقابل تسليمها المعارض الجزائري الكولونيل صادوق، الذي يأتي عادة إلى المغرب. كان العرض مغريا، لكن بريني لم يساير الخطة، لذلك سيفكر مباشرة في فيلم حول التحرير، وسيتعرف في ما بعد على جورج فيغون الذي سيصبح الرجل المفتاح في القضية.

وفي اللقاء الثاني مع الشتوكي الذي كان برفقة فرنسي بعد أسبوع سيطَمئن العميل المغربي الصحفي بريني بأن كل شيء سيكون تحت حماية السلطات العليا الفرنسية، بتنسيق مع وزير الداخلية أوفقير. وحسب الكاتب “جان بول مارك” فإن بريني قرر ألا ينغمس في الخطة دون احتياطات، لذلك سينذر شقيق المهدي بما يحيط بالزعيم المغربي من مخاطر لضمان قربه من بن بركة، حتى إذا فشلت الخطة بقي محافظا على حسن نيته.

ولتقوية الضمانات من حوله سيحضر بريني بواسطة المحامي مراد صديق الكولونيل صادوق الذي غادر باريس حول الخطة التي وضعها الشتوكي، الذي فتح قنوات للتواصل، إذ تعرف على بوتشيش الذي قدمه بدوره لأصدقائه ووضعهم تحت إمرته.

إلهي… لا تتخل عني

لم يكن أمر تخطيط اختطاف بن بركة مقصورا على جهة واحدة، إذ في أبريل 65 سيطلب من الموساد تصفيته، إذ كلف دافيد كيمجي بتقديم الطلب، فسافر بجواز سفر بريطاني إلى لندن بحجة قضاء العطلة، ليتوجه بعد جولة إلى المغرب بجواز سفر مزور، حيث استقبله أوفقير، وصرح له وهما على مأدبة عشاء بأن ما يريد هو رأس بن بركة.. وفي اليوم الموالي ذهبا معا إلى روما حيث قابلهما “مائير عاميثّ”، رئيس الموساد، وتم الاتفاق على أن تحضر الموساد العملية. وبسبب شكوك مائير في أوفقير اشترط موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول الذي وافق على الطلب، حيث بدأ العمل بإرسال يهودي من أصل مغربي إلى جنيف، سيتمكن من التسلل إلى صف المحيطين ببن بركة، وينقل كل تفاصيل تحركاته إلى مركز اتصالات الموساد، ليتولى الأخير بعث الرسائل المشفرة إلى الجنرال أوفقير.

في بداية ماي 65 سيستضيف أوفقير بالرباط العميل أنطوان لوبيز، الذي كانت له شبكة من العلاقات الفرنسية والإسرائيلية والأمريكية وبين المغاربة، فقد كان يلقب بصديق المغاربة، وسبق لزوجته أدويت لوبيز أن انتخبت كملكة جمال للمغرب.

كان لوبيز يعمل كمخبر لشرطة الآداب بولاية الأمن وكمفتش رئيسي في الخطوط الجوية الفرنسية بأورلي، لقد استغل وظيفته لربط علاقات مع شخصيات وازنة في المغرب وأخرى إجرامية بباريس؛ وسيعتبر الوسيط الأساسي في تدبير تنفيذ عملية اختطاف المهدي بن بركة.

في يونيو 65 سيبعث مارسيل لوري مذكرة إلى جهاز الاستخبارات الفرنسي يفصل فيها المعلومات التي استجمعها عميل الأمن الخارجي لوبيز حول “استرجاع بن بركة” بمبادرة من أوفقير، وسيتم استعمال طعم الصحفي بريني الذي فاتح بن بركة في شأن مشروع فيلم عن زعماء التحرير بعنوان “كفى BASTA”، حيث ذكر اسم فرانجو كمخرج وجورج فيغون (مخبر للشرطة) كممول.

لكن مارسيل لوري لم يتلق أي جواب، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، فالسلطات الفرنسية كانت على علم بجميع التفاصيل، تنقلات المهدي، نوايا الجنرال أوفقير، واتصالات الشتوكي… فلماذا لم تقدم الحماية للزعيم المغربي؟ ولماذا لم تتبع خطوط العملية لتفادي وقوعها؟.

سيناريو الفيلم.. سيناريو الاستدراج

في الضفة الأخرى، كان بن بركة يتنقل بين عدة عواصم في أفق انعقاد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر القارات الثلاث، إذ حل بالقاهرة يوم 2 شتنبر 65، وهناك ستبدأ الخيوط الملتبسة للعملية، إذ سيسافر “اللغز المحير” العربي الشتوكي الذي ظل ينقل كل التفاصيل إلى الجنرال أفقير، ويمول تنقلات المتعاونين مع الصحفي بريني وجورج فيغون بدعوى تقديم سيناريو الفيلم للمهدي بن بركة. وقام فيغون بتسهيل تجديد جواز السفر في دقائق قياسية بمساعدة شخص يدعى فواتو، نائب الشرطي سوشون الذي سيقدم “الغطاء القانوني” لاختطاف المهدي.

في مصر، ستشعر المخابرات المصرية بتعقب شخص مشبوه (يعتقد أنه الشتوكي) لظل المهدي، وبمحاولة الفرقة الخاصة العاملة تحت إمرة أوفقير اختطافه، لذلك نصحت عائلة المهدي بتغيير مقر السكنى.

وفي 15 شتنبر بمطار أورلي بفرنسا، عندما حطت طائرة بن بركة وصديق يهودي يدعى “جو أوحنا”، هاتف الصحفي بريني. لم يكن المهدي يستشعر خيوط العنكبوت التي بدأت تنسج حوله، لذلك لم يأخذ حذره الكافي. وحسب بريني فإن العميل الشتوكي في ذلك الحين كان قد ضرب له موعدا في حانة مونطانا بسان جيرمان دي بري، رفقة شخص له هيئة مجرم ضليع، حيث اقترح عليه مبلغ 40 مليون فرنك فرنسي للمشاركة في استعادة المهدي، ولما رفض غاضبا طمأنه الشتوكي بأنه فقط أراد سبر أغواره، ودفعه ليحث صديقه بن بركة على قبول العودة إلى المغرب. وبالفعل كانت هناك خيوط للتواصل بين القصر والمهدي لترتيب العودة، إذ أرسل الراحل الحسن الثاني عمه مولاي علي في أبريل 65، والتقى بن بركة في سرية بفرانكفورت، ليعرض عليه العودة في سياق تحقيق انفراج ديمقراطي بالمغرب؛ ورغم تحفظات المهدي حينها فقد أرسل شقيقه عبد القادر إلى المغرب لترتيب عودة العائلة، لكنه وجد نفسه وراء القضبان لولا تدخل مولاي علي. وساءت الأمور أكثر بعدها، ذلك أن أحداث 23 مارس 1965 ستطرح علامة استفهام كبرى، إذ جرت الاستخبارات المغربية نحو لبس تهمة تدبير الانتفاضة للمهدي؛ ولعل هذا مصدر لغز الاستمارة الشهيرة الموجهة إلى بن بركة، التي عثر عليها ضمن الحاجيات الشخصية لمحور عملية الاختطاف جورج فيغون، وهيئت من طرف المحامي والبرلماني بيير لومارشان؛ وهي الاستمارة التي تبرز كما لو أن المهدي كان العقل المدبر لأحداث مارس 65.. فالتهمة جاهزة لتبرير الاغتيال.

بداية نسج خيوط العنكبوت حول رقبة المهدي

في 20 شتنبر سيسافر العميل “العربي الشتوكي”، منسق العمليات بين باريس والرباط، إلى جنيف، حيث يلتحق به فيغون وبريني في الطائرة نفسها التي كان بها المحامي والنائب الديغولي بيير لومارشان، الذي ادعى في التحقيق أنه سافر من أجل موكل له يدعى “إيتنبول”، ومع توالي البحث تبين أن أحد الركاب، ويدعى “إيتنبول”، سافر إلى المغرب بعد اختطاف بن بركة في 30 أكتوبر 65. ويوم 22 شتنبر وجه مارسيل لوري مذكرة أخرى إلى الاستخبارات الفرنسية يحكي فيها تفاصيل هذا السفر وترتيباته، ما يؤكد أن لوبيز كان يشتغل لحسابه الخاص بدهاء كعميل مزدوج، إذ يبلغ الأمن الفرنسي بالتفاصيل ويستفيد من علاقته بأوفقير.
ولربط حلقة الوصل بين المغرب وفرنسا، كان الماحي الغالي، وهو عميد شرطة ممتاز ، يعمل بديوان مدير الأمن المغربي بالرباط، وقريب أوفقير من جهة زوجته، ورجع يوم 5 أكتوبر 65 إلى باريس التي سبق أن سجل نفسه بمدرستها العليا للدراسات التجارية في غشت 1965 كموظف تابع لوزارة الداخلية المغربية، حيث التقى الشتوكي، أحد مساعدي الدليمي، الذي طلب منه أن يدله على منزل أنطوان لوبيز ، “ملك الخدمات المتبادلة”، الذي سيصبح دليل أوفقير الأساسي وصديقه بوتشيش، وهو مجرم خطير يدير فندقين للدعارة في باريس وآخر في البيضاء، ومعروف لدى الأمن كأحد أصحاب السوابق العدلية باعتباره ينتمي إلى عصابة “جو عطية”؛ ما يدل على أن مخططي عملية اختطاف المهدي بن بركة أخذوا يبحثون عن الأيادي القذرة للتنفيذ.

وفي اليوم الموالي سيسافر جورج فيغون والشتوكي إلى جنيف، حسب تصريحات لوبيز الذي سيلتحق بهما بعد عودة عميل مغربي جديد يدعى جبايلي، وهناك ستبدأ ترتيبات سيناريو الفيلم ومصادر تمويله التي رفض بن بركة أن تكون إسرائيلية، وعندما مده فيغون بنصف مليون فرنك فرنسي رفض تسلمها ونصح باستثمارها لصالح أعمال اجتماعية. وفي العاشر من أكتوبر سيبلغ جورج فيغون لوبيز بتفاصيل الاتصالات الجارية، الهادفة إلى استدراج بن بركة ثم اختطافه وتصفيته.

ومع توالي الأيام لتحضير عناصر الدراما الحزينة، كانت في كل مرة تبرز خيوط جديدة في القضية، منها الأسماء التي كانت تنسق في الخفاء، مثل رجل الأعمال إيلي ترجمان، صديق أوفقير، والكولونيل والمحامي النائب بيير لومارشان، الذي سيتأكد بعد وجوده في سويسرا يوم 6 أكتوبر بالقرب من محيط العملية أنه يلعب لصالح الجنرال أوفقير.

ظلت الاجتماعات والتحضيرات جارية على قدم وساق بين رجال الأمن المغاربة والعملاء والمجرمين الفرنسيين، وهكذا سيتم وضع بعض اللمسات على الخطة يوم 25 أكتوبر بمنزل أحد أصدقاء بوتشيش، حيث حضر الشتوكي ولوبيز والكولونيل عبد السلام الصفريوي والعربي الشلواتي والماحي؛ ويتعلق الأمر ببيير دوبان، الملقب بـ”بييرو”، أحد الحراس الخاصين للمجرم “جو عطية”، وجان باليس، الملقب بـ”جانو”، وجوليان لوني، الملقب بـ”ديدي الكبير”؛ بالإضافة إلى المجرم رقم واحد بوتشيش الذي سيلتحق في اليوم الموالي للاختطاف بزوجته وابنته في المغرب.

يوم 27 أكتوبر على التاسعة والنصف مساء اتصل بن بركة من جنيف بمنزل بريني، واقترح عليه تخصيص الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر لمناقشة الفيلم بعد قدومه لباريس، محددا معه موعدا للغداء بأحد مطاعم سان جيرمان، ومبلغا إياه بأنه سيكون صحبة مؤرخ شاب قد يفيد في التعاون معه. ولم يكن هذا الشاب غير الطالب الزموري، وهو ما وصل إلى علم الموساد، إذ بعث مركز اتصالاته رسالة مشفرة إلى أوفقير، يخبره بالتفاصيل.

من جهته سيقوم الصحفي بريني بإخبار فرانجو كمخرج للفيلم بإبلاغ فيغون، وفي الوقت ذاته كانت المناوشات والاتصالات تتكاشف بين مديري العملية ومنفذيها، وهكذا سيجري الشتوكي مشاورات مع لوبيز وسوشون يوم 28 أكتوبر على الساعة التاسعة مساء، لوضع آخر اللمسات.


2/3

خطوات نحو الجحيم السري

لم يكن يوم 29 أكتوبر 1965 عاديا بكل المقاييس، لا بالنسبة للمهدي، الميت/ الحي الذي كان محافظا على مواعيده دون اتخاذ احتياطاته اللازمة، وهو المناضل الثوري والرجل السياسي الذي يعرف أن رأسه مطلوب من طرف أكثر من جهة، لكن أيضا بالنسبة لمنفذي العملية ومدبريها على السواء، خاصة أن الخطة تسير نحو ساعة الصفر.. هكذا ستتوالى الأحداث بسرعة متتالية لكنها مضبوطة. في التاسعة صباحا سيتصل أنطوان لوبيز برئيسه في المخابرات لوري لإشعاره بمقابلة بن بركة لبعض المغاربة ظهر اليوم، وأنه لن يحضر إلى أورلي لاستقبال الجنرال جاكيي، المدير العام للمخابرات الفرنسية العائد من ليشبونة. وسيلتحق لوري مبكرا بأورلي رغم أن الاستقبال كان سيتم في نهاية الصباح، وفي الوقت نفسه كان المهدي يتوجه إلى المطار نفسه، وقد تم إشعار الأمن الفرنسي بمغادرته من طرف مصلحة الأمن الجوي.

بزقاق جان ميرموز يستودع المهدي أمتعته عند صديقه “جو أوحنا”، ويجري بعض المكالمات الهاتفية، في الآن نفسه كان المخبر لوبيز والمفتش الممتاز سوشون يتواجدان في فناء نوتردام، ينتظران إشارة الضوء الأخضر من مراكز السلطة العليا التي هي أوبير، مديرة ديوان وزير الداخلية الفرنسي، حسب سوشون، ولومارشان، وفق نقابة الشرطة.

يتنقل سوشون إلى مكتبه للبحث عن مساعده فواتو الذي صرح بأن المفتش الممتاز سبق أن قال له إنه سيحتاجه في خدمة تتعلق باعتقال مهرب مشهور يحمل وثائق مزورة.

على الساعة 11 صباحا، يلتقي بن بركة الطالب الزموري في ساحة شان إيليزي، ثم يتوجهان إلى سان جرمان دوبري على متن سيارة أجرة، وذلك قبل الموعد المقرر في مقهى ليب، حيث طلب منه المهدي إنجاز دراسة وتحليل تاريخي حول حركات التحرر في القارات الثلاث، بالإضافة إلى المساهمة في فيلم “كفى”، وقدم له السيناريو الذي أنجزه فرانجو. بالموازاة مع ذلك، سيطلب العميل الشتوكي من لوبيز الاتصال بالرباط ما بين الرابعة والخامسة مساء، وتحديدا بمدير ديوان الدليمي ومدير ديوان الجنرال أوفقير. محتوى المكالمة لا يتجاوز الشفرات الملغزة: “ألو طردك جاهز”، “لقد وصل ضيفك”… كانت عناصر العصابة المكلفة بتنفيذ العملية هناك قرب مقهى ليب: لوبير متنكرا، ولوني يجوب الشارع جيئة وذهابا، وفي الجانب الآخر من الشارع هناك سوشون وفواتو، البعض يطالع جرائد فرانس سوار للتمويه، والبعض الآخر يراقب حركات الطريدة، والكل ينتظر التعليمات، وفيما كان المهدي بقامته القصيرة وخطواته المستعجلة دوما كأنه يسير نحو قدره، لأنه كان يحترم مواعيده.. حتى مع قدره المحتوم، يتجول مع الطالب الزموري في انتظار الموعد، تقدم الشرطي سوشون بلوحته المعدنية على الساعة الثانية عشر والربع زوالا وقال للمهدي: “اتبعني من فضلك”، مخاطبا الزموري: “لا أنت لا، ابتعد من هنا”. محتفظا بهدوئه التام، سار المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفواتو، كانت تلك آخر نظرة للزموري وهو يرى المهدي يسير أمام “الشرطة”؛ وحسب تصريحاته، فإن تلميذ المهدي بثانوية مولاي يوسف بالرباط اعتقد أن الأمر كان يتعلق بحملة تفتيشية ضد الاتحاد الوطني، ولأنه أصيب بالرعب ولم يرد التورط في العملية، فقد ذهب للاختباء عند إحدى عشيقاته، لكن لماذا لم يبلغ الشرطة لتدارك الأمر؟ ولماذا لم يخبر أوساط الطلبة أو أحد أقارب المختطف إلا بعد وقت متأخر؟ هذا الصمت أثار الكثير من القلق، خاصة أن زوجة الزموري السكرتيرة في مقر حلف الناتو ببروكسيل ستصبح بعد الاختطاف السكرتيرة الخاصة لسفير الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، والزموري نفسه سيوجد مشنوقا بعد ذلك.

ما العلاقة بين هذه الخيوط؟ ألا يتعلق الأمر بأيادي المخابرات المركزية الأمريكية؟. حسب جوردن توماس في كتابه “التاريخ السري للموساد” فإن الموساد كانت حاضرة في عملية التحضير للاختطاف، غير أن عميلها “أوحنا” الذي وصل مع بن بركة من جنيف إلى فرنسا أحس بمحاولة إبعاده من طرف صقور المخابرات الفرنسية، فأخبر رئيسه دافيد كيمجي الذي اتصل بدوره برئيس الموساد مائير عاميث، الذي استشعر خطورة ما يدبر في الخفاء، فطلب من العميل الإشراف على تقديم الدعم دون التورط المباشر في الاغتيال.

ألو الرباط.. الطرد جاهز

على متن سيارة “سديس” سيختطف جهاز محاربة التجسس الفرنسي بن بركة، ويقتاده إلى فيلا بوتشيش في فونيتاي لوفيكونت… أمام المنزل الريفي في ضواحي باريس كان باليس وبوشيش ينتظران الطرد الجاهز، إنه المهدي الذي أنزل بهدوء، قيل له: “إن الرئيس يريد رؤيتك”، فصدق.

وفي الطابق الأول، طلب بن بركة كأس شاي فجاء به المجرم دوباي. لحظة بعد ذلك، سيلتحق فيغون عبر سيارة أجرة بالمجموعة. كان المهدي جالسا بهدوء على كرسي يقرأ موسوعة للشباب، يدخن سيجارته ويحتسي الشاي، لكن مع مرور الوقت سيتقدم بوتشيش ليخبره بأن الرئيس سيتأخر، بسبب لطوارئ.

في الجهة الأخرى، كان أصدقاء المهدي في حيرة من أمرهم، فهذا الرجل الملتزم بمواعيده إلى درجة يمكن ضبط عقارب الساعة على خطواته غاب فجأة بشكل ملتبس. السيد الطاهري الذي ظل ينتظر بن بركة طيلة الصباح ليحضر معه عرضا مسرحيا سيقوم بإبلاغ خبر اختطاف المهدي، وهو نفسه ما قام به أخ المهدي عبر القادر بن بركة، خاصة بعد اتصالات جرت بين الطاهري وسي ناصر، أحد مناضلي الأوساط الطلابية، حيث أبلغه الزموري بواسطة زوجته خبر إلقاء الشرطة القبض على المهدي. وفي 12 زوالا، سينتدب مفتش الشرطة الكايد من طرف رؤسائه لإخبار السيد عبد القادر بن بركة بأن أي مصلحة للأمن الفرنسي لم تقم بإلقاء القبض على أخيه.

ما بين الواحدة والواحدة والنصف زوالا، اتصل لوبيز هاتفيا بالسيد بوالو، مساعد لوري، لإشعاره بما حدث، ولم تفقد خيوط الهاتف بين الرباط وباريس حرارتها. ففي 4 و 19 دقيقة بعد الظهر، اتصل لوبيز وسوشون من مكتب للبريد بمطار أورلي مباشرة بإدارة الأمن الوطني وبوزارة الداخلية بالرباط، وفي التاسعة مساء، سيتصلان بأوفقير بمكناس: “ألو – إن الطرد وصل – طيب نحن قادمون”. وبالفعل فقد أخبر الجنرال الدموي لوبيز وسوشون وهو بفاس حوالي العاشرة وعشرين دقيقة بأنه قادم إلى باريس في الغد على الساعة الثالثة مساء، وهو ما تم تأجيله بساعتين في ما بعد، حيث حل المسؤول المغربي ووجد في استقباله الشتوكي والغالي الماحي، الذي صرح بأنه كان ينتظر قدوم زوجته ليلى بالمطار، فطلب منه الجنرال حجز غرفة بفندق روايال، لن يستغلها أبدا.

نام بن بركة يوم الجمعة دون تناول عشائه، فقد بدأ يستشعر بعض ما يدبر له، ويوم السبت 30 أكتوبر سيصل الدليمي، مدير الأمن الوطني، إلى مطار أورلي على الساعة الثانية بعد الزوال؛ وبعد ثلاث ساعات، يصل الجنرال أوفقير إلى المطار نفسه ويتوجه رفقة لوبيز إلى فيلا بوتشيش. في الآن نفسه، وصل الدليمي رفقة المدعو العشعاشي إلى فونطوناي لوفيكونت على متن سيارة لوبيز، فصعد دوباي ووضع منوما في كأس شاي للمهدي شربه للتو، وبعض ربع ساعة صعد بوتشيش إلى الطابق الأول ففهم بن بركة ما يدبر له، فقفز من كرسيه وأخذ يدافع عن نفسه بجنون، إذ كان لمنوم فيرغان مفعولا عكسيا تحول معه بن بركة إلى مقاتل شرس. ونجح المجرمون الأربعة دوباي ولوني وبوشيش وباليس في شده بعد أن أشبعوه ضربا وأوثقوه، فصعد الدليمي والعشعاشي، وعندما رآهما المهدي هدأ في ما يشبه الاستسلام…

أوفقير والمهدي.. عدوان وجها لوجه

حينما وصل أوفقير كان يبدو مرحا للغاية لوقوع عدوه الأول في المصيدة. وحسب رواية دوباي، التي وردت في كتاب علي بوريكات (الذي كان بأحد المعتقلات السرية بالرباط وأطلق سراحه فطلب اللجوء السياسي إلى أمريكا، وفي كتابه يتحدث عن رواية دوباي الذي كان معتقلا معه أيضا، ويرسم خريطة مكان دفن جثة بن بركة التي تم نقلها من فرنسا عبر طائرة عسكرية)، فإن أوفقير بدأ يذبح حنجرة المهدي وصدره بطرف السكين بلذة سادية. أما لوني فيحكي أنه حين جاء أوفقير ارتمى على المهدي بن بركة وشد خناقه صائحا: “ها أنت أيها الوغد بين أيدينا”، واستل خنجرا لكن بوتشيش اعترض قائلا: “ليس في منزلي”. أما صاحب كتاب “التاريخ السري للموساد” فيحكي كيف أشرف الجنرال أوفقير شخصيا على استنطاق بن بركة وتعذيبه حتى الفجر فأعدموه والتقط أوفقير مجموعة من الصور الفوتوغرافية للجثة قبل أن يتم دفنها في حديقة المنزل، وطار الوزير المغربي ومعه الصور.

كان للخبر الذي نشرته “لوموند” حول اختفاء المهدي والزيارة المفاجأة التي قام بها الجنرال أوفقير إلى باريس مساء 30 أكتوبر 1965 دوي الصاعقة في الأوساط الفرنسية.. مع حلول الليل، كان المنفذون والمخططون للعملية يشربون كؤوس الشامبانيا لمداراة الجريمة، ففي 10 و30 دقيقة مساء رافق انطوان لوبيز عائلته إلى لواري عائدا إلى بيته، حيث وجد أوفقير والحسوني (ممرض تخدير) ودوباي وفيغون مجتمعين.. في اليوم الموالي، 31 أكتوبر، سينتشر الخبر القنبلة، ففي الساعة السادسة صباحا سيتناول الجنرال أوفقير فطوره مع لوبيز صحبة مغربيين آخرين قبل أن يتوجه إلى جنيف في طائرة الثامنة والنصف، وفي التاسعة سيتقدم عبد القادر بن بركة بشكوى لدائرة الأمن شانزليزي ثم يتوجه إلى مقر الشرطة القضائية، حيث سيستقبله في الساعة العاشرة العميد المداوم مارشان، وفي الوقت نفسه وعلى الساعة 9 و35 كان الدليمي والشتوكي والحسوني الممرض والصقلي يستقلون الطائرة نحو المغرب.

في الحادية عشرة و35 دقيقة، من مقر بلواي، يهاتف لوبيز لوري ليخبره بتوجه أوفقير إلى المكان الذي اقتيد فيه بن بركة بالأمس. وهكذا كان المخبر لوبيز يضرب عصفورين بحجر واحد؛ فمن جهة يقدم المعلومات التفصيلية لتحركات المسؤولين المغاربة وتنقلاتهم للمخابرات الفرنسية، ومن جهة أخرى يعمل لحسابه الشخصي، خاصة أنه كانت هناك ترتيبات لتعيينه في منصب بإدارة الشركة الشريفة للخطوط الجوية (لارام).

في فاتح نونبر 1965، مع التباشير الأولى للصباح، يخبر العميد كاي من الاستعلامات العامة لولاية الأمن بأن أحد الخيوط المؤدية إلى اختطاف المهدي بن بركة تتمثل في جورج فيغون، الذي شارك في العملية، ويحاول الاتصال بمحاميه بيير لومارشان، النائب الديغولي، وعلى 9 و 40 دقيقة سيتوجه المجرم بوتشيش إلى الدار البيضاء حسب الترتيبات، وفي حدود 11 والنصف تتم أول جلسة استماع للصحفي فيليب بريني، حيث اتهم الشتوكي وأوفقير بتدبير الاختطاف، ووصف موقف جورج فيغون بالمشبوه.

وهكذا توالت الأحداث بشكل متسارع.. يوم الإثنين 2 نونبر 65، على الساعة الثامنة صباحا، يهاتف النائب والمحامي بيير لومارشان العميد باي، الذي صرح بأنه علم بالدور الذي لعبه المخبر أنطوان لوبير في الاختطاف. وعلى الساعة 12 يقابل فيغون محاميه لومارشان.. في الوقت ذاته كانت أسرة بن بركة تسارع ضد الوقت لرفع الصمت عن مصير ابنها، إذ قام عبد القادر بن بركة على الساعة الواحدة و 45 دقيقة بالإجراءات القانونية للشكاية، ونصب نفسه طرفا مدنيا، وتم تعيين السيد لويس زوليجر قاضيا للتحقيق.

ولما عاد نائب مدير الشرطة القضائية لولاية الأمن بباريس، ورئيس الشرطة الجنائية، العميد موريس بوفيي، من عطلته، استأنف عمله في “الكي دي روزفيفر”، وتسلم مسؤولية البحث في اختفاء المهدي بن بركة. ويستنتج من المعطيات الأولية التي أعدها العميد المداوم في إدارة الاستعلامات العامة أن فيغون ولوبيز متورطان في القضية، وكانت أول خطوة قام بها موريس بوفيي هي الاستماع إلى شقيق المهدي عبد القادر بن بركة، واستدعاء الصحفي فيليب بريني.

بعد التفتيش توصل المفتش كانتان والشرطة الجنائية إلى وجود ضيعة واسعة في ملكية المجرم جورج بوتشيش، الذي تربطه علاقات ودية بصديق الطفولة أنطوان لوبيز، صاحب فيلا جان دارك، وأنه كانت هناك حركات مشبوهة بين الفيلتين يوم الحادث.

يوم الأربعاء 3 نونبر 65، يعترف سوشون أمام مديره السابق في شرطة الآداب العميد أندري سامبي بمشاركته في الاختطاف بمعية فواتو. وسيرفع العميد سامبي تقريرا في القضية إلى مدير الشرطة القضائية ماكس فيرني الذي سيخبر بدوره موريس بابون، والي الأمن، الذي تولى نقل تقرير إلى السيد روجي فراي، وزير الداخلية الفرنسي، الذي لم يخبر النيابة العامة ولا قاضي التحقيق بالأمر، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام تبقى مفتوحة رفقة بياضات واسعة لم يُجب عنها التحقيق إلى اليوم؛ فقد صرح مفتش الشرطة الممتاز سوشون بأنه عندما اقتاد بن بركة على متن سيارة مصلحة وبدون رخصة إلى فيلا بعيدة في الضاحية بمعية مجرمين معروفين، عوض التوجه إلى مقر الشرطة القضائية، فإنه لم ير في ذلك ما هو غير سوي، وبأنه أراد إسداء خدمة لعميله لوبيز الذي أراد تسهيل اقتياد بن بركة لملاقاة أوفقير، مقابل ما كان يسديه المخبر لوبيز للشرطة، وبأنه أخبر مرؤوسيه بذلك، وهو ما أنكره وزير الداخلية الفرنسي روجي فراي، نافيا أي علاقة تربطه بأوفقير الذي لم يتعرف عليه أكثر من مرة.

هل كان الأمر يتعلق بمحاولة حماية جهاز الأمن الفرنسي المنخور بعد تورطه في العملية القذرة؟ وما علاقة روجي فراي بالقضية؟ وكيف صرح في ما بعد أمام الجمعية الوطنية بأنه أول من فوجئ بحضور أوفقير دون أن يُخبر بذلك؟.


روايات ناقصة وخيوط متشابكة

يذهب جاك دوروجي وفريديريك بلوكان في كتابهما: “لقد اغتالوا بن بركة” إلى أن روجي فراي الذي ذكر أنه لا يعرف أوفقير إلا من خلال إقامة قصيرة مع ابنه في المغرب كان قد قضى في شتنبر 1965 أسبوعا كاملا في ضيعة أوفقير بالمغرب، وأن العلاقة بينهما كانت جد حميمة. ألم يكن ذلك جزءا من الترتيبات العملية للاختطاف؟ أم الأمر مجرد مكر الصدف؟.

ومع تواتر البحث والتحقيق، ستؤدي اعترافات لوبيز، الذي سلم نفسه للشرطة الجنائية، بروجي سوشون إلى غرفة الجنايات، حيث سيشرع في الاستماع إليه – ومع الظهر سيعود الجنرال أوفقير من جنيف إلى مطار أورلي، حيث سيقابل وزير الداخلية الفرنسي خلال حفل استقبال نظم بوزارة الخارجية على شرف أربعة عمال أنهوا تداريب دراسية دامت ثلاثة أشهر في فرنسا؛ وأمام إحراج الصحفيين، سيصرح بأنه مر بباريس يوم 30 أكتوبر وذهب لرؤية أبنائه المقيمين بسويسرا، وعاد إلى باريس ليحضر نهاية التدريب الدراسي الذي يجتازه العمال المغاربة، كما أنه جاء من أجل تهييء الزيارة الملكية التي كانت مقررة في 11 يناير، وفوجئ باختطاف خصمه السياسي.

لقد كان العمل متقنا بدهاء من كل النواحي، عناصر التمويه، حفل السفارة والعمال المغاربة الذين أنهوا تداريبهم، وذلك لتقديم الذرائع وتبرير التنقلات بين باريس والرباط. ومساء اليوم نفسه سيحضر أوفقير حفل عشاء بفيلا سعيد، مقر إقامة السفير المغربي، وذلك برفقة الدليمي الذي عاد كذلك إلى باريس.

ومن خلال هذا الحفل سيتسلم باليس، أحد الفارين من العدالة، من يد الغالي الماحي، اليتيم الذي تبناه أوفقير، ما قدره 10 آلاف فرنك فرنسي، خصه بها وزير الداخلية المغربي مقابل وصل، وهو ما سيثير حيرة الماحي حسب تصريحه بعد اعتقاله… كان أوفقير ينوي العودة ليلا إلى المغرب، غير أنه لم يجد بعد الرحلة، فأقام ليلته بمنزل المستشار الاقتصادي للسفارة المغربية، فيما ذهب الماحي مع زوجته والكاتب الأول للسفارة إلى فندق لوري للقاء المجرمين باليس ولوني ودوباي، ليعود بعد ذلك إلى محل إقامة أوفقير عند المستشار الاقتصادي. وفي اليوم الموالي 4 نونبر سيقوم موريس غريمو، المدير العام للأمن الوطني (62/65)، الذي تولى في ما بعد ولاية الأمن بباريس خلفا لموريس بابون، بترحيل الجنرال أوفقير ومدير الأمن الدليمي إلى الدار البيضاء على متن طائرة تابعة للخطوط الفرنسية بدعوى وجود خطر اضطرابات في المغرب.

وعوض البحث عن الحقيقة، فإن مصالح فرنسا في المغرب ستغلب طابع العلاقات الدبلوماسية، وهو ما عكسه حوار بومبيدو، الوزير الأول الفرنسي، مع وزير الداخلية روجي فراي، وتلك الخيوط المتحركة بين باريس والرباط، إذ يوم 5 نونبر سيحل فيليب مالو، مدير الخارجية الفرنسي، بالرباط، ويتوجه صحبة سفير فرنسا روبير جيلي للقاء السلطات المغربية بفاس، بعد تصريحات لوبيز التي وجهت الاتهام إلى أوفقير. غير أن المغرب رفض تسليم المتهمين تبعا لتأويل الاتفاقية القضائية بين البلدين، وطلب إخبار باريس بأنه سيحيل الملف فورا على القضاء المغربي، فيما ظل الطلب الفرنسي واضحا: التخلي عن أوفقير تفاديا للإضرار بمصالح البلدين، وهو ما اعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية للمغرب، إذ حتى بعد صدور حكم محكمة لا سي في يونيو 1967 على أوفقير بالسجن المؤبد ظل هذا الأخير وزيرا للداخلية حتى غشت 1972.

يوم 11 نونبر 65 سيوضع لويس سوشون، المفتش الممتاز مدير مجموعة قمع تهريب المخدرات، ونائبه الضابط روجي فواتو، تحت الحراسة النظرية، وسيتكلف العميد موريس بوفيي ونائبه روجي بوابلون باستنطاقهما، وذلك بناء على المكالمات التي تمت ما بين 11 غشت و 2 أكتوبر، وما بين 14 أكتوبر و6 نونبر، من طرف إيلي تورجمان، وبينهما يوجد رقم سوشون وعلاقات لوبيز بالضابطين.

ومع استمرار الغموض حول اختطاف المهدي بن بركة ستصدر وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس بريس) تصريحا لأحد مسؤولي وزارة الداخلية ينفي فيه تورط مصالح الأمن الفرنسية في القضية، غير أن وقائع اليوم الموالي ستكذب البلاغ بعد اعتراف سوشون وفواتو رسميا بتواطئهما في عملية الاختطاف.

أما في المغرب، ومع ضغط الحملة الإعلامية، فقد اتخذت الأزمة في العلاقات المغربية الفرنسية أبعادا خطيرة. كان أوفقير قد خرج من صمته وصرح لمراسل فرانس بريس بأن “اتهامات العدالة الفرنسية مختلقة”؛ بل إن وزير الفلاحة السيد المحجوبي أحرضان أفصح ببلاغة نادرة قائلا: “إن الجنرال أوفقير لا يمكن من تلقاء ذاته أن يقوم بعمل يمكن لعواقبه أن تحرج جلالة الملك (…) إن المهدي بن بركة بالنسبة لي شخص شرير ويستحق الاحتقار ومصيره في الحقيقة لا يهمني، لكن ما أرفض التسليم به هو أن تنجح قضية شخص من أمثاله في زرع الخلاف بين بلدينا”.

وفي 6 نونبر 65 أصدرت وزارة الإعلام بلاغا تشجب فيه “مرتكبي الاختطاف”، وفي الآن نفسه تهاجم “المنظمات والمنابر المغرضة التي اعتادت الصيد في الماء العكر”. ويوم 10 من نونبر، تصدر الحكومة المغربية بيانا يتهم الإعلام الفرنسي بالكذب، مما جاء فيه: “إن المغرب الذي التزم صمت الفضيلة إلى حد الساعة يدين الاتهامات الموجهة ضده، ويشدد على ثقته ومسؤوليته”.

وسيزداد هذا السعار الرسمي مع تصريح وزير الخارجية الفرنسي موريس كوف دي مورفيل، الذي أمل في إقالة أوفقير أو إبعاده، ومع الندوة الصحفية التي نظمها شارل دوغول، وكانت فيها أصابع الاتهام تتجه إلى السلطات المغربية التي قدمت الحماية للمجرمين. ولإتمام مسطرة البحث وجه القاضي زولينجر المكلف بالتحقيق في الملف طلبا للسلطات المغربية للانتداب القضائي من أجل الاستماع إلى تصريحات أوفقير والدليمي يوم 14 نونبر، خاصة بعد بروز جزء من شبكة الخيوط السرية الرابطة بين الدليمي، مدير الأمن، وفواتو وسوشون من الشرطة القضائية الفرنسية، والذي كان يحمي لوبيز كعميل سري، وبوتشيش، شريك لوبيز في فنادق الدعارة، وعطية كزعيم عصابة وأصدقائه، باليس، دوباي، لوني، ومحور العملية جورج فيغون.

هذا التلاقي الغريب بين عناصر الإجرام وضباط الشرطة هو ما دفع صاحبا كتاب “لقد اغتالوا بن بركة” إلى القول: “إن بن بركة سقط في فرنسا ضحية هذا التحالف الشاذ الذي يربط بعض من هم مطالبون بالدفاع عن القانون مع من يحتالون عليه”.

في الأسبوع نفسه توصلت النيابة العامة بالرباط من وزارة العدل المغربية بأمر اعتقال دولي وطلب ترحيل المجرم بوتشيش، وقد اجتمع إثر ذلك مجلس الوزراء لمدة يومين للتداول في الأمر.

أما على مستوى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فكان لوقع الخبر أثر الصاعقة، إذ أصدرت الأمانة العامة بيانا تدين فيه الاختطاف وتطالب بكشف الحقيقة وإدانة أي مناورة لتحريف طريق التحقيق، رابطا بين الاختفاء ووجود مسؤولين مغاربة كبار لمدة طويلة بباريس.

أم الشهيد السيدة فطومة بوعنان لم تجد سبيلا سوى مراسلة دوغول، تستفسره عن مصير فلذة كبدها. وخارج البروتوكول، يتصل شارل دوغول عبر سفارة فرنسا بالرباط بأم بن بركة مطمئنا إياها بأن العدالة ستأخذ مجراها.
رغم مرور خمسة عشر يوما، لم تقم الشرطة الفرنسية سوى بأربعة اعتقالات رغم أنها جمعت قرائن تدل على مسؤولية الجهاز المخابراتي، وتورط كبار موظفي الأمن المغربي، وأحد أعضاء الحكومة النافذين في الرباط، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي دوغول يستشعر وجود عراقيل في التحقيق، في وقت أثارت الأسبوعية الديغولية “جمهوريتنا” فرضية تورط المصالح السرية الفرنسية في العملية، واكتشاف الخيوط الإسرائيلية في الملف، ما دفع دوغول إلى القول: “العملية برمتها عليها خاتم تل أبيب”. ونتيجة لذلك تجمدت العلاقات الفرنسية- الإسرائيلية، وهو ما فجر الصراع داخل إسرائيل، حيث انهال النقد على رئيس الموساد عاميث من كل صوب رغم تأكيده أن الموساد لم يتجاوز دوره توفير بضعة جوازات سفر واستئجار سيارات، وظل سلفه إيسارهاريل يردد أن عملية بن بركة لم تكن لتحدث على عهده، وهو ما خلف نقاشا كاد يعصف بالحكومة الإسرائيلية.

“أسرار الدفاع” تحجب الحقيقة

مازالت قضية اختفاء المهدي بن بركة تطرح الكثير من الغموض، بحكم تداخل مصالح أكثر من دولة في القضية، وهو ما يترك بياضات كبرى في خيوط العملية، وحتى في تحديد طبيعة القضية قضائيا، هل هي سياسية؟ أم تمس الأمن؟ أم تتعلق بالتجسس؟ أم الإجرام؟.

فحين جاء قرار غرفة الاتهام يوم 25 نونبر 65 وأخبر العميد بوفيي بإغلاق الملف بعد ثلاثة أسابيع من التحقيق، لم يقدم أجوبة شافية لا حول مصير المهدي ولا عن طبيعة الملف.

وإذا كان الملف أحيل على أنظار المحاكم مرتين، في خريف 66 وربيع 67 بباريس، فإن القضاة حكموا بالاختطاف وليس بالاغتيال، وهذا ما دفع أبناء الزعيم الاتحادي وعلى رأسهم البشير بن بركة إلى رفع شكوى جديدة حول “القتل العمد والمشاركة في القتل”، فالقضية التي حقق فيها القاضي زولينجر بعد الدعوى التي رفعها عبد القادر بن بركة توبع فيها المتهمون بتهمة “الاعتقال غير القانوني والحجز لمدة شهر والمشاركة”، حيث صدر الحكم في 67 بتبرئة الدليمي والماحي وفواتو ولوري والصحفي بريني، وحوكم لوبيز وسوشون بثمان و 6 سنوات سجنا نافذا، وعلى أوفقير والمجرمين الهاربين بالحكم المؤبد.

وظلت القضية مجمدة حتى تم إحياؤها في أكتوبر 75، حيث أسندت إلى القاضي هوبير بانسو ونائب المهدي المحامي موريس بوتان، الذي كان حاضرا في محاكمتي 66 و67 ، حيث راسلا كل الرؤساء والوزراء في الدول المعنية لرفع اليد عن الوثائق المرتبطة بالملف، لكن بدون جدوى، إذ لم يتمكن القاضي في 14 ماي 1982 من الاطلاع سوى على 200 وثيقة موجودة بوزارة الدفاع الفرنسية بدعوى “سر الدفاع”، كما أن المخابرات المركزية الأمريكية أغلقت الباب في وجه البشير بدعوى “الأمن القومي”.

وتزداد صعوبة البحث اليوم في القضية بسبب إغلاق أرشيف الأجهزة الحساسة من جهة، وأيضا بسبب عامل الزمن الذي أدى إلى موت عدد كبير من المشتبه فيهم والشهود الأساسيين والمساعدين، من الجنرال دغول إلى جاك فوكار ووزير الداخلية روجي فراي، والجنرال أوفقير والدليمي، وجورج فيغون، محور العملية الذي تم إدخاله إلى مستشفى المجانين، حيث وجد مشنوقا يوم 17 يناير 66، ولويس سوشون والمجرمين الأربعة الذين تمتعوا بحماية السلطات المغربية قبل تصفيتهم حسب ابن الزعيم الاتحادي، وآخرهم جان باليس الذي توفي في الرباط في شتنبر 1979.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *