انهيار النظام السوري كارثة على المنطقة*الرفيق تاشفين الاندلسي
وبما ان الأحداث جللة ولا يمكن التغاضي عنها، وبما أنني مواطن من هذا التابوت اللعين سأعلن لنفسي موقفا وتحليلا حول ما يقع، وكنا قد مررنا من موقف أجل وأكبر من هذا الذي يقع اليوم بكثير و هو انهيار الاتحاد السوفياتي. كان عمري آنذاك واحد و عشرون عاما، عمر كافي يجعلني أتعرض لصدمة أكبر من وعيي آنذاك ولو أنني كنت شابا يافعا أماله مفتوحة نحو مستقبل إنساني ممكن وكنت متموقعا إلى جانب القطب الاشتراكي في مراحل تاريخية آنذاك ملتبسة جدا بعد بداية السقوط في عواصم معينة خصوصا وارسو.
في البداية لابد أن أسجل أن انهيار النظام السوري كارثة على المنطقة وهو تطبيق دراماتيكي لما خطط له قبل تقريبا عشرون عاما، كانت الحلقة الأخيرة بالنسبة للمنطقة أو قبل الأخيرة (ايران)، لكن جدليا يجب الاقرار أن الأمر ليس منتهيا مع سقوط ايران لأن محرك كل هذا التزخزح التيكتوني الجغرافي والاستراتيجي ليس رغبة مرحلية أو ارادية بل هي حركة طبيعية لنظام عالمي يحمل في أحشاءه كل أسباب دماره، إنها الرأسمالية في طور العولمة المتأزمة الشرهة التي لا تشبع من الاسواق والموارد الأولية، فكلما تقدمت أكثر كلما كان الدمار أكبر حسب متتالية هندسية... إذن إن المسألة لن تتوقف عند اسقاط هذا النظام في هذه المنطقة أو نظام في تلك المنطقة.. العالم اليوم يوجد في فوضى عارمة حتى داخل المراكز الرأسمالية الاستعمارية...
بالعودة الى ما حصل في سوريا هذه الأيام، من المؤكد أن فوضى وجرائم فضيعة ستقع على شاكلة ما وقع في العراق والصومال وليبيا والسودان، بحيث ان الأمور لن تستقر على المدى المنظور وستطول كثيرا ( التجارب المذكورة أحدثها مرت عليه اربعة عشر سنة في غياب الدولة (ليبيا) )، وما يدعم هذا الطرح هو المزاج العام عند هذه الشعوب في هذه المنطقة الغنية بالتنوع الديني الطائفي والمذهبي والعرقي المتسم بالتخلف الشديد وأحقاد عمرها تعدت عشرات القرون، ناهيك عن وجود سرطان تاريخي جغرافي عالمي يسمى اسرائيل ...
وبما أن الصراع ليس معزولا عما يقع في باقي مناطق العالم الرأسمالي فإنه ليس من السهل التخلي عن مشاريع عابرة للدول كانت قد بدأت تطل برأسها على المسرح العالمي كمنظمة البريكس وما سموه بالعالم المتعدد الأقطاب.. هذه المشاريع كانت سوريا في قلبها، فالصراع كان معلنا بين مشروع احياء طريق الحرير و كذلك مشروع مد أنابيب الغاز لاروبا وفي المقابل مشروع الغرب باشراك الرجعيات العربية في الخليج حول الحزام الذي تحدث عنه نتنياهو في الامم المتحدة بوضوح والذي يذكرنا به كل مرة حول خارطة عالمية جديدة مما سيجعل الحصار على روسيا و الصين خانقا.. فأنا لا أتفق مع من يقول ان هناك توافقات بين الاطراف المؤثرة في سوريا أدت الى التخلي عن النظام السوري، فهذا الامر جيوستراتيجي لن يخضع لأي توافقات إما هزيمة أو نصر فمعروف عن التوافقات أنها مرحلية تمس جوانب غير مؤثرة استراتيجيا وهذا غير ممكن في هذه الحالة ...
أمام هذه المشاريع العابرة للدول والقارات أتصور أن احتدام الصراع سينتقل الى مستويات أخرى أكبر ليس محليا بين الطوائف والمذاهب فهؤلاء مجرد كومبارس على المسرح العالمي بل سيتحدد مصير اروبا نفسها من نافذة اوكرانيا وتقييم الوضع في الصين لأنها الحلقة الأكثر ثقلا في سلسلة الالتهابات النارية العاصفة في منطقة هشة للغاية.
إن العقل العاطفي الظرفي سوف لن يفهم أن ميكانيزمات تحرك التاريخ لا تتحدد بالارادات بل إن هذه الارادات تابعة لمنطق طبيعة نمط الانتاج الرأسمالي في كل مرحلة على حدة وبالتالي ففائض القيمة هو الذي يحدد الوجهة التي ستعمل عليها الارادات مرغمة وبتلقائية و إلا فهذا النمط سيصير الى الزوال.
في سوريا هناك مستقبل أسود على المدى المنظور ستتكرر سيناريوهات الصومال والعراق والسودان و ليبيا وهذا طبعا معلن وليس تحليلا سموه منذ مدة اثناء ادارة المجرم بوش الابن ب"الفوضى الخلاقة" خلاقة طبعا بالنسبة الى الامبريالوصهيونية لأنها تخدم مشروعهم الهيمني الاستعماري الهمجي، هذا إن لم تظهر أحداث أشمل في مناطق أخرى من العالم و الذي سيكون نقطة فاصلة في مستقبل الكرة الأرضية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق