امهات وزوجات سنوات الرصاص...خديجة زوجة الرفيق الحسني حسن العلوي
كنت بالسجن المركزي بالقنيطرة وبالضبط بحي "ج" في زنزانة انفرادية استعدت بعض حيويتي عندما اخبرت بزيارة ، عادة تأتي المرحومة والدتي محملة بقففها من الدار البيضاء ، بعد أن تنكر العديدون ممن يصولون ويجولون اليوم ويدعون البطولات ، ارتديت قميصا صيفيا ازرقا وبنطلون الجينز وحذاء رياضيا ، وصعدت إلى المزار ، اقول صعدت لأن المستوى الذي توجد فيه الزنازن والاحياء يوجد اسفل على مستوى الوادي المحادي للسجن واماكن الزيارة يُصعد إليها بدروج متعددة ، صعدت لأفاجأ بمرافقة لوالدتي ، كانت فتاة في ريعان شبابها تفيض حيوية ونشاطا ، دققت في ملامحها لم تكن إلا ابنة الجيران التي لا اذكر منها وهي صغيرةإلا إطلالتها ببيتنا وسرقتها لنظرات ، ماإن تلتقي عيناها بعيني حتى تحمر خجلا ، وتبتسم وتتلقف ابتسامتها بكلتي يديها وتهرول مسرعة للخروج ، في هذه الزيارة كانت مرتبكة لكنها كانت تضحك ضحكة تنم عن شجاعة وبعض جرأة ، وتحولت الزيارة إلى رسائل مسربة تدخل زنزانتي ، وأخرى مطولة تخرج منها بعد أن يتم إحكام دسها بطرق شتى لتفلت من عيون مفتش دقيق ، لم تكن الرسائل سوى حكي متواصل لمعاناة طالت وسط تنكر وحملة تشويه من الباحثين عن مشروعية وموطئ قدم ،وسَرَت بذلك كهرباء أَحْيت تعاطفا نسويا عفويا تقاطرت بعده الأفواج زيارةً ، وبدأت الهمهمات تدب ومحاولة لثني هذا التدفق وقائدته الضحوكة التي لم ترعو رغم التحذيرات والتخويفات ، تتالت عليها" النصائح" والترغيب والترهيب وحتى عروض الزواج ، وبدأت الهمهمات بدرب الكبير ، واجتهد " الناصحون " الذين كان يرعبهم أن يصل صوت المعتقلين أو يسمع شيء عن معاناتهم فهم يؤسسون لمشروعية مبنية على التخويف وحشد الخائفين وجعلهم ركوبا ومطية ، لكن الضحوكة لم يفث في عضدها واختارت أن تُوصل الصوت إلى الدرب والجامعة في محاضرة عن الاعتقال السياسي حيث اعتلت المنصة وقالت كلمتها بثقة أذهلت الجميع وتركتهم مشدوهين لما سمعوا ، كانت كالفراشة تطير في كل مكان ، لم تنخرط في اي تنظيم ، لكن كلهم يخطبون ودها وبعضهم يستغل شعبيتها في درب الكبير لسخاءها وعطائها العفوي ، أمازيغية حرة لا تريد أن تتخندق ، ولطالما ضحكت عن المتخندقات ونكّتتْ عليهن، ومن السجن المركزي نُقلت إلى سجن عكاشة بالدار البيضاء وصارت الزيارات متتالية ، وبدأ التفكير الرسمي في غسل الوجه بعدما تعالت اضرابات المعتقلين السياسيين والمنادات بإطلاق سراحهم وتحديد من هو المعتقل السياسي؟ ، ثم بدأت عملية تحديد اللوائح ، وحديث عن "العفو " كنت نائما في زنزانتي الانفرادية ، ,إذا بي اسمع جلبة وصرير الابواب ودقات المفاتح تفتح الأقفال الموصدة ، فُتحت زنزانتي ، فخرجت فوجدت عددا من المعتقلين يجمعون بعضا من حاجياتهم ويوزعون الباقي ،إنه الافراج ،كان تبادل للعناق ووداع لمن بقي ، وما كدت اتمم اجراءات التدقيق الاسمي والتسجيل في السجلات الكالحة ، واوشكت على الوصول إلى الباب الرئيسي حتى تناهى إلى سمعي انشاد حماسي ، ومن بين كل الأصوات ميزت صوتها الهادر ، تناهى إلى علمها بعد المقدمات الاعلامية والحقوقية أن الافراج سيكون تلك الليلة فحشدت بعضا من الجيران وأحضرت أختي وجاءت منشدة ورافعة للشعارات وهي تخبط بكلتي يديها الباب الرئيسي لسجن عكاشة والجيران والمرافقين يرددون ، كانت ليلة مشهودة ، من بين من استقبلني طفل من أبناء الجيران اسمه مصطفى صُدم باختطافي قبل أحد عشرة سنة وهو طفل وظل كلما ذُكر اسمي بحضوره يبكي في صمت عانقني بحرارة قائلا:" أنا مصطفى ولد زينب هل عرفتني؟" وبكى بحرارة وضمني بقوة ، لكأنه يضمد جرحا غائرا ، وسرنا جميعا عائدين إلى درب الكبير ...ليبدأ مشوار آخر صارت فيه خديجة - هذا اسمها - خطيبة وزوجة وأما ، وضعت اجازتها في القانون الخاص جانبا بعد أن أعياها اجتياز مباراة التوظيف المتنوعة دون جدوى - ألم يقل لهامقدم الحي يوما إنك في اللائحة السوداء- لانهم لم يستطعوا أن يصنفوا هي مع من ! لكنها اختارت بعفويتها وبصدقها وبقلبها حبا وحبيبا لن يوفيها حقها مهما كتب عنها ، لأنها كانت ولا زالت وستبقى أعز علي من نفسي التي بين جنبي ، ولا يكفيني فيها عيد حب واحد في السنة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق