لمن لا يزال لهم الشك في الغزو الذي تعرضت له سوريا *علي بلمزيان.
لمن لا يزال لهم الشك في الغزو الذي تعرضت له سوريا
إن ما حدث في سوريا يشكل تجسيدا لصراع معقد بين قوى إقليمية ودولية سعت لإعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. حيث تدخلت تركيا، والولايات المتحدة، والكيان الصهيوني بشكل مباشر أو غير مباشر عبر دعمها لمليشيات محلية أو عبر شن عمليات عسكرية لتحقيق أهدافها الخاصة. لقد استغلت هذه القوى حالة الاحتقان الشعبي ضد النظام السوري الذي اتسم بالقمع والاستبداد لعقود، وعملت على تأجيج الصراع بما يخدم طموحاتها الجيوسياسية.
فالنظام السوري، الذي اعتمد على سلطة مركزية ديكتاتورية وقمعية، قمع الحريات السياسية وقيد النشاط الحزبي والمدني، مما أسهم في خلق بيئة خصبة للانتفاضة الشعبية في 2011. لكن ما بدأ كحركة احتجاجية سلمية ضد الديكتاتورية تحول سريعا إلى حرب إقليمية بالوكالة. ساهمت في ذلك تدخلات خارجية متعددة الأوجه، حيث دعمت تركيا فصائل مسلحة بهدف إسقاط النظام والحصول على نفوذ إقليمي في شمال سوريا، وسعت الولايات المتحدة إلى إضعاف النظام الذي يمثل حليفا استراتيجيا لإيران وروسيا، في حين عمل الكيان الصهيوني على إضعاف القوة العسكرية السورية لمنع أي تهديد محتمل على جبهته الشمالية.
لم يكن هذا الغزو العسكري تقليديا بقدر ما كان عملية معقدة لتفكيك بنية الدولة السورية عبر توظيف مليشيات مسلحة متنوعة الأيديولوجيات والولاءات. دعمت تركيا فصائل إسلامية مسلحة لتحقيق أجنداتها القومية، بينما دعمت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية لتعزيز نفوذها في شرق الفرات والسيطرة على الموارد النفطية. أما الكيان الصهيوني، فقد اعتمد على استراتيجية الضربات الجوية المتكررة لإضعاف الوجود الإيراني وحزب الله في سوريا، في إطار استراتيجية أوسع لضمان تفوقه العسكري في المنطقة.
لقد لعبت المليشيات المسلحة دورا محوريا في هذا الصراع، حيث تم تسخيرها كأدوات لتحقيق أهداف القوى الخارجية، سواء عبر الفصائل المدعومة تركيًا أو عبر القوات الكردية المدعومة أمريكيا، أو حتى عبر الجماعات الجهادية التي تلقت دعما لوجستيا وعسكريا من قوى إقليمية. كان الهدف الأساسي هو إعادة رسم الحدود الجيوسياسية وفرض وقائع جديدة على الأرض، وليس مجرد إسقاط نظام ديكتاتوري. لقد تم استخدام شعارات الحرية والديمقراطية كأقنعة تخفي وراءها أطماعا إمبريالية وتوسعية.
النظام السوري، من جهته، اعتمد على حلفائه التقليديين، إيران وروسيا، لضمان بقائه واستعادة سيطرته على الأراضي السورية. لكن هذا التحالف لم يكن مجرد دعم لنظام ديكتاتوري بقدر ما كان جزءا من صراع دولي أوسع على النفوذ في الشرق الأوسط. بالنسبة لإيران، كانت سوريا بمثابة حلقة وصل استراتيجية مع حزب الله في لبنان، أما بالنسبة لروسيا، فقد كانت فرصة لتعزيز حضورها العسكري في البحر المتوسط والحفاظ على نظام حليف يقف في وجه التمدد الغربي.
التراجيديا السورية تكمن في أن الشعب، الذي انتفض ضد القمع والديكتاتورية، وجد نفسه بين مطرقة التدخلات الإمبريالية وسندان القمع الداخلي. لم تسع القوى الخارجية إلى دعم تطلعات الشعب السوري في الحرية والعدالة بقدر ما استغلت معاناته لتحقيق مصالحها. وبالمقابل، لم يتردد النظام في استخدام كل الوسائل القمعية للبقاء في السلطة، مما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
التحليل الماركسي لهذا الصراع يكشف عن صراع طبقي مموه بصبغة طائفية وقومية. فالانتفاضة بدأت كحركة احتجاجية ضد الاستبداد والفساد والتفاوت الطبقي، لكن القوى الإمبريالية والإقليمية عملت على تحوير مسارها نحو صراع طائفي وإثني لتحقيق أهدافها. إن ما جرى في سوريا لم يكن مجرد حرب أهلية، بل كان حربا عالمية مصغرة شاركت فيها قوى كبرى عبر وكلاء محليين لتحقيق نظام عالمي جديد يضمن هيمنة رأس المال العالمي على مقدرات الشعوب.
إجمالا، لا يمكن فهم ما حدث في سوريا دون نقد ديكتاتورية النظام الذي سلب الشعب حريته وكرامته لعقود، ولكن أيضا دون إغفال للدور التخريبي للقوى الإمبريالية والإقليمية التي استغلت تلك الديكتاتورية لتفكيك الدولة السورية وإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مصالحها. إن الصراع في سوريا هو تجسيد لصدام مصالح دولية وإقليمية على حساب الشعب السوري الذي لا يزال يدفع الثمن الأغلى.
- علي بلمزيان.
الحسيمة، صبيحة 12 فبراير 2025.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق